الحوثيون في العراق: من مكتبٍ سياسي إلى شبكةِ عمليّات

يكشفُ الهجوم الأخير على السعودية أنَّ الحوثيين لم يعودوا يتحرّكون من اليمن وحده، بل أصبحوا جُزءًا من شبكة عمليات إقليمية اتخذت من العراق إحدى أهم قواعدها.

الحوثيون في اليمن افتتحوا أولًا مكتبًا رسميًا في بغداد قبل أن يحولوه إلى مركز للعمليات.

بغداد – سمير الحلو*

لم يكن الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية سعودية في 27 تموز (يوليو) 2026 مجرّد تصعيدٍ عسكري جديد، بل كشف عن تحوُّلٍ استراتيجي في بنية “محور المقاومة”. فبحسب وزارة الدفاع السعودية، لم تنطلق الطائرات المسيّرة من اليمن، بل من الأراضي العراقية، الأمر الذي نقل العراق من خانة الدعم اللوجستي إلى موقع منصّة عمليات ضد المملكة.

وبعد يومين، ردّت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بضربات استهدفت مواقع تابعة لتلك الميليشيات داخل العراق. ولم يقتصر أثر الضربات على تدمير مواقع عسكرية، بل كشف أيضًا جانبًا من شبكة ظلّت تعمل بعيدًا من الأضواء. فقد أعلن الحوثيون مقتل محمد خالد العياشي في تلك الضربات، وهو ما وفّرَ مؤشّرًا إضافيًا على وجود عناصر حوثية داخل المواقع التي استهدفتها العمليات العسكرية، وأعطى بُعدًا جديدًا للتقديرات التي تحدّثت طوال السنوات الماضية عن انتقال نشاط الجماعة من اليمن إلى ساحات إقليمية أخرى.

لا تبدو هذه الحادثة حدثًا منفصلًا، بل تُمثِّل نتيجةً لمسار بدأ يتبلور تدريجيًا منذ سنوات. فمنذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وما أعقبها من تصاعد التنسيق بين أطراف ما يعرف بـ”محور المقاومة”، اتجهت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران إلى توزيع الأدوار والقدرات العسكرية بين أكثر من ساحة. وفي هذا السياق، لم يعد العراق مجرّد ممرٍّ لوجستي بين إيران وسوريا ولبنان، بل تحوّل تدريجيًا إلى قاعدة عمليات متقدّمة يمكن استخدامها لإطلاق هجمات نحو أهداف إقليمية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. وقد أشارت تقارير غربية وإقليمية متطابقة خلال العامين الماضيين إلى تزايد نشاط الحوثيين داخل العراق، سواء في مجالات التدريب أو تطوير الطائرات المُسيّرة أو التنسيق مع الفصائل المسلحة.

من التمثيل السياسي إلى شبكة عمليات

ويكشف تتبع هذا النشاط أنَّ الحوثيين نجحوا في بناء شبكة عملياتية داخل العراق تحت مظلة “كتائب حزب الله” وفصائل عراقية أخرى مدعومة من إيران. ولم يبدأ هذا الوجود بطابعٍ عسكري مباشر، بل انطلق من مكتبٍ سياسي كان يعمل بصورةٍ علنية في حي الجادرية ببغداد، قبل أن يتطوّر تدريجيًا إلى شبكة أكثر سرية وانتشارًا. ومع تزايد الضغوط الأمنية والإقليمية، انتقلت مراكز النشاط إلى محافظة بابل، ولا سيما إلى منطقة جرف الصخر، التي تحوّلت منذ سنوات إلى واحدة من أكثر المناطق العسكرية تحصينًا في العراق، وتخضع لسيطرة شبه كاملة لـ”كتائب حزب الله”.

ولم يكن اختيار العراق مصادفة. فبخلاف اليمن، الذي يخضع لرقابةٍ جوية واستخباراتية مكثفة منذ سنوات، يوفّر العراق بيئة عملياتية أكثر مرونة. إذ تنتشر فيه فصائل مسلحة تمتلك قواعد ومخازن أسلحة وشبكات نقل ومناطق نفوذ خارج السيطرة الكاملة للدولة، كما يمنح موقعه الجغرافي قرب الحدود السعودية خيارات أوسع لتنفيذ عمليات يصعب توقُّع مسارها أو نسبها مباشرة إلى جهةٍ بعينها. كما إنَّ هذا الانتشار يُخفّف من قدرة الخصوم على ربطِ أيِّ هجوم مباشرة بجبهة معيَّنة، ويمنح الجهات المنفذة هامشًا أوسع للمناورة والإنكار.

ولا يقتصر وجودُ الحوثيين هناك على مكاتب أو مساكن، بل يمتد إلى مواقع تُستَخدَم في التنسيق والتدريب، من بينها مزرعة تقع بالقرب من منشأة “الحكم” العسكرية-الصناعية السابقة. واكتسب هذا الموقع أهمية خاصة بعد الضربة الأميركية التي استهدفت جرف الصخر في تموز (يوليو) 2024، وأسفرت عن مقتل أحد عناصر “كتائب حزب الله” والقيادي الحوثي حسين عبد الله مستور الشبل، المعروف بـ”أبو جهاد”، والذي يُعد من أبرز خبراء الجماعة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد شكّل مقتله آنذاك أول دليل عملي على أنَّ التعاون بين الحوثيين والفصائل العراقية تجاوز الدعم السياسي والإعلامي إلى مستوى الشراكة العسكرية الميدانية.

ويقود هذه الشبكة أحمد الشرفي، المعروف باسم “أبو إدريس”، الذي وصل إلى العراق عام 2023 ليتولى منصب ممثل الحوثيين في البلاد. لكن دوره تجاوز سريعًا حدود التمثيل السياسي التقليدي، إذ أُوكِلَت إليه مهمّة إدارة العلاقات مع الفصائل العراقية المدعومة من إيران، والتنسيق مع قادتها، وبناء قنوات اتصال مع شخصيات سياسية وشيوخ عشائر، بما يضمن توفير بيئة حاضنة لنشاط الجماعة.

وقبل انتقاله إلى بغداد، كان الشرفي مُنخرطًا في برنامج التصنيع العسكري التابع للحوثيين، وهو ما يُفسّر طبيعة المهام التي تولّاها لاحقًا داخل العراق. فوجوده لم يكن يهدف إلى إدارة مكتب سياسي بقدر ما كان يُركّز على بناء شبكة عملياتية دائمة، تربط بين الخبرة العسكرية التي اكتسبها الحوثيون خلال سنوات الحرب في اليمن، والإمكانات اللوجستية والبشرية التي توفّرها الفصائل العراقية.

ويشغل “أبو علي العزي” منصب نائب رئيس البعثة الحوثية في العراق، وقد تركز نشاطه في محافظة بابل، حيث رُصد وجوده في منطقة المسيب قبيل الهجمات التي استهدفت المملكة العربية السعودية. وإلى جانب دوره داخل الشبكة الحوثية، عمل محاضرًا في إحدى الجامعات العراقية، وهو ما وفر له غطاءً مدنيًا ساعد على توسيع شبكة العلاقات المحلية، بعيدًا من الأنظار.

ولا يقتصر النشاط الحوثي على الجانب العسكري. فالعلامة محمد عبد العظيم الحوثي يتولى إدارة الأنشطة الدينية والإيديولوجية من خلال لقاءات منتظمة مع قادة الفصائل وشخصيات سياسية عراقية، إضافة إلى الإشراف على توزيع المطبوعات الدينية والمواد الدعائية للجماعة، بما يعزز حضورها الاجتماعي والفكري. أما فضل الشرفي، فيدير جانبًا من الأنشطة المالية والخيرية عبر “مؤسسة المواطن الخيرية” في النجف، التي تمثل قناة لجمع التبرّعات وبناء العلاقات خارج الإطار الرسمي للبعثة الحوثية.

ويعكس هذا التوزيع للأدوار نمطًا مألوفًا في عمل الجماعات المرتبطة بإيران؛ إذ يجري الجمع بين النشاط العسكري والسياسي والديني والمالي داخل بنية واحدة، بما يسمح ببناء نفوذ طويل الأمد لا يعتمد على السلاح وحده، بل على شبكة متداخلة من العلاقات والمؤسسات والواجهات المدنية. ولا يمكن لهذه البنية أن تعمل بهذا المستوى من التنسيق من دون مظلة توفّر لها الحماية السياسية واللوجستية داخل العراق.

شراكة تتجاوز الحدود

وتعتمد هذه الشبكة بصورة رئيسية على الغطاء السياسي والعسكري واللوجستي الذي توفّره “كتائب حزب الله”، التي تُعَدُّ إحدى أكثر الفصائل العراقية ارتباطًا بـ”الحرس الثوري” الإيراني. فممثلو الحوثيين يعملون تحت حماية زعيم الفصيل أحمد محسن الحميداوي، ويستفيدون من المركبات والمنشآت والمرافق التي تسيطر عليها الجماعة، بما يتيح لهم الحركة والعمل داخل العراق من دون الحاجة إلى إنشاء بنية تنظيمية مستقلة أو استقطاب أعداد كبيرة من العناصر المحلية.

ويستفيد الحوثيون كذلك من الانتشار الجغرافي للفصائل العراقية المسلحة في المحافظات الغربية والجنوبية. فوجود “كتائب حزب الله” و”حركة حزب الله النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” في المناطق الممتدة من معبر عرعر الحدودي وصولًا إلى صحراء محافظة المثنى، يوفّر عُمقًا جغرافيًا يصعب مراقبته بالكامل، فضلًا عن ممرات لوجستية يمكن استخدامها لنقل المعدات أو تجهيز منصات إطلاق الطائرات المسيّرة. وتمنح هذه المناطق، بحُكمِ بُعدِها النسبي عن المراكز السكانية وكثافة الوجود المسلح فيها، بيئة أكثر ملاءمة لتنفيذ عمليات يصعب نسبها مباشرة إلى جهة محددة.

ويمثل هذا النموذج تطوُّرًا في أسلوب عمل الحوثيين خارج اليمن. فالجماعة لم تعد بحاجة إلى نقل أعداد كبيرة من المقاتلين أو إنشاء قواعد مستقلة، وإنما تكتفي بإرسال عدد محدود من خبراء الطائرات المسيّرة والصواريخ، والمتخصّصين في الاتصالات، والوسطاء الماليين، والكوادر الدينية، ليعملوا فوق بنية قائمة أصلًا تديرها الفصائل العراقية. وفي المقابل، تؤمّن هذه الفصائل القواعد والمخازن ووسائل النقل والحماية والعناصر المحلية، بينما يوفّر الحوثيون الخبرة التقنية التي اكتسبوها خلال سنوات الحرب في اليمن، ولا سيما في تطوير الطائرات المسيّرة بعيدة المدى وتكتيكات استخدامها. أما إيران، فتحتفظ بدور المنسّق بين مختلف أطراف هذه المنظومة، بما يضمن توزيع الأدوار ومنع التداخل بينها.

ولا يقتصر البُعدُ العسكري لهذا التعاون على تنفيذ هجمات ضد المملكة العربية السعودية، بل يتّصل باستراتيجية إيرانية أوسع تقوم على تعدُّد الجبهات وتوزيع أدوات الضغط الإقليمي. فمنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، عملت طهران على بناء شبكة من الفاعلين المسلحين في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بحيث تمتلك القدرة على نقل الخبرات والأسلحة والكوادر بين هذه الساحات بحسب الحاجة. وقد أتاحت هذه الاستراتيجية لإيران مرونة أكبر في إدارة المواجهات الإقليمية، إذ تستطيع ممارسة الضغط عبر أكثر من جبهة، مع الاحتفاظ بهامش من الإنكار السياسي، من خلال إسناد العمليات إلى الفصائل الحليفة بدلًا من تحمُّل مسؤوليتها المباشرة.

ومن هذه الزاوية، لا يكشف التعاون بين الحوثيين والفصائل العراقية عن توسع جغرافي للجماعة فحسب، بل يعكس تحوُّلًا أوسع في بنية “محور المقاومة”. فلم تعد مكوّناته تعمل كتنظيمات منفصلة، بل باتت شبكة إقليمية تتبادل الخبرات والكوادر والموارد، وتنسّق عملياتها عبر أكثر من ساحة.

تداعيات تتجاوز العراق

ويثير هذا الواقع تحديات متزايدة أمام الدولة العراقية. فمنذ هزيمة تنظيم “داعش”، سعت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى تقديم العراق بوصفه دولة تتبنّى سياسة التوازن بين جيرانها، وترفض استخدام أراضيها ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية. غير أنَّ استمرار نشاط الفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة، واتساع هامش حركتها، جعلا هذا الموقف أكثر صعوبة. فالهجوم الذي استهدف المملكة العربية السعودية في تموز (يوليو) 2026 أعاد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الحكومة العراقية على فرض سيادتها على كامل أراضيها، ومنع استخدامها في شنِّ عمليات ضد دول الجوار.

ولا يقتصر الأمر على البُعدِ الأمني، بل يمتدُّ إلى العلاقات الإقليمية للعراق. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحسُّنًا ملحوظًا في العلاقات العراقية-السعودية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاستثماري. وأسهم هذا التقارب في إعادة دمج العراق تدريجيًا في محيطه العربي، بعد سنوات من التوتر. إلّا أنَّ تحوُّلَ الأراضي العراقية إلى منصّة تنطلق منها هجمات تستهدف المملكة يُهدّد بإضعاف هذا المسار، ويضع بغداد أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاتها العربية، ومواجهة نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.

كما تكشف هذه التطوّرات عن تحدٍ آخر يتعلق بأمن الطاقة العالمي. فاستهداف المنشآت النفطية السعودية لم يعد يقتصر على الجبهة اليمنية كما كان الحال في السنوات الماضية، بل بات يشمل جبهات جديدة أكثر تعقيدًا. وهذا التوسُّع يفرض على الرياض إعادة تقييم منظومتها الدفاعية، ويزيد من أهمية التعاون الأمني والاستخباراتي مع العراق والدول المجاورة، لمنع تحوُّل الحدود الشمالية للمملكة إلى مصدر تهديد دائم.

وفي هذا السياق، لا تبدو الضربات الأميركية-السعودية التي أعقبت هجوم 27 تموز (يوليو) مجرّد ردٍّ عسكري محدود، بل تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أنَّ استخدام الأراضي العراقية منصّةً لشنِّ هجمات إقليمية لن يمرَّ من دون كلفة. غير أنَّ مثل هذه الضربات، مهما بلغت دقتها، لا تعالج جذور المشكلة، لأنها تستهدف نتائج الشبكة أكثر مما تستهدف البيئة التي سمحت بقيامها.

ولهذا، فإنَّ السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بمَن نفّذَ الهجوم الأخير، وإنما بكيفية تمكُّن الحوثيين، على مدى سنوات، من بناء وجود عملياتي مستقر داخل العراق، مستفيدين من حماية الفصائل المسلحة، ومن ضعف قدرة الدولة على احتكار السلاح وفرض سيادتها على جميع المناطق.

وتشير التجربة إلى أنَّ هذه الشبكة لم تُبنَ بين ليلة وضحاها، ولن تختفي بمجرد استهداف بعض مواقعها أو مقتل عدد من كوادرها. فهي جُزءٌ من منظومةٍ إقليمية أوسع، تعتمد على التشابك بين الفصائل المسلحة، وعلى تبادل الأدوار والخبرات، بما يجعل تفكيكها يتطلّب معالجة سياسية وأمنية تتجاوز الردود العسكرية الآنية.

لقد كشف هجوم 27 تموز (يوليو) عن أكثر من مجرد ثغرة أمنية؛ إذ أظهر أنَّ البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين باتت قادرة على نقل مراكز الثقل بين ساحات مختلفة، بحيث لا يعود موقع الجماعة المسلحة هو العامل الحاسم، بل الشبكة التي تنتمي إليها. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نُفِّذَ الهجوم الأخير، وإنما إلى أيِّ مدى أصبح العراق جُزءًا من معادلة الردع الإقليمية التي تديرها طهران عبر وكلائها. والإجابة عن هذا السؤال ستُحدّدُ مستقبل الأمن العراقي بقدر ما ستُحدّد مستقبل أمن الخليج.

  • سمير الحلو هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى