لماذا لا يزال لبنان يحتاج إلى نبيه بري؟

مايكل يونغ*

خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، لم يكتفِ الرئيس اللبناني جوزيف عون بعرض رؤية حكومته لمستقبل لبنان، بل خصَّص جانبًا لافتًا من حديثه للدفاع عن رئيس مجلس النواب نبيه بري. فقد وصفه بأنه “رجل دولة” ينتمي إلى جنوب لبنان ويُدركُ حجم الدمار الذي أصاب تلك المنطقة، مؤكّدًا أنَّ بري يريد إنهاء الحرب، وإن كان يتحرّك ضمن واقع معقّد تفرضه علاقته الوثيقة بـ”حزب الله” وحساسية موقعه السياسي.

غير أنَّ هذا الموقف، إلى جانب وصف ترامب لبري بأنه “رجل طيب”، أثار امتعاض دوائر أميركية مؤيّدة لإسرائيل، رأت فيه رسالة خاطئة في توقيتٍ حسّاس. فقد اعتبر روب ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أنَّ هذا التوصيف ينطوي على “خطَإٍ في التقدير”، واصفًا بري بأنه “حليف لـ”حزب الله” ومُمَكّنٍ له”، ومُضيفًا أنَّ أيَّ جهة تقدّمُ مثل هذا الانطباع للرئيس الأميركي “ليست صديقة للسلام”.

لكن الاعتراض على دور بري يتجاوز تقييم شخصه أو تاريخه السياسي. فبالنسبة إلى إسرائيل وحلفائها في واشنطن، يشكّل رئيس البرلمان اللبناني الحلقة الأساسية التي تربط الدولة اللبنانية بـ”حزب الله”، وهو ما يمنحه قدرة على لعب دور الوسيط في أيِّ تفاهمات أو ترتيبات مستقبلية. ومن هذا المنطلق، فإنَّ إضعاف بري أو إخراجه من المعادلة يعني عمليًا تقليص فرص التفاوض، وفتح المجال أمام خيار فرض الوقائع بالقوة بدلًا من التسويات التي تستوجب تنازلات متبادلة.

ولا خلاف على أن بري يُعد أحد أبرز أركان الطبقة السياسية التي تتحمّل مسؤولية جانب كبير من الانهيار المالي والسياسي الذي أصاب لبنان منذ عام 2019. غير أنَّ هذه الحقيقة لا تلغي واقعًا آخر يفرض نفسه على المشهد اللبناني، وهو أنَّ أيَّ محاولة لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية أو معالجة ملف سلاح “حزب الله” تبدو شديدة الصعوبة من دون وجود شريك شيعي يتمتّع بالقدرة على التواصل مع الحزب ويحظى بقدر من الثقة داخل بيئته.

من هنا، يمكن فهم إصرار الرئيس عون على الدفاع عن بري في المكتب البيضاوي. فالرئيس اللبناني لم يكن يسعى فقط إلى إقناع الإدارة الأميركية بأهمية استمرار دور رئيس البرلمان، بل كان يحاول أيضًا توفير مظلة سياسية تحميه من الضغوط المتزايدة التي يتعرّض لها في واشنطن وتل أبيب. ويدرك عون أنَّ الرسائل الإسرائيلية لم تعد تقتصر على المواقف السياسية؛ فعندما شنّت إسرائيل هجومها الواسع على لبنان في 8 نيسان (أبريل)، والذي أسفر عن مقتل 357 شخصًا، كان الحي الذي يضم مقر إقامة بري الخاص من بين المناطق المستهدفة. وبالنسبة إلى كثيرين في بيروت، حمل ذلك رسالة واضحة مفادها أنَّ بقاء بري في موقعه مرهون بموقفه من “حزب الله”، وأنَّ الضغوط لم تعد سياسية فحسب، بل باتت تحمل أيضًا بُعدًا أمنيًا وشخصيًا.

لم يكن الدور الذي اضطلع به نبيه بري خلال مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان عام 2024 تفصيلًا عابرًا. فقد كان المحاور اللبناني الرئيس للمبعوث الأميركي آموس هوكستين، وتولى إدارة مفاوضات معقدة فرضت عليه الموازنة بين متطلبات واشنطن وحسابات “حزب الله”. وبحكم خبرته الطويلة، نجح في السير على هذا الحبل المشدود، وإن دفع ثمن ذلك لاحقًا بانتقادات اتهمته بأنه وافق على تفاهمات كرّست عمليًا هزيمة “حزب الله”، رغم أنَّ الحزب نفسه كان قد قبل بها.

واليوم تبدو مهمته أكثر تعقيدًا. فبري يدرك أنَّ إسرائيل تنظر إليه بوصفه عقبة أمام أهدافها في لبنان، لكنه يدرك أيضًا أنَّ الجنوب، الذي يمثل الثقل الديموغرافي والسياسي للطائفة الشيعية، تعرّض لدمارٍ غير مسبوق قد يترك آثارًا طويلة الأمد على موقع الشيعة في المعادلة اللبنانية. ومن هنا، فإنَّ أولوية رئيس البرلمان لم تعد تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى ضمان انسحاب إسرائيل وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى الجنوب.

غير أنَّ هذا المسار لا يخلو من تعقيدات إقليمية. فطالما بقي “حزب الله” جُزءًا من استراتيجية إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنَّ أيَّ خطوة تفاوضية سيتّخذها بري ستخضع لتدقيق شديد في طهران. ولهذا، بدا موقفه مزدوجًا؛ إذ عارض رسميًا اتفاق الإطار الأخير بين لبنان وإسرائيل، فيما كان يدرك في قرارة نفسه أنَّ هذا الاتفاق ربما يكون الخيار العملي الوحيد المُتاح في ظلّ موازين القوى القائمة.

وتفرض حساباته الشخصية بدورها إيقاعًا خاصًا على مواقفه. فنفوذ بري السياسي يرتبط إلى حدٍّ بعيد بمكانة الطائفة الشيعية داخل النظام اللبناني، كما يرتبط بقدرته على الاحتفاظ بدور الوسيط الوحيد تقريبًا بين الدولة و”حزب الله”. ولذلك، تبدو الدعوات المطالبة بقطعه علاقاته بالحزب بعيدة من الواقع السياسي؛ إذ إن الإقدام على مثل هذه الخطوة لن يؤدي فقط إلى إضعاف موقعه الشخصي، بل قد يفاقم الانقسامات داخل البيئة الشيعية في لحظة تواجه فيها تحديات غير مسبوقة.

وتتقاطع هذه الاعتبارات مع رؤية الرئيس جوزيف عون لإعادة بسط سلطة الدولة في الجنوب. فخطة إنشاء مناطق يتولى الجيش اللبناني مسؤوليتها الأمنية بعد الانسحاب الإسرائيلي تحتاج، في جوهرها، إلى غطاء سياسي يوفره بري داخل البيئة الشيعية. وتشير المعطيات إلى أنَّ رئيس البرلمان لا يعارض هذا المسار، حتى وإن جاءت تصريحاته العلنية أكثر تحفُّظًا، لأنه يدرك أنَّ نجاحه يفتح الباب أمام عودة عشرات الآلاف من أبناء الجنوب إلى قراهم، وهو هدف يحمل بُعدًا سياسيًا ورمزيًا يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة.

وفي المقابل، يجد “حزب الله” نفسه أمام معضلة يصعب الخروج منها. فالحزب يرفض من حيث المبدَإِ أيَّ مسارٍ تفاوضي مع إسرائيل، ولم يتردد في انتقاد الرئيس عون بعد لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكنه، في الوقت نفسه، يجد صعوبة في معارضة آلية قد تؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب، لأنَّ مثل هذا الموقف قد يضعه في مواجهة مباشرة مع المزاج السائد داخل بيئته الحاضنة.

ويزداد هذا المأزق وضوحًا إذا ما قورن بالنتائج التي حققتها استراتيجية “المقاومة” خلال الأشهر الماضية. فالحزب لم يتمكّن من وقف الهجوم الإسرائيلي، ولا من منع عمليات التدمير الواسعة التي طالت عشرات القرى الجنوبية، كما أخفق في استعادة أي أرض خضعت للسيطرة الإسرائيلية. بل إنَّ قراره توسيع المواجهة في آذار (مارس)، والذي ربطه كثيرون بالحسابات الإيرانية، منح إسرائيل مبرّرًا إضافيًا لتعزيز وجودها العسكري في الجنوب.

وقد خلّفت هذه التطورات حالة متزايدة من القلق داخل الشارع الشيعي. فمع أنَّ قطاعًا واسعًا من أبناء الطائفة لا يزال يرفض فكرة نزع سلاح “حزب الله” بالقوة، فإنه بات أكثر استعدادًا لدعم أيِّ مسارٍ تقوده الدولة يفضي إلى انسحاب إسرائيل وعودة الجيش اللبناني إلى المناطق المحتلة. وفي هذا السياق، يدرك بري أنَّ المزاج داخل بيئته يتجه نحو البحث عن تسوية تُنهي الحرب وتحمي ما تبقّى من الجنوب، وهو ما يفسّر حرصه على مواصلة دعم هذا المسار، ولو من خلف الستار، باعتباره الخيار الأكثر واقعية في ظل موازين القوى الحالية.

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى