رؤًى جميلةُ اللأْلاء في “عين الحمراء”

هنري زغيب*

تتلوَّى بنا السيارةُ لاهثةً، وهي تُصَعِّدُ في طرقاتٍ جبليةٍ تَتَأَفْعَنُ هنا، ويتكسَّر حصاها ترابًا هناك، في درب نسِيَ زفتَهُ منذ كان الزفتُ عليه قبل سنواتٍ عتيقةٍ في هذا الجُرد العالي.

ولا اعتكافَ عن مواصلة الصعود. فالمكان يُغْري بالمواصلة، والدعوة غاليةٌ من الصديق سهيل مطر إِلى بيته الجُردي.

  • من أَين إِلى “عين الحَمرا يا عَم”؟

نسأَل عجوزًا تراكَمَ الغبارُ، واستقرَّ على شاربَيه الدهريَّيْن. يشير إِلى هناكٍ، فوق، خلف هذه التلة التي خلْفَها تلَّة ووراءَها تلَّة.

نُخاصر التلال ونُكْمل، وفي بالي تتردَّد قصيدة منصور الرحباني:

“… وبتسأَليني وين رابي أَنا، رابي؟

وبتسأَليني ليش مغيَّر عن صحابي؟

رابي أَنا بالجرد

رابي بْـحفافي البرد

عَ تْلال خلْفَا تْلال

ما بيقْطَعَا خيَّال

وما فيه حدا بيمرُق فيَا

إِلَّا نحن، والريح، والموَّال

وشي كم رفّ حجال” !

ويكون لطاقة السيارة حَدٌّ، فَنَنْهَمر منها إِلى بقعة فردوسية الجمال الشفيف والنسيم اللطيف، يفصلُنا فيها عن الغيم الخفيف مَدُّ يدٍ صوب الأَزرق الرهيف، وصوتُ فيروز بشعر عاصي ومنصور: “هَوْن السما قريبِه… بْتسْمَعنا يا حبيبي”…

وتحلَّقْنا حول هذا الـ”هَوْن” السَاحر، كأَنْ خُشَّعًا أَمام هيبة الطبيعة اللبنانية، من هُنا صخورٌ يتسابق إِليها نورُ الشمس قافزًا من حنْوة إِلى غَفْوة، ومن هنا بضعُ أَشجار تتنفَّس نسيمَ الصيف، تُخَزِّنُهُ استعدادًا لتلال الثُلُوج شتاءً على هذه التلَّة الْكأَنها انهمَلَت من الجنة واستقرَّت في طبيعة لبنان الفريدة.

“الله يا لبنانُ ما أَجملَك”، ابتهلَ أَمين تقي الدين، ولاقاه سعيد عقل:

“هنا على شاطئٍ،

أَو فوقُ عند ربًى،

تفتَّح الفكرُ،

قلْتَ الفكرُ نيسانُ

لي صخرةٌ

عُلِّقَت بالنجْم

أَسكنُها

طارت بها الكُتْبُ

قالت تلك لبنانُ”…

هكذا كنَّا طيلةَ ذاك النهار: معلَّقين بين صخرة لبنان على تلَّة “عين الحمْرا” (وهي إِحدى تلال اللقلوق الساحرة)، وبين سماء لبنان التي اختزلَها يونس الابن حين باح: “لبنانْ يا قطعة سما… عَ الأَرض تاني ما إِلَا”.

كنَّا في غفلةٍ عن الوقت، فانسابَ الوقتُ حافيًا بيننا كي لا يُزعجَ بهجتَنا بهذا الجمال، حبَانا إِياه ربُّ السماوات والأَرض، كي نَذوقَه بقلْبنا وذاكرتنا، ونظلَّ شعبًا واعيًا إِرثَ لبنان، فنَحفظَه ونحافظَ عليه، لا طبيعةً فريدةً وحسْب، بل وديعةً من جُدُودنا المباركين، عمَّروا حفافيه شعبًا من تعب الأَيادي كي يوصلُوه إِليها وطنًا يَجْبَهُ جميع الأَعاصير، فنستحقُّ نعمتَه، ونردِّد مع عاصي ومنصور:

“لا أَبيعُ أَرضي بذَهَب الأَرضِ

ترابُ بلاد ترابُ الجنان

وفيه ينام الزمان”!

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى