كيف إِرنست همنغواي غـيَّـرَ الأَدب الأَميركي (1 من 3)

في صباهُ ومَطالع كتاباته

هنري زغيب*

في الذكرى 65 لوفاته، نستذكره في هذه الثلاثية صوتًا ضالعًا بِقُوَّةٍ في فضاء الأَدب العالمي. 

بين ولادته (21 تموز/يوليو 1899 في مدينة أُوك باركOak Park  – ولاية إِيلينُوُيْ) ) وانتحاره (2 تموز/يوليو1961  في مدينة كيتْشُوم ولاية آيداهو) حياة صاخبةٌ ملأَها تَنَقُّلًا وكتاباتٍ وكتُبًا وصحافةً وأَسفارًا ورحلاتٍ ومغامراتٍ وزواجاتٍ وقصصًا. وهو بنى شهرته على قاعدة عَمِلَ لها وأَرساها: “نظرية جبَل الجليد”، قائمة على إِيجاز الأُسلوب إِلى آخر الحدِّ الأَدنى من اختصار التعابير والعبارات، ما كان له تأْثير بالغ على الأَدب الأَميركي خصوصًا، وعمومًا على أَدب القرن العشرين.

نظرية جبل الجليد”

قاعدةُ “نظرية جبل الجليد” في رمزها: قليلٌ من التعابير كثيرٌ من الدلالات، كجبل الجليد في المحيط العميق، يبرز رأْسُه فقط فيما جُلُّهُ غارقٌ في اللجج العميقة، يُتَخَيَّلُ ولا يُرى.

تجلَّت تلك القاعدة ونضجَت في روايته الأَخيرة “العجوز والبحر” (1952، ونالت جائزة بوليتْزِر سنة 1953)، وكانت بوادرُها ظهرت منذ روايته الأُولى “ما زالت تُشرق الشمس” (1926). وتكامَلَ تأْثيرُه واتَّسع لدى نيله جائزة نوبل للأَدب (1954).

أَهمُّ عناصر تأْثيره: الإِقلاعُ عكس تيار الأَدب الأَميركي الذي كان حتئذٍ رازحًا في التطويلات والتفاصيل المملَّة، والشرح المعقَّد والصفحات المتراكمة في كمٍّ كثيفٍ، غالبًا من دون خلاصات نوعية. جاء همنغواي فمسح تلك الكثافة، وأَعاد إِلى الكلمات صباها النضر الرشيق، فاتَّسع الصبا إِلى سائر الأَدب الأَميركي المعاصر. ونادرًا ما تمكَّن كاتب قبل همنغواي من ترْك بصمة في جسم الأَدب الأَميركي، بأُسلوبه، ونثره المنصَّع بالرَشاقة، وأَخبار رحلاته ومغامراته الغريبة والطريفة، ما جعل من نصوصه نماذجَ في السرد والقصة والحكاية.

لكأَنه مرصودٌ، منذ مطالعه الكتابية، على أَن يصبح، بعد غيابه، أُسطورة أَدبية رائعة أَثَّرت في القرَّاء والكُتَّاب والمغامرين أَكثرَ مما أَثَّر أَيُّ كاتبٍ في أَيِّ عصرٍ آخَر.

وكانت حياته سلسلة مغامرات وتنقُّلات: من ساحات الحروب إِلى مراكب صيد السمك، من مقاهي الرصيف في باريس إِلى مجاهل الغابات في أَفريقيا، عاش همنغواي حياةً لا يعرفها الناس عادةً إِلَّا في نصوص الكتُب، لصعوبة تصديق مغامراتها الصعبة المكثَّفة. فَرَادتُه أَنه تناولَ تلك المغامرات والتنقُّلات والأَسفار، وحوَّلها إِلى كتابات وقصص قصيرة وروايات متوسطة وطويلة، هي التي، بتنوُّعها وفرادتها وأُسلوبها، بَوَّأَتْه ريادته في الأَدب الأَميركي المعاصر.

سائق سيارة إِسعاف الصليب الأَحمر

تأْثير الطفولة

نشأَ همنغواي في مدينة أُوك بارك، وكان بكر إِخوته بعد شقيقته مارسلينا. كان والده طبيبًا ووالدته عازفة موسيقى، فأَنشَآه على نظام وانضباط وثقافة وحُب الحياة في الطبيعة. من هنا أَن عناصرَ شغفٍ كثيرةً طبعَت سيرته كرجل، ومسيرته ككاتب، نمَت معه منذ تلك الطفولة. فهو اعتاد منذ صباه صيد السمك وصيد الطيور، ما سيَظهر غالبًا ويتردَّد في معظم رواياته وقصصه، وفي سرده مشاهد الطبيعة وحَكايا الشجاعة والخلاص من الأَخطار والمثابرة على بلوغ المقاصد.

سوى أَنه، منذ سنوات الفُتُوَّة الأُولى، أَبدى ملامح دلت لاحقًا على أَنه كان يتهيَّأُ ليكون كاتبًا. فمنذ سنواته المدرسية في المدينة (ثانوية أُوك بارك بين 1913 و1917)، كان ناشطًا في رياضة الملاكمة والسباق وكرة القدم، وكان عضوًا (مع شقيقته مرسيلينا) في الفرقة الموسيقية، وكانت علاماته مرتفعة في اللغة الإِنكليزية. وفي السنتَين المدرسيتَين الأَخيرتين، كان محرِّر مجلة المدرسة وكتابها السنوي. كان في تلك الكتابات الأُولى يقلِّد أُسلوب المحررين الرياضيين، ويوقِّع مقالاته باسم مستعار: “رِنْغْ لارْدْنِر الابن (تَيَمُّنًا بمحرر الرياضة الشهير رِنْغْ لارْدْنِر في جريدة “شيكاغو تريبيُون”). واستذكارًا مرورَهُ في تلك المدرسة، أَطلقت سنة 1996 اسم همنغواي على حديقتها العامة.

إِصابته على جبهة الحرب

تأْثير الصحافة

بعد تخرُّجه من تلك المدرسة (1917) غادر الدراسة وانصرف إِلى العمل مراسلًا جريدةَ ” كانساس سيتي ستار” (تأَسسَت في ولاية ميزوري سنة 1880) وفيها برزت مطالعُ مواهبه الأَدبية. كان في تلك الكتابات بارعًا في أُسلوب السرد كما سيصبح لاحقًا في فترة النضج الأَدبي. كان قرار الكتابة فيها من أَهم المنعطفات في حياته. فمن أَبرز شروطِ الكتابة الْتزامُ المحررين كتابة جمل قصيرة وسريعة ورشيقة، ولغة إِنكليزية بسيطة وعبارات واضحة، ما رافق همنغواي في سائر حياته وكتاباته لاحقًا، ليتعمَّم أُسلوبه الأَدبي والروائي والصحافي والسردي على مساحة الأَدب الأَميركي في عصره. من هنا ركَّز النقاد ومؤَرخو الأَدب والباحثون على أَثر مَطالعه الصحافية في أُسلوب كتاباته اللاحقة، خصوصًا في اعتماد الإِيجاز والتخلّي عن التطويل والتعابير غير الضرورية، وهي العناصر التي طبعت أَدبه لاحقًا وجعلتْه رائدًا بتقْنيته الكتابية الخاصة المميَّزة، ومؤثِّرًا في كُتَّاب جيله ومَن بَعدَهم.

تأْثير الحرب عليه

كما معظمُ أَترابٍ من جيله، انصدمت حياته مأْساويًّا باندلاع الحرب العالمية الأُولى. لم يستطع أَن يشارك فيها محاربًا، لضعف الرؤْية في عينيه، فتطوَّع سائق سيارة إِسعاف للصليب الأَحمر في إِيطاليا. وبهذه المهمة أَصابته قذيفة بجرح بالغ وهو عند  الخطوط الأَمامية. شُفِيَ من جراحه لكنَّ ندوبها تركَت في جسمه أَوجاعًا، وفي نفسيته جراحًا معنويةً لم يُشْفَ منها. من هنا أَنَّ الحرب تركت آثارها في معظم كتاباته، بمعالجته مواضيعَ الضَياع والتيَهان والرعب والشجاعة والإِقدام والمخاطرة والمثابرة. وهو ما يستنتج قارئ رواياته أَنه فَهِمَ عُمْقيًّا شؤُون الصراع بين الدول، ومآسي الحروب وفواجع الإنسانية، ما أَعطى أَدبه زخمًا خاصًّا، ما زال قرَّاؤُه يتفاعلون به حتى اليوم.

الحلقة الثانية: سُطوع همنغواي أَدبيًّا.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى