الحربُ التي قد تُسَرِّع الانتشارَ النووي

لا تُقاسُ الحروب بما تدمّره اليوم فحسب، بل أيضًا بالرسائل التي تتركها للمستقبل. فهل تدفع الحرب على إيران دولًا أخرى إلى التخلّي عن الطموح النووي… أم إلى التسابُق نحوه؟

عرض لصواريخ باليستية إيرانية ونماذج لأجهزة طرد مركزي خلال مسيرة في طهران، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

فريدا غيتيس*

في الوقت الذي تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا ضد إيران تحت شعار منعها من امتلاك سلاح نووي، فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولو لساعات قليلة، بابًا كان يُعتقد أنه مغلق منذ عقود، عندما أعلنت التوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية لمساعدتها على تطوير برنامج نووي مدني، يتضمن إمكانية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة.

وسرعان ما أثار الاتفاق اعتراضات حادة داخل إسرائيل وفي أوساط أعضاء نافذين في الكونغرس الأميركي، الذين رَؤوا فيه سابقة قد تقوّض أسس سياسة منع الانتشار النووي التي قادتها واشنطن لعقود. وبعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، حاول ترامب احتواء الجدل بربط الاتفاق، الذي كان قد وُقِّع بالفعل، بشرط التطبيع الديبلوماسي بين السعودية وإسرائيل، وهو شرطٌ ترفضه الرياض بصورة قاطعة. واعتبر كثير من المراقبين ذلك محاولة للتراجع عن الاتفاق أو تجميده تحت ضغط الاعتراضات.

والمفارقة أنَّ هذه التطورات جاءت في خضم حرب يُعلن أن هدفها الرئيس هو منع إيران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي. فكيف يمكن لإدارة تقود حملة عسكرية لمنع دولة من تخصيب اليورانيوم أن تسمح، في الوقت نفسه، لدولة أخرى في المنطقة بامتلاك هذه القدرة؟ وحتى وإن لم يصمد الاتفاق أكثر من يوم، فإنَّ الجدل الذي أثاره كشف عن إشكالية أعمق تتجاوز الحالة السعودية نفسها.

فالقضية لا تتعلق بالرياض وحدها، بل بالرسائل التي تبعثها الحرب الحالية إلى بقية دول الشرق الأوسط التي تراقب المواجهة عن كثب. فما الدروس التي تستخلصها الدول ذات الطموحات النووية من الحرب ضد إيران؟ وهل تعزز هذه الحرب نظام منع الانتشار النووي، أم أنها تدفع دولًا أخرى إلى إعادة التفكير في خياراتها الاستراتيجية؟ هذه هي الأسئلة التي يفرضها الصراع الدائر، في وقت يسعى فيه ترامب إلى إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه من حرب تبدو فيها إيران مُنهَكة، لكنها لم تُهزَم بعد.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة الاتفاق الذي تفاوضت عليه واشنطن مع الرياض. فقد انصبّت معظم الانتقادات، على غياب الضمانات الكافية التي تحول دون انتقال البرنامج النووي المدني مستقبلًا إلى برنامج ذي أبعاد عسكرية. فبرغم تأكيد كل من الولايات المتحدة والسعودية أنَّ المشروع مخصص لإنتاج الطاقة للأغراض السلمية، فإنَّ هذه التأكيدات ظلت موضع شك، خصوصًا بعد التصريحات السابقة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، التي أكد فيها أنَّ المملكة ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا نجحت إيران في امتلاكه.

الرسائل المتناقضة للحرب على إيران

ويزداد هذا القلق لأنَّ الاتفاق، بخلاف اتفاقيات نووية أميركية مماثلة، ومنها الاتفاق مع دولة الإمارات العربية المتحدة، لم يشترط نظامًا صارمًا للتفتيش والرقابة، بل أبقى الباب مفتوحًا أمام احتمال تخصيب اليورانيوم داخل المملكة. ولهذا حذّر هنري سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسات منع الانتشار النووي، من أنَّ أيَّ استثناء يُمنَح للسعودية سيخلق ضغوطًا مماثلة من دول أخرى، مثل الإمارات وتركيا ومصر، قائلًا إنَّ الاعتقاد بأنَّ هذه السابقة “ستنتهي نهاية سعيدة هو محض وهم”.

لكن هذه النهاية لم تدم طويلًا. ففي صباح اليوم التالي لإبرام الاتفاق، أعلن الرئيس دونالد ترامب بصورة مفاجئة أن تنفيذه مشروط بانضمام المملكة العربية السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام”، أي الاعتراف بإسرائيل، وهو شرط كانت إدارة الرئيس جو بايدن قد حاولت التفاوض بشأنه، بينما أصرّت الرياض على ربط أيِّ تطبيع بقيام مسار واضح يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية. وفي الوقت نفسه، أكد ترامب أنَّ الاتفاق لن يسمح بأيِّ عمليات لتخصيب اليورانيوم، في تراجع واضح عن الصيغة التي أُعلن عنها قبل ساعات.

وبذلك، يبدو أن فكرة إقامة برنامج نووي سعودي بدعم أميركي قد أُرجئت، على الأقل في الوقت الراهن. إلّا أنَّ السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالسعودية، وإنما بما تراقبه بقية الدول من هذه التطورات. فكيف تقرأ الأنظمة الطامحة إلى امتلاك قدرات نووية الرسائل التي تبعثها الحرب على إيران والتقلبات التي تحيط بالسياسة الأميركية؟

التاريخ الحديث يقدم أكثر من إجابة.

دروس العراق وليبيا وكوريا الشمالية

فعندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، بررت الحرب بوجود أسلحة دمار شامل لدى نظام صدام حسين، رغم أنَّ إسرائيل كانت قد دمرت المفاعل النووي العراقي قبل ذلك بأكثر من عقدين. ورغم أنَّ مزاعم امتلاك العراق لهذه الأسلحة ثبت لاحقًا أنها غير صحيحة، فإنَّ الرسالة التي تلقاها كثير من حكام المنطقة لم تكن مرتبطة بصحة المعلومات، بقدر ما ارتبطت بمصير نظام اتُّهم بالسعي إلى امتلاك تلك الأسلحة.

وفي الاتجاه المعاكس، قدمت ليبيا نموذجًا مختلفًا تمامًا. فقد اختار العقيد معمر القذافي، الساعي إلى إنهاء عزلة بلاده الدولية، التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل، والسماح للمفتشين الدوليين بالدخول، والتخلي أيضًا عن برنامجه للصواريخ بعيدة المدى. ورحبت إدارة الرئيس جورج بوش (الإبن) بهذه الخطوة، واعتبرتها إحدى الثمار المباشرة لحرب العراق، بل قدمتها بوصفها دليلًا على أنَّ الضغوط الأميركية قادرة على دفع الأنظمة المارقة إلى التخلي طوعًا عن برامجها العسكرية.

لكن هذا الدرس لم يدم طويلًا هو الآخر. فمع اندلاع انتفاضة عام 2011، تدخل الغرب عسكريًا ضد نظام القذافي، وانتهى الأمر بمقتله وانهيار الدولة الليبية ودخولها في حرب أهلية طويلة. وبالنسبة إلى كثير من الأنظمة السلطوية، لم تعد الرسالة أنَّ التخلي عن برامج التسلح يجلب الأمن، بل إنَّ التخلي عن وسائل الردع قد يجعل النظام أكثر عرضة للسقوط عندما تتغيّر الظروف السياسية.

ولعلَّ كوريا الشمالية كانت من أكثر الدول التي استوعبت هذا الدرس. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت بيونغ يانغ برنامجًا نوويًا مدنيًا بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي، وأكدت مرارًا أنَّ أهدافه سلمية، بل انضمت لاحقًا إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. غير أنَّ الأدلة على وجود برنامج عسكري سري أخذت تتكشّف تدريجيًا، قبل أن تنسحب كوريا الشمالية من المعاهدة عام 2003، لتصبح الدولة الوحيدة التي تقدم على هذه الخطوة.

وبعد ثلاث سنوات فقط، أجرت أول تجربة نووية ناجحة، لتدخل رسميًا نادي الدول المالكة للسلاح النووي، رغم ما تعرّضت له من عقوبات وضغوط اقتصادية غير مسبوقة. واليوم، وبعد مرور ما يقرب من عقدين، ما زال النظام الكوري الشمالي قائمًا، بينما يتعامل خصومه بحذر شديد مع خيار استخدام القوة ضده، إدراكًا لما يملكه من قدرة نووية رادعة.

أما إيران، فقد قدمت نموذجًا ثالثًا يختلف عن الحالتين الليبية والكورية الشمالية. فعلى الرغم من أنَّ النظام الإيراني لا يزال قائمًا، فإنه دفع ثمنًا باهظًا بسبب برنامجه النووي، بدءًا بعقوبات اقتصادية قاسية استمرت سنوات، وصولًا إلى الضربات العسكرية التي استهدفت منشآته النووية وقادته السياسيين والعسكريين خلال المواجهة الأخيرة. ولم تقتصر كلفة هذا المسار على الاقتصاد الإيراني، بل امتدت إلى النخبة الحاكمة نفسها، التي أصبحت هدفًا مباشرًا للصراع.

ومن هنا، تبدو التجارب الثلاث وكأنها تقدم للدول الطامحة إلى امتلاك السلاح النووي ثلاث رسائل مختلفة: فليبيا تخلّت عن برنامجها وانتهى نظامها، وكوريا الشمالية امتلكت السلاح النووي فأصبح إسقاط نظامها أكثر تعقيدًا، أما إيران فوجدت نفسها عالقة في المنطقة الرمادية؛ لم تمتلك السلاح النووي بما يكفي لردع خصومها، ولم تتخلَّ عن برنامجها بما يسمح بإنهاء الضغوط المفروضة عليها، فدفعت كلفة الخيارين معًا.

ولهذا، قد يكون الدرس الأخطر الذي تستخلصه بعض الأنظمة من الحرب الحالية ليس أنَّ السلاح النووي يجب تجنبه، بل أنَّ امتلاكه ينبغي أن يتم قبل أن يتمكن المجتمع الدولي من منعه. فكلما طال الطريق نحو القنبلة النووية، ازدادت فرص العقوبات والضغوط والضربات العسكرية، أما الوصول السريع إلى القدرة النووية الكاملة فقد يُنظر إليه، من منظور تلك الأنظمة، باعتباره الضمانة الأقوى لبقاء النظام.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فإذا كان الهدف المعلن للحرب على إيران هو تعزيز نظام منع الانتشار النووي، فإنَّ الرسالة التي قد تصل إلى بعض العواصم قد تكون معاكسة تمامًا: ليس أنَّ السلاح النووي عديم الجدوى، بل أنَّ امتلاكه قبل فوات الأوان هو السبيل الأكثر فاعلية لضمان بقاء النظام.

  • فريدا غيتيس هي كاتبة سياسية متخصصة بالشؤون الدولية. يمكن متابعتها على تويتر و”ثريدز” عبر الحساب: @fridaghitis.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى