الأمن الغذائي العالمي… الجبهة الأخرى للحرب

بينما تتركز الأنظار على تطورات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، تتشكل بصمت حرب موازية على الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، قد تكون آثارها أطول عمرًا من المعارك نفسها.

الأمن الغذائي الخليجي… قصة مشروع يتسارع مع الأزمات.

الدكتور داود رجب البلوشي*

مع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، انصبَّ الاهتمام الدولي على التطوّرات العسكرية واحتمالات اتساع نطاق الصراع في الخليج، وتأثيراته المحتملة على أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب مسار العمليات الميدانية والردود المتبادلة. غير أنَّ الاقتصار على متابعة المشهد العسكري قد يحجب جانبًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التداعيات الاقتصادية والسياسية التي تبدأ بالتشكّل منذ اللحظات الأولى لأيِّ نزاع، وتمتد آثارها من أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد إلى تكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء ومستويات المعيشة.

فبينما تستحوذ التطوّرات العسكرية على اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام، غالبًا ما تكون آثارها الاقتصادية أكثر عمقًا واستمرارًا. فالتقلبات في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطراب إمدادات المواد الأولية، وتغير أسعار الأسمدة والسلع الغذائية، قد تستمر لسنوات بعد توقف العمليات العسكرية. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر السؤال على كيفية تطور المواجهة عسكريًا، بل يمتد إلى مَن سيتحمل كلفتها الاقتصادية، وأي الاقتصادات ستكون أكثر قدرة على التكيُّف مع تداعياتها.

ما لا تكشفه ساحات القتال

عندما تتعرّض منشأة نفطية أو سفينة تجارية لهجوم، تتجه الأنظار عادة إلى حجم الخسائر العسكرية أو المادية المباشرة. إلّا أنَّ التأثيرات الأوسع تبدأ في الظهور داخل الأسواق؛ إذ تراقب شركات الطاقة استقرار الإمدادات، وتُعيدُ شركات النقل احتساب كلفة التأمين ومسارات الشحن، بينما تبحث الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة عن بدائل للإنتاج، ويتابع القطاع الزراعي انعكاسات ذلك على أسعار الأسمدة، في وقت يُقيِّم صناع السياسات أثر هذه المتغيرات على الأمن الغذائي والتضخم والنمو الاقتصادي. وبهذا المعنى، فإنَّ الحروب الحديثة لا تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل أيضًا بما تخلقه من تحوّلات اقتصادية قد تستمر آثارها لفترات طويلة.

وتؤكد تجارب العقود الأخيرة هذا الترابط بين الصراع والاقتصاد. ففي العراق، أدّى تداخل الحروب والعقوبات إلى إضعاف البنية الاقتصادية وتعميق الاعتماد على قطاع النفط. وفي ليبيا، تسبب اضطراب الأوضاع منذ عام 2011 في تراجع حاد في إنتاج النفط والغاز، وهو ما انعكس على أسواق الطاقة، ولا سيما في أوروبا. أما الحرب الروسية-الأوكرانية، فقد أبرزت بصورة أوضح مدى سرعة انتقال آثار النزاعات إلى الاقتصاد العالمي، إذ ارتفعت أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة، وأُعيدت هيكلة مسارات التجارة وسلاسل التوريد، في ما وصفه البنك الدولي بأنه أكبر صدمة لأسواق السلع الأساسية منذ سبعينيات القرن الماضي.

ولا تعني هذه الأمثلة أنَّ الحروب تُخاض بالضرورة من أجل النفط أو الغذاء، لكنها تُظهر أنَّ آثارها تتجاوز ساحات القتال إلى إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي. فبينما قد تحسم الجيوش نتائج المعارك، يبقى الأداء الاقتصادي للدول وقدرتها على إدارة تداعيات الصراع عاملًا رئيسيًا في تحديد مَن يخرج من الحرب أكثر صمودًا، ومن يتحمّل كلفتها على المدى الطويل.

من مضيق هرمز إلى الأمن الغذائي

تنبع أهمية المواجهة الحالية من موقعها الجغرافي بقدر ما تنبع من طبيعتها العسكرية. فمضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر مائي، بل يشكل أحد أهم الشرايين التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، عبر المضيق خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية، وهو ما يعادل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. ومع تعطل الملاحة خلال عام 2026، اضطرت دول الخليج والعراق إلى خفض إنتاجها النفطي بملايين البراميل يوميًا، فيما تشير التقديرات إلى أنَّ استعادة مستويات الإنتاج والتصدير السابقة قد تستغرق أشهرًا عدة حتى بعد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.

غير أنَّ تداعيات هذا التعطُّل لا تتوزّع بالتساوي بين الاقتصادات الكبرى. فالدول الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، تعتمد بدرجات متفاوتة على استمرار تدفق النفط والغاز من الخليج لتلبية احتياجاتها الصناعية والاستهلاكية. وفي المقابل، ورغم تأثر الولايات المتحدة بارتفاع أسعار الطاقة وما يرافقه من ضغوط تضخمية وتباطؤ في الاقتصاد العالمي، فإنَّ اتساع إنتاجها المحلي من النفط والغاز، إلى جانب تنامي صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، يوفّر لها هامشًا أكبر للتكيُّف مع اضطرابات السوق. كما قد تستفيد بعض الشركات الأميركية من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على صادراتها عندما تتراجع إمدادات المنتجين المنافسين. ويعكس ذلك حقيقة أساسية في الأزمات الجيوسياسية، وهي أنَّ الخسائر الاقتصادية لا تتوزّع بصورة متساوية، بل تعيد في كثير من الأحيان رسم موازين المكاسب والأعباء بين الدول.

لا تقتصر تداعيات اضطراب أسواق الغاز الطبيعي على قطاع الطاقة وحده، إذ يشكل الغاز مادة أولية رئيسية في إنتاج الأمونيا والأسمدة النيتروجينية التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة. ومن ثم، فإنَّ أيَّ ارتفاعٍ في أسعاره أو تعطُّل في إمداداته ينعكس مباشرة على تكاليف إنتاج الأسمدة، وهو ما يدفع بعض المزارعين إلى تقليص استخدامها أو تعديل خططهم الزراعية، لتظهر آثار ذلك لاحقًا في حجم المحاصيل وأسعار الغذاء.

وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في ربيع عام 2026 من أنَّ استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة يفرض ضغوطًا متزايدة على القطاع الزراعي، ولا سيما في الدول النامية، بما قد يؤدي إلى انخفاض استخدام المدخلات الزراعية وتراجع الإنتاج في بعض المحاصيل.

وتبرز هنا الطبيعة المتشابكة للاقتصاد العالمي؛ فتعطُّل الملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر أثره على إمدادات النفط والغاز، بل يمتد تدريجيًا إلى تكاليف إنتاج الحبوب والخضروات وسلع غذائية أخرى في مناطق بعيدة جغرافيًا من الخليج. وقد أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة ارتفاع مؤشر أسعار الحبوب خلال أيار (مايو) 2026، في وقتٍ ظلت فيه الأسواق العالمية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف النقل البحري، واستمرار التوترات الجيوسياسية.

الصمود الاقتصادي بوصفه عنصرًا من عناصر القوة

وتكشف تجارب عدد من الدول أنَّ القدرة على الصمود في أوقات الصراع ترتبط بقدر ما تمتلكه الاقتصادات من تنوّع في قاعدة الإنتاج المحلية. وتوفر إيران مثالًا على ذلك؛ فإلى جانب مواردها النفطية والغازية، تمتلك قاعدة صناعية وقطاعًا زراعيًا وعددًا من الصناعات الحيوية، وهو ما يمنحها هامشًا نسبيًا للتكيُّف مع الضغوط، رغم استمرار العقوبات والتحديات الهيكلية. وتؤكد هذه التجربة أنَّ مرونة الاقتصاد أصبحت عنصرًا لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية في النزاعات الممتدة.

وتسلط التطورات الأخيرة الضوء على أهمية إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي. فقد حققت هذه الدول خلال العقود الماضية تقدمًا كبيرًا في تطوير الموانئ والمطارات، وتعزيز مكانتها كمراكز مالية ولوجستية عالمية، إلى جانب توسيع استثماراتها في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات. إلّا أنَّ استمرار الاضطرابات الإقليمية يعيد إبراز الأمن الغذائي بوصفه أحد مكوّنات الأمن الوطني، وليس مجرد ملف اقتصادي أو زراعي.

ويظل الاعتماد على الأسواق العالمية خيارًا فعّالًا في ظل استقرار التجارة الدولية وانسياب حركة الملاحة، لكنه يصبح أكثر عرضة للمخاطر عندما تتعطل الممرات البحرية أو ترتفع تكاليف النقل والتأمين. وفي مثل هذه الظروف، تكتسب سياسات تنويع مصادر الاستيراد، وبناء المخزونات الاستراتيجية، وتعزيز الإنتاج المحلي حيثما كان ذلك ممكنًا، والاستثمار الزراعي الخارجي، وتطوير الصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي، بما في ذلك صناعة الأسمدة، أهمية متزايدة باعتبارها أدوات لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات وتقليل مستويات المخاطر.

وتشير تجارب الأزمات الأخيرة إلى أنَّ قدرة الدول على الصمود لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية، وإنما أيضًا بمرونة اقتصاداتها وكفاءة سلاسل الإمداد لديها، ومدى قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على أمن الطاقة والغذاء واستمرارية التجارة جزءًا من منظومة الأمن الشامل، لا يقل أهمية عن حماية البنية التحتية أو القدرات الدفاعية.

الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال

تكشف التطوّرات الجارية في الخليج أنَّ تداعيات الصراعات الإقليمية تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الدول المنخرطة فيها، لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله. فالتقلبات في أسواق الطاقة لا تنعكس على أسعار النفط وحدها، بل تمتد إلى معدلات التضخم، وتكاليف الإنتاج والنقل، وقرارات الاستثمار، وآفاق النمو الاقتصادي في مناطق بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية.

وفي هذا الإطار، تبرز أبعاد أخرى للصراع لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به التطورات الميدانية، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل. فإعادة تشكيل أسواق الطاقة، والتحوّلات في مسارات التجارة، والقدرة على تمويل المخزونات الاستراتيجية، وضمان إنتاج الغذاء والدواء والتكنولوجيا، كلها عوامل تسهم في إعادة رسم موازين القوة الاقتصادية بين الدول بعد انتهاء النزاعات.

ومن ثم، فإنَّ قراءة الحرب الجارية من منظورها العسكري وحده لا تكفي لفهم آثارها بعيدة المدى. فهي تؤكد الترابط الوثيق بين أمن الطاقة والأمن الغذائي، وتبرز أهمية الموانئ وسلاسل الإمداد باعتبارها مكونات أساسية في منظومة الأمن الوطني، كما تعكس الدور المتزايد للقطاعات الإنتاجية، من الزراعة والصناعة إلى الدواء والبحث العلمي، في تعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات.

وفي المحصّلة، لم يعد التنافس الدولي يقتصر على امتلاك الموارد الطبيعية، بل أصبح يمتد إلى القدرة على حمايتها، وتأمين استمرار تدفقها، وإدارة آثار الاضطرابات التي قد تصيبها. ومن هذا المنظور، قد لا تكون النتائج العسكرية وحدها هي التي تحدد مخرجات الحرب، بل أيضًا قدرة الاقتصادات على التكيُّف مع تداعياتها، وبناء عناصر الصمود التي ستشكل موازين القوة في مرحلة ما بعد الصراع.

  • الدكتور داود رجب البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى