إيران وعُمان تَرسُمان ملامح “هُرمُز الجديد”… لكن بشروط مَن؟

لم يَعُد السؤال في مضيق هرمز متى تعود السفن، بل كيف ستعود ومَن سيضع قواعد عبورها. وبين طهران ومسقط، تتشكّل ملامح ترتيب جديد قد تتجاوز تداعياته الخليج إلى الاقتصاد العالمي.

وزيرا خارجية عُمان، السيد بدر البوسعيدي، وإيران عباس عراقجي… ديبلوماسية مسقط في قلب مفاوضات هرمز.

محمد سليم من مسقط، وهشام الجعفري من طهران*

لم تَعُد المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان حول مضيق هرمز تتعلّق فقط بإعادة السفن إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ما يتبلور، وفق التصريحات والتسريبات الإيرانية الأخيرة، هو نقاشٌ أوسع حول مَن يدير حركة الملاحة في المضيق، وبأيِّ قواعد، وبأيِّ كلفة، وما إذا كان مُمكنًا أصلًا العودة إلى النظام الذي كان قائمًا قبل الحرب.

في الخامس من آب (أغسطس)، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنَّ المحادثات مع عُمان تتقدّم، وإنَّ الجهات الإيرانية المختصّة تدرس الجوانب الفنية والقانونية والأمنية والبيئية للترتيبات المقترحة. وأعلن أيضًا التوصُّل إلى تفاهم حول الإحداثيات الجغرافية لمسارٍ ملاحي عبر المضيق، مع العمل على استكمال إعلان مشترك. لكنه حرص على الفصل بين التوصُّل إلى ترتيبٍ مع مسقط وبين عودة الملاحة إلى طبيعتها، مُشيرًا إلى أنَّ أمنَ المضيق يرتبط، من وجهة النظر الإيرانية، بعوامل سياسية وعسكرية أوسع.

وتكشف هذه اللغة جانبًا أساسيًا من المقاربة الإيرانية. فطهران تتعامل مع التفاوض مع عُمان باعتباره مسارًا لتنظيم الملاحة، لا اتفاقًا سياسيًا شاملًا يُعيدُ هرمز ببساطة إلى ما كان عليه. وذهبت وكالة “نور نيوز”، المقرَّبة من دوائر صنع القرار الأمني الإيراني، في الاتجاه نفسه، مُعتبرةً أنَّ الاتفاق الفني قد يكون ضروريًا لتنظيم حركة السفن، لكنه لن يكونَ كافيًا وحده لضمان عودة الملاحة إلى ظروفها السابقة.

ما بعد إعادة الفتح: مَن يضع قواعد هرمز؟

أما ما بدأ يتسرّب عن الترتيبات المقترحة، فيشير إلى أنَّ المسألة تتجاوز إعادة فتح طريق بحري.

فبحسب الرواية الإيرانية، يجري البحث في مرحلةٍ انتقالية تتولّى خلالها طهران إدارة دخول السفن إلى الخليج عبر الممر الشمالي، فيما تتشارك إيران وعُمان في تنظيم خروجها عبر الممر الجنوبي، قبل الانتقال، بعد مدة مُحدَّدة، إلى مسارٍ آخر لحركة العبور. وإذا استقرت المفاوضات على صيغةٍ من هذا النوع، فإنها ستمنح الدولتين المشاطئتين دورًا أكثر مباشرة في إدارة حركة السفن عبر المضيق.

لكن إحدى أكثر المسائل حساسية لا تتعلق بموقع الممر وحده، بل بما ستدفعه السفن لاستخدام الخدمات المرتبطة به.

إيران ترفض رسميًا وصف المبالغ المقترحة بأنها رسومُ مرور أو “ضريبة” على عبور المضيق. وقد قال بقائي إنَّ بلاده لا تسعى إلى فرض رسوم على العبور في حد ذاته، لكنه أقرَّ بأنَّ خدماتٍ مُرتبطة بالملاحة وحماية البيئة وغيرها ستكون لها تكاليف. وهنا يصبح التمييز مهمًّا: فإذا كانت الأموال تُدفع مُقابِل خدمات اختيارية ومحددة، مثل الإرشاد الملاحي أو التزوُّد بالوقود أو الخدمات البيئية، فإنها تختلف قانونيًا وسياسيًا عن فرضِ مُقابِلٍ مالي للسماح للسفينة بالمرور. أما إذا أصبحت هذه الخدمات شرطًا عمليًا للعبور الآمن، فإنَّ الخطَّ الفاصل بين رسم الخدمة ورسم المرور يصبح أكثر ضبابية.

وهذا الخلاف يتّصل بسؤال قانوني أكبر.

فإيران وعُمان دولتان مشاطئتان للمضيق وتتمتّعان بحقوقٍ سيادية في مياههما الإقليمية، لكن هرمز في الوقت نفسه ممرٌّ مستخدم للملاحة الدولية. والقانون البحري الدولي يسعى إلى الموازنة بين سيادة الدول الساحلية وحق المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. ولذلك فإنَّ الحديث عن دورٍ إيراني-عُماني أكبر في تنظيم الملاحة لا يعني، في حد ذاته، وجود “سيادة مشتركة” مطلقة على المضيق أو حق غير مُقيَّد في تقرير مَن يعبره ومَن لا يعبره.

في المقابل، تنظر طهران إلى الجغرافيا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في ميزان القوة. فهي تطلُّ على الجانب الشمالي من ممرٍّ لا يستطيع الاقتصاد العالمي الاستغناء عنه بسهولة. وتُجادِل وسائل إعلام إيرانية مقرَّبة من الحرس الثوري بأنَّ الولايات المتحدة قد تستطيع استخدام القوة العسكرية لمرافقة السفن أو إزالة الألغام وتأمين مسارات محددة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إعادة حركة التجارة إلى ظروفها الطبيعية.

وهذا الطرح، رغم صدوره عن مؤسسات إعلامية قريبة من السلطة الإيرانية، يلفت إلى حقيقة اقتصادية يصعب تجاهلها: الملاحة التجارية لا تعتمد على إمكان عبور السفينة فحسب. إنها تعتمد أيضًا على شركات التأمين، وكلفة الشحن، واستعداد مالكي السفن والأطقم لتحمُّل المخاطر، وعلى اقتناع الأسواق بأنَّ الاستقرار لن يكون مؤقتًا.

فتح المضيق على الخريطة شيء، وإعادة الثقة إليه شيءٌ آخر.

ولهذا، حتى إذا توصّلت إيران وعُمان إلى اتفاق، فلن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الأزمة. فمضيق هرمز كان قبل النزاع ممرًّا النحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وأيُّ تغييرٍ مستدام في طريقة إدارته ستكون له انعكاسات تتجاوز الخليج إلى أسواق الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.

السؤال، إذًا، لم يعد فقط متى تعود السفن إلى العبور. السؤال الأصعب هو: وفق أي قواعد ستَعبُر؟

عُمان بين الوساطة والجغرافيا

لفهم الإجابة، لا بد من النظر إلى الموقع الاستثنائي الذي تحتله سلطنة عُمان في هذه الأزمة، جغرافيًا وديبلوماسيًا.

فعلاقة مسقط بطهران ليست وليدة الحرب الحالية، ولا هي مجرّد نتيجة لحاجة إيران إلى وسيط. إنها واحدة من أكثر العلاقات استمرارية وخصوصية في الخليج، وتعود جذورها الحديثة إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما أرسل شاه إيران محمد رضا بهلوي قوات لدعم السلطان قابوس في مواجهة تمرُّد ظفار. واستمرت العلاقة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حتى عندما دخلت علاقات طهران مع عدد من دول الخليج مراحل طويلة من التوتر والخصومة.

ومنذ ذلك الحين، جعلت عُمان من القدرة على التحدُّث مع الأطراف المتخاصمة جُزءًا أساسيًا من سياستها الخارجية. فهي عضو في مجلس التعاون الخليجي وشريك وثيق للولايات المتحدة، لكنها حافظت في الوقت نفسه على قنوات مفتوحة مع إيران، مُتجنِّبةً في معظم الأحيان الانخراط في سياسة المحاور الحادة التي طبعت جانبًا كبيرًا من التنافس الإقليمي.

وأثبتت هذه المقاربة قيمتها في أكثر من محطة. فقد استضافت مسقط القناة السرية بين الولايات المتحدة وإيران التي مهّدت للمفاوضات النووية في عهد الرئيس باراك أوباما، وعادت لاحقًا إلى أداء دور الوسيط في جولات أخرى من الاتصالات بين واشنطن وطهران. وفي الأزمة الحالية أيضًا، استضافت السلطنة محادثات غير مباشرة بين الجانبين قبل اندلاع المواجهة.

لكن هُرمُز يضع الديبلوماسية العُمانية أمام اختبارٍ مختلف.

فعُمان ليست في هذه المرة وسيطًا يقف خارج النزاع بالكامل، بل دولة مشاطئة للمضيق وصاحبة مصلحة مباشرة في النظام الملاحي الذي سيخرج من الأزمة. وتطلُّ محافظة مسندم العُمانية، عند الطرف الشمالي لشبه الجزيرة العربية، مباشرة على المضيق في مواجهة الساحل الإيراني، فيما تمرُّ أجزاءٌ أساسية من نظام فصل حركة السفن في مياه مرتبطة بالسلطنة. كما سبق لإيران وعُمان أن أبرمتا اتفاقات لترسيم حدودهما البحرية.

وهذه الجغرافيا تمنح مسقط وزنًا لا يستطيع أي وسيط آخر امتلاكه، لكنها تجعل مهمتها أكثر تعقيدًا أيضًا.

فأيُّ اتفاقٍ مع إيران ينبغي أن يُحقّقَ أكثر من هدف في الوقت نفسه: أن يساعد على استعادة الملاحة، وأن يحفظ المصالح والحقوق العُمانية، وألّا يُفسَّر خليجيًا أو دوليًا باعتباره قبولًا بمنح طهران سلطة منفردة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

لذلك فإنَّ وصفَ السياسة العُمانية بأنها “رهانٌ على إيران” يختزل نهجًا أكثر تعقيدًا. فمسقط تُراهن، في الواقع، على أن تبقى علاقتها بطهران قناة لضبط الأزمات والتوصُّل إلى تسويات، من دون أن تتحوَّل إلى اصطفاف معها أو إلى قبولٍ بحقّها في فرض قواعد منفردة على الخليج. وهذه معادلة دقيقة، لأنَّ الاتفاق لا يعني إيران وعُمان وحدهما. فدول الخليج تعتمد على هرمز بوصفه شريانًا حيويًا لتجارتها وصادراتها، والولايات المتحدة تنظر إلى حرية الملاحة فيه باعتبارها مصلحة استراتيجية، فيما تحتاج شركات الشحن والتأمين العالمية إلى نظام يمكن التنبؤ به قانونيًا وأمنيًا قبل أن تعود الحركة التجارية إلى طبيعتها.

لذلك، فإنَّ أيَّ اتفاقٍ نهائي بين طهران ومسقط قد يحتاج عمليًا إلى أكثر من توقيعهما. ليس بالضرورة إلى اتفاقٍ رسمي تشارك فيه واشنطن أو بقية العواصم الخليجية، وإنما إلى درجة كافية من القبول الدولي والإقليمي ــأو على الأقل غياب الاعتراض القادر على تعطيله ــ تسمح لشركات الملاحة والتأمين بالتعامل معه باعتباره نظامًا قابلًا للاستمرار.

من إدارة الملاحة إلى إعادة رسم ميزان القوة

وهنا تظهر حدود القوة الإيرانية وحدود الوساطة العُمانية في الوقت نفسه.

إيران تستطيع، بحُكم الجغرافيا والقدرات العسكرية، أن تجعل الملاحة في المضيق أكثر صعوبة وكلفة. لكنها تحتاج، إذا أرادت تحويل نفوذها الميداني إلى ترتيبٍ مستدام، إلى نظامٍ يستطيع الآخرون التعامل معه. وعُمان تستطيع التفاوض مع طهران حيث يصعب على آخرين ذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح أي ترتيب شرعية دولية أو قبولًا إقليميًا.

وبذلك يصبح السؤال القانوني متداخلًا مع ميزان القوى.

فإذا انتهت الأزمة إلى صيغة تنظّم الخدمات والممرّات وتخفض المخاطر مع الحفاظ على حرية الملاحة، فقد تتحوّل الوساطة العُمانية إلى أساس لتسوية أوسع. أما إذا انتهت إلى نظامٍ يُفهم منه أنَّ استخدام المضيق أصبح خاضعًا لموافقة سياسية إيرانية، أو لرسوم تمثّل عمليًا ثمنًا للعبور، فإنَّ الأزمة قد تنتقل من البحر إلى مواجهة ديبلوماسية وقانونية أوسع.

وهذا هو السبب في أنَّ التفاصيل التي تبدو تقنية ــالإحداثيات، والممرات، والإرشاد الملاحي، والتأمين، والرسوم ــ تحمل في الواقع معنى سياسيًا أكبر بكثير.

فالمشكلة لم تعد العثور على ممر تستطيع السفن استخدامه. لقد توصّلت إيران وعُمان بالفعل إلى تفاهم بشأن إحداثيات مسار مقترح، فيما بقيت مسائل السيطرة والرسوم والإشراف على حركة السفن موضع تفاوض.

وهنا ينتقل النقاش من مسار السفن إلى سلطة وضع القواعد نفسها.

وإذا انتهت الأزمة بنظامٍ يمنح إيران دورًا أكبر في إدارة الملاحة، فمن المرجح أن تقدمه طهران باعتباره اعترافًا بوزنها الجغرافي والسياسي في الخليج. وفي المقابل، قد تنظر الولايات المتحدة وبعض دول المنطقة إلى أيِّ صيغةٍ من هذا النوع باعتبارها سابقة تسمح بتحويل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي إلى أداة للنفوذ والضغط السياسي.

وبين هذَين التصورين تقف عُمان.

قوّة مسقط تكمن تحديدًا في أنها لا تحتاج إلى تبنّي أيٍّ منهما بالكامل. فقد بنت ديبلوماسيتها طوال عقود على فكرة مختلفة: أنَّ العلاقة مع طرفٍ لا تستوجب الخصومة مع الطرف الآخر، وأنَّ الجغرافيا التي تجعل المواجهة ممكنة يمكن أن تجعل التسوية ضرورية أيضًا.

لكن نجاح هذه المقاربة في هرمز سيكون أصعب من اختبارات كثيرة سبقتها. فهو لن يُقاس فقط بقدرة عُمان على إقناع إيران بالتوقيع على اتفاق، بل بقدرتها على المساعدة في إنتاج صيغة تستطيع دول الخليج والولايات المتحدة والقوى التجارية وشركات الملاحة العيش معها.

ولهذا، قد يكون الاتفاق الإيراني-العُماني، إذا اكتمل، بداية المرحلة الأصعب لا نهايتها.

فإعادة السفن إلى المضيق يمكن أن تتم بترتيبات فنية وأمنية. أما استعادة الملاحة المستقرة فتحتاج إلى قواعد واضحة، وحرية مرور قابلة للاستمرار، وتوازن بين حقوق الدول المشاطئة ومصالح الدول التي تعتمد على هذا الممر.

الرهان في هرمز، إذًا، ليس إعادة فتح المضيق فحسب، بل منع إعادة فتحه على قواعد تزرع بذور الأزمة التالية.

  • محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
  • هشام الجعفري هو مراسل “أسواق العرب” في طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى