حين تخافُ الديموقراطيات من الإنترنت

كابي طبراني*

عندما قطعت السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت عن ملايين المواطنين خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، لم يكن الهدف مجرد تعطيل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الحد من انتشار مقاطع الفيديو. كانت الرسالة أكثر وضوحًا من أيِّ بيانٍ رسمي: مَن يُسيطر على تدفُّق المعلومات يملك جُزءًا كبيرًا من السيطرة على الواقع نفسه.

في تلك اللحظة، بدا المشهد مألوفًا. نظامٌ سلطوي يحاول منع مواطنيه من التواصل مع العالم الخارجي، واحتكار الرواية الرسمية للأحداث. لكن المفارقة أنَّ النقاش الذي كان يُنظَرُ إليه لعقود باعتباره سمة خاصة بالدول الاستبدادية، بات يجد صداه اليوم، وإنَّ بصيغٍ أكثر نعومة وتعقيدًا، داخل الديموقراطيات الغربية نفسها.

فالانتصار الأكثر أهمية الذي حققته الصين وروسيا في معركة الإنترنت لم يكن تكنولوجيًا بقدر ما كان فكريًا. فبعد سنوات من الدفاع عن الإنترنت المفتوح باعتباره فضاءً عالميًا للحرية وتبادل الأفكار، بدأت الديموقراطيات الغربية تتبنّى تدريجًا لغة جديدة تدور حول السيطرة والتنظيم والسيادة الرقمية.

لم تعد القضية الأساسية هي كيفية توسيع حرية الوصول إلى المعلومات، بل كيفية إدارة المخاطر التي تنتج عنها تلك الحرية.

قبل أكثر من عقد، كان المزاج العالمي مختلفًا تمامًا. في أعقاب “الربيع العربي” والاحتجاجات التي اجتاحت مناطق عديدة من العالم، بدا الإنترنت أداةً لتحرير المجال العام من احتكار الحكومات والمؤسّسات التقليدية. كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُقدَّم بوصفها محرّكًا للديموقراطية، فيما تحدث سياسيون غربيون عن حرية الإنترنت باعتبارها حقًا عالميًا لا يقل أهمية عن حرية الصحافة أو حرية التجمّع.

وفي عام 2012، تبنّى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يؤكّدُ أنَّ الحقوق التي يتمتع بها الأفراد خارج الإنترنت يجب أن تُحمى داخله أيضًا. آنذاك، بدا الأمر وكأنه إعلان انتصار لفكرة الإنترنت المفتوح.

لكن العقد التالي حمل مفاجآت كثيرة.

فالتكنولوجيا التي ساعدت المحتجين على تنظيم أنفسهم ساعدت أيضًا دعاة التطرف ونظريات المؤامرة على الوصول إلى جماهير واسعة. والخوارزميات التي وعدت بربط البشر بعضهم ببعض ساهمت في تعميق الاستقطاب السياسي. أما المنصّات التي قيل إنها ستُضعف نفوذ السلطة، فقد تحوّلت بدورها إلى مراكز قوة عالمية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام.

ثم جاءت سلسلة من الصدمات المتلاحقة: التدخُّلات الأجنبية في الانتخابات، وصعود الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة، وجائحة “كوفيد-19″، والانفجار الحالي في قدرات الذكاء الاصطناعي. فجأة، لم يعد الإنترنت يُنظر إليه باعتباره أداةً للتحرُّر فحسب، بل باعتباره مصدرًا للفوضى أيضًا.

ومن هنا بدأت نقطة التحوُّل.

في أوروبا، برز مفهوم “السيادة الرقمية” باعتباره أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في صناعة السياسات العامة. فالحديث لم يعد يقتصر على حماية البيانات أو تنظيم المنافسة بين شركات التكنولوجيا، بل امتدَّ إلى منح الحكومات والهيئات التنظيمية دورًا أكبر في إدارة المجال الرقمي نفسه.

ويعكس قانون الخدمات الرقمية الأوروبي هذا التحوُّل بوضوح. فالقانون يمنح السلطات أدوات أوسع لإلزام المنصّات الكبرى بمراقبة أنواع معيَّنة من المحتوى والتعامل مع ما يُصنَّف باعتباره تضليلًا أو خطاب كراهية أو تدخُّلًا أجنبيًا.

هذه الأهداف تبدو مشروعة للوهلة الأولى. فلا أحد يرغب في أن تتحوّلَ المنصّات الرقمية إلى ساحاتٍ مفتوحة للتحريض أو الاحتيال أو حملات التضليل المنظمة.

لكن المشكلة لا تكمن في الأهداف المعلنة، بل في الحدود الفاصلة بين حماية المجال العام والسيطرة عليه.

ولعلَّ التجربة المجرية تقدم مثالًا كاشفًا على هذه المعضلة. فخلال السنوات التي أحكم فيها رئيس الوزراء (السابق) فيكتور أوربان قبضته على جزء كبير من الإعلام التقليدي، وجد عددٌ من الصحافيين المستقلين أنَّ الإنترنت لم يكن مجرد منصّة للنشر، بل المساحة الأخيرة المُتاحة للوصول إلى الجمهور. وعندما كانت قنوات تلفزيونية وصحف كبرى تتجنّب الخوض في قضايا الفساد أو إساءة استخدام السلطة، ظلت المواقع المستقلة ومنصّات التواصل منفذًا لنشر المعلومات وتنظيم النقاش العام. بالنسبة إلى هؤلاء لم يكن الإنترنت مشكلة ديموقراطية تحتاج إلى الضبط، بل أداة ساعدت على إبقاء المساءلة السياسية مُمكنة في بيئةٍ تزداد انغلاقًا.

فكلما اتسعت صلاحيات الدولة في تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول، ازداد خطر انتقال السلطة من تنظيم المنصّات إلى تنظيم النقاش العام نفسه. وما يُبنى اليوم لمواجهة الأخبار الكاذبة قد يُستخدَم غدًا لإسكات آراء مزعجة أو معارضة.

لكن المفارقة الأهم ربما تكمن في مكان آخر. فمعظم الأدوات الرقابية التي تُبنى اليوم يجري تصميمها على افتراض أنَّ الحكومات الحالية ستستخدمها بحكمة ومسؤولية. غير أنَّ التاريخ الديموقراطي نفسه يُعلمنا عكس ذلك. فالقوانين والمؤسّسات لا تنتقل مع الأشخاص، بل تبقى بعد رحيلهم. والسلطات التي تُمنح اليوم لحكومة معتدلة لمواجهة التضليل قد تصبح غدًا في يد حكومة أكثر تشدُّدًا أو أكثر شعبوية. ولذلك فإنَّ السؤال الحقيقي ليس كيف ستستخدم الحكومات الحالية هذه الأدوات، بل كيف يمكن أن تستخدمها الحكومات التي لم تصل إلى السلطة بعد.

هنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تستحق الانتباه.

فالصين لا تقدم نموذجها الرقابي باعتباره اعتداءً على الحريات، بل تبرّره دائمًا باسم الاستقرار والأمن والسيادة الوطنية. واللافت أنَّ المفردات نفسها أصبحت تتردّد بدرجات مختلفة في الخطاب السياسي الغربي، حتى وإن كانت النتائج العملية لا تزال مختلفة جذريًا.

وبطبيعة الحال، لا يمكن المساواة بين أوروبا الديموقراطية والصين السلطوية. فما يزال المواطن الأوروبي يتمتع بهوامش من الحرية لا يمكن مقارنتها بما هو متاح داخل جدار الحماية الصيني أو في الفضاء الرقمي الروسي الخاضع لرقابة مشددة. غير أنَّ القضية لا تتعلق بالمساواة بين النماذج، بل بالاتجاه الذي تسير نحوه.

وفي صيف العام الماضي، انتشر على منصة “إكس” مقطع مصوَّر يوثّق حادثة أثارت جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة. وخلال ساعات قليلة، بدأت ميزة “ملاحظات المجتمع” التي يديرها المستخدمون أنفسهم بإضافة تصحيحات وتوضيحات إلى منشورات لمسؤولين وإعلاميين تداولوا روايات متناقضة بشأن الحادثة. لم يكن المشهد مثاليًا، ولم تختفِ المعلومات المضلّلة بالكامل، لكنه قدم نموذجًا مختلفًا لفكرة إدارة الحقيقة في العصر الرقمي: تصحيح الأخطاء عبر النقاش المفتوح والمراجعة الجماعية بدلًا من الحذف الإداري أو التدخُّل الحكومي المباشر.

هذا لا يعني الدفاع عن فوضى رقمية بلا ضوابط. فالمجتمعات الحديثة تحتاج بالفعل إلى قواعد تنظّم عمل المنصّات العملاقة وتحد من إساءة استخدام التكنولوجيا. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين فرض الشفافية والمساءلة على الشركات وبين منح الحكومات سلطة متزايدة على تدفُّق الأفكار والمعلومات.

وربما يكون البديل الأكثر استدامة هو الاستثمار في التربية الإعلامية والشفافية الخوارزمية وأدوات التحقق المستقلة من المعلومات، بدل الاعتماد المفرط على الحذف والمنع.

فالإنترنت المفتوح لم يكن يومًا مشروعًا مثاليًا. لقد حمل معه الفوضى كما حمل الحرية. لكنه منح الأفراد أيضًا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة ومساءلة السلطة وكسر الاحتكارات التقليدية للمعلومات.

ولهذا فإنَّ السؤال الحقيقي الذي يواجه الديموقراطيات اليوم ليس كيف يمكن السيطرة على الإنترنت، بل كيف يمكن الحفاظ على مزاياه الأساسية من دون السماح بتحوّله إلى أداةٍ للتلاعب أو الفوضى. ذلك أنَّ خسارة هذه المعادلة قد تعني أنَّ أكبر انتصار حققته الأنظمة السلطوية لم يكن بناء إنترنت مغلق داخل حدودها، بل إقناع الديموقراطيات بأنَّ الإنترنت المفتوح أصبح خطرًا ينبغي الخوف منه.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى