150 سنة… والريحاني حيٌّ بيننا

هنري زغيب*

في عادة العاديين من الناس، أَن يمرَّ الزمن على أَجسادهم، فيَهرَمون ويَشيخُون، ثم يَغيبون لا تاركين بعدَهم صدًى إِلَّا في الحلقة الأَضْيَق من ذويهم… أَمَّا الخالدون (وكم أُحبُّ هذه التسمية لأَعضاء “الأَكاديمْيا الفرنسية” الأَربعين) فهُمُ المبدعون الذين يمرُّ الزمن حدَّهم: لا هو يتجاسر على الالتفات إِليهم، ولا هُم يأْبهون لمروره، فيظلُّون أَحياءً بيننا لا إِلى غياب.

هوذا، منهم، أَمين الريحاني: يوم انهارتْ كمشةُ ترابه (13أَيلول/سبتمبر1940)، تلقَّفَها شقيقُه أَلْبِرت، وحَوَّلها كتُبًا لم يتسنَّ للأَمين إِصدارها… تعهَّد غيابَه أَلْبِرت بأَسطعَ من حضور: جعلَ بيته متحفًا للأَمين، أَخرجَ معظم المخطوطات إِلى الطباعة، أَنشأَ “دار الريحاني” وأَصدَر تلك المخطوطات كتُبًا (عدا ريادته الرائعة في إِصدار مجموعات ومجلَّات)، أَعاد طباعةَ ما كان صدَرَ زمنَ الأَمين، نظَّمَ ندواتٍ ولقاءاتٍ أَدبيةً حول الأَمين، أَصدرَ أَول قاموس من نوعه في العربية متخصِّص بالفَرد: “أَين تجدُ أَمين الريحاني”، ولا تعدادَ لإِنجازات أَلْبِرت إِحياءً إِرثَ شقيقِه الأَمين… ومع غيابه (1995)، تسلَّم الشعلةَ بِكْرُه أَمين أَلْبِرت الريحاني… وعلى خُطى والدِه، واصَلَ تنصيع إِرث الأَمين، وتكرَّس له (إِصدارُ مخطوطات أُخرى بالعربية والإِنكليزية، تحديثُ المتحف وتجهيزُه باستمرار، الإِشرافُ على صدور المؤَلفات الكاملة لدى “مكتبة لبنان” في ستة مجلدات ضخمة دقيقة الشروح والفهارس والهوامش)، وأَنشأَ مع شقيقتِه مي وشقيقَيْه رمزي وسرمد: “مؤَسسة الريحاني” في الولايات المتحدة، تَرفُد المتحف في الفريكة وتتراشح معه تَلازُمًا.

أَكثر بعد: لأَن هذا العام يصادفُ الذكرى 150 لولادة الأَمين (1876-2026)، وبدعوةٍ من “المؤَسسة” و”المتحف”، تحلَّقْنا في الفريكة أَوَّل من أَمس (الأَربعاء) وسْطَ حديقة بيت الريحاني، في فَـيْء الصنوبرة التي زرعَها الأَمين سنة 1907، وعلى المنصَّة/المصطبة التي كم جمعَ فيها أَعلامَ عصره، وبعدَه حوَّلها شقيقُه أَلْبِرت منتدًى أَدبيًّا… ورُحنا نُصغي إِلى برنامج “المئوية”، الفاتحِ رحابَتَه من تموز هذا العام حتى كانون الثاني 2027… تلَت علينا لجنةُ “المئوية” فصولَ البرنامج الغنيّ: إِطلاق كتاب جديد للريحاني عن مخطوطته الإِنكليزية “مُهمَّتي السلْمية في الحجاز” لدى منشورات “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني LAU”، معرض النحات بيار كرم (صاحب تمثال الريحاني)، سلسلة محاضرات حول الريحاني، عرض فيديو قصيدة الريحاني المصَوَّرة “أَنا الشرق”، تدشين تمثال الريحاني كاملًا بالقامة الطبيعية، مؤْتمر في جامعة سيِّدة اللويزة، مؤْتمر في جامعة الروح القُدُس-الكسليك، مؤْتمر لدى الحركة الثقافية-أنطلياس، لقاء لدى “مؤَسسة شارل قرم” حول الترجمة الفرنسية لـ”قلب لبنان”، إِصدار “دار المشرق” كلَّ الباقي من مخطوطات الريحاني الإِنكليزية، وختامًا صدور كتاب يضم نصوص جميع احتفالات “المئوية”… ثم تجوَّلْنا في أَرجاء المتحف الذي أَنهى ترميمَه، قبل أَيَّامٍ، المهندس سرمد ثالثُ الأَشقَّاء في الأُسرة الريحانية.

فيما أَنا مسترسل إِلى متابعة هذا البرنامجِ المتنوِّعِ غنًى وإِضاءَات، غامَ تفكيري إِلى ثلاث: 119 سنةً عمرُ هذه الصنوبرة الريحانية فوقَنا، ثلاثُ دَرَجَات المصطبة وكم سمعَتْ وقْع دعسات الأَمين مستقبلًا زوارَه، وعلى بُعدِ خطواتٍ منا داخلَ البيت: شرفةُ الفريكة التي جعلَها الأَمين موطنَه الدافئ، يتلو عليها صباحًا مقطوعتَه “النجوى”، ووجهُهُ شموخًا قبالتَهُ إِلى صنين.

ثلاثُ “غياماتٍ” لِمكان واحد… وفي كلِّ “غيامة” فجرٌ كثيرٌ لشمس ريحانية ما زالت تُشرق على الفريكة كلَّ صباح، فتحملُها “فُرَيْكاتٍ” إِلى لبنان والـمَهَاجر اللبنانية في العالم، ناصيةً لبنانيةً لا يخفِت صوتُها… ولا يزال الإِرث اللبناني، بها وبمثيلاها، نابضًا حيثُما حَلَّ، على اسم الإِبداع في وطنٍ خالدٍ لا يُقاسُ بجغرافياهُ ولا بديموغرافياهُ بل بـ”الإِبداعُوغرافيا” يحفرُها في الزمن أَعلامٌ مباركون، في طليعتهم أَمين الريحاني… لذا افتتحتُ مقالي بأَنَّ الزمن يمرُّ حدَّ المبدعين، لا هو يتجاسَرُ على الالتفات إِليهم، ولا هُم يأْبهون لمروره، فيظلُّون أَحياءً بيننا لا إِلى غياب.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى