هل الحُكمُ امتناع؟!
رشيد درباس*
وكان الناس في عيشٍ رغيدٍ
فجاءوا بالمُحال فكدّروه
أبو العلاء المعرّي
من أغرب الظواهر السياسية أن يزعم المُمسِكون بزمام الأمور أنهم من أهل المعارضة، فمنذ بدأت دولة الطائف تحملت وتتحمل الحكومات المتتالية مسؤولية الفشل المتوالي، فيما القرار في حقيقته معقود اللواء لقوى الأمر الواقع، سواء كان ذلك في ظل الهيمنة السورية أو في عصر تجذّر قوة “حزب الله”. لقد حاول رفيق الحريري أن يكون حاكمًا في فترات الاستراحة بين الفصول، وبقيت عينه مُعَلَّقة على إيماءات عنجر، أو تصريحات أصدقاء الحكم السوري، لكي يحاول إدارة الدفة بطريقة تُجنّبه الاصطدام بالصخور. فلما يئس وباءت محاولاته بالفشل حاول الذهاب إلى المعارضة، كَمَنَ له الموت قرب “السان جورج”.
جرّب الرئيس فؤاد السنيورة أن يدير الأمور وفق مفهوم رجل الحُكم، فلما وصلت سياساته إلى حدود خطيرة، فجّروا الشارع في وجه الدولة، فكانت الدوحة التي أكدت “حق” المعارضة بالإمساك بالحكم، أو بتعطيله.
فلما ربح سعد الحريري وقوى 14 آذار الانتخابات في العام 2009 سقطت حكومته بقرار الثلث العاطل، بل فقد أكثريته البرلمانية بُغْتَةً بفعل المعارضة ذات القمصان السود.
على مدى العهود، كانت قرارات حكومية كثيرة تنتظر إشارة موافقة من وزيري “الحزب” اللذين لا يمسكان بوزارات مهمة، بل يِخَتْميِّ الإبرام والإبطال.
دخل لبنان إلى حرب 2006 من دون معرفة رئيس الحكومة ومعظم الوزراء، فكان لزامًا عليهم ترميم الدمار، وإقامة الحوار والتوصُّل إلى حلول من دون أن ينجوا من التخوين والافتراء.
تلك المعادلة التي ظلت سائدة وقوامها شكل حكومي يتحمل المسؤولية بيد مغلولة ومعارضة تمتد بوجودها ونفوذها وحروبها إلى الجوار، تاركة للشكل أن يقلع الشوك الذي تزرعه.
دخلنا في حربَي الإسناد، فانكشفت الأمور عن فجوات عميقة جرت تغطيتها بالخطب، وكانت فداحة الخسائر أكبر من أيِّ تمويه، بما جعل الإفراج عن انتخاب رئيس للجمهورية أمرًا لا مفر منه، بما أدى إلى اضمحلال دور ممثلي الحزب في الحكومة، من الاعتراض المعطل، إلى الاكتفاء بتدوين عدم الموافقة.
في حكومة الرئيس السنيورة (البتراء) استقال الوزراء الممانعون لأمورٍ أقل أهمية بكثير من قرار السلطة بالتفاوض المباشر في حين يواظب وزيرا الحزب على عملهما، كما ظهرت تباينات على السطح بينهما وبين وزيري حركة أمل في الوقت الذي قطعت فيه المفاوضات مراحل كثيرة بما يدل على أنَّ الظروف الموضوعية أملت على المعترضين الاكتفاء بإعلان المواقف الحادة ولكن على خلفية انتظارية تترقب ما يمكن أن تسفر عنه محاولات رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس الحكومة من نتائج ملموسة.
ذهب رئيس الجمهورية لمقابلة الرئيس الأميركي معلنًا استعداده للقيام بتسوية لا تفرّط بالتراب اللبناني، كما أعلن مسبقًا أنه لن يلتقي ببنيامين نتنياهو، وجعل الأمور الأخرى مرهونة بمواقف الدول العربية مجتمعة، وكان يعوّل في نهجه على معرفته العميقة برغبات الشعب اللبناني المنكوب، لا سيما أهل الجنوب، كما على تطورات دولية قد تسنح لتأمين الانسحاب الاسرائيلي الكامل والسيطرة الكلية على الدولة.
إنني لا أقلّل من حجة الممانعة عن أطماع إسرائيل، وذلك بحُكم طبيعة الكيان، ولكن يقتضي التنبُّه إلى أنَّ إسرائيل بعد حرب غزة، ومحاولات التهجير والسقوط الفظ في العنصرية والجرائم المعادية للإنسانية، أحدثت تغييرًا جوهريًا لدى الرأي العام العالمي، أدى إلى قيام مظاهرات شعبية مؤيدة للشعب الفلسطيني وقرار مئة وأربعين دولة عضوٍ في الأمم المتحدة من اصل 193، بدولة فلسطين، رغم ما هي عليه السلطة الفلسطينية من وهن، وما على اسرائيل من قوة عاتية. يضاف إلى ذلك أنه يُعتبَر من قبيل التفريط السياسي عدم محاولة الاستفادة ولو من ثغرة بسيطة في علاقة نتنياهو مع ترامب، ذلك أنَّ السلاح ليس دائمًا فيصل الحلول، بل إنني أرى أنَّ اسرائيل قد خسرت بالسياسة ما حاولت أن تكسبه بالتدمير والاجتياح.
ونحن إذا عدنا إلى أمس قريب، حين ذهب رئيس الجمهورية لتمثيل لبنان في دورة الجمعية العمومية النسوية للأمم المتحدة، لم يكن لديه أي برنامج مع الحكومة الأميركية، أما في زيارته الأخيرة، فقد كانت زيارة دولة بمعنى الكلمة حصل فيها على تعهُّدٍ بالتعاون الاقتصادي الذي قد يكون تمهيدًا للإفراج الخليجي عن مساعدة لبنان.
من غير أن أتوغل في تطوّرات الحرب على إيران، أشير إلى أنَّ المنطقة تسير إلى تحوُّلات خطيرة سياسية واقتصادية لا ينبغي لنا أن نقف حيالها في صفوف المشاهدين، بل إنني أثمّن في هذا الصدد المحاولات الحكومية بإبرام اتفاقيات مع العراق لتفعيل الأنبوب بين كركوك وطرابلس، وأدعو إلى أن تمارس الدولة سلطاتها فورًا، كما لو أنَّ التسوية حصلت اليوم.
روى وليد جنبلاط عن “حكمت الشهابي” في برنامج شاهد على العصر في قناة الجزيرة، أنَّ الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عرض على الرئيس حافظ الاسد، تسوية تنسحب بموجبها اسرائيل من الجولان ما عدا بعض الأمتار على بحيرة طبريا فلم يوافق الرئيس الأسد، وروى محمد حسنين هيكل، عن الرئيس جمال عبد الناصر أنه قال للملك حسين إنني أشجعك على أيِّ شيء تقوم به لاسترداد الضفة الغربية، أما الراحل الدكتور ادوارد سعيد فقد اعترض على “أوسلو” لأنَّ الوفد المفاوض كانت تنقصه الاحترافية اللازمة.
إنَّ المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية-الأميركية قد تنجح، وقد لا تنجح لكن النجاح الأكيد للدولة اللبنانية بوحدة شعبها فالحُكمُ قرار وابتكار، وليس الاستنقاع في الامتناع.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



