دولة مواهب لا مذاهب، وكفاءات لا ولاءات

هنري زغيب*

ذاتَ صباح، كان إِلى باب بيت فؤَاد شهاب في جونيه سياسيٌّ نافذٌ، جاء يتوسط لدى الرئيس لتعيين أَحد محاسيبه من طائفته، في وظيفة من الفئة الأُولى.. صارمًا كان ردُّ الرئيس اللواء: “أَنشأْنا مجلس الخدمة المدنية لضبط الانتظام.. فَلْيَتَقَدَّم زلمتكَ إِلى الامتحان.. إِذا نجح تكون الوظيفة له، من دون وساطتك”.

خرجَ ذاك السياسيُّ النافذُ مُحبَطًا مرتين: لأَنه نال صفعة معنوية من رئيس الجمهورية، ولأَنه خسرَ أَن يكون هو مَن أَمَّن الوظيفة لذاك الـ”من طائفته” المحسوب عليه.

تلك قاعدةُ رئيسٍ مَأْسَسَ الدولة، فأَنشأَ لها “مجلس الخدمة المدنية” و”ديوان المحاسبة” و”مجلس التخطيط والإِنماء الاقتصادي” و”المجلس الوطني للسياحة” و”المجلس الوطني للبحوث العلْمية” و”المشروع الأَخضر” و”مجلس التنظيم المدني” و”مصرف لبنان المركزي” و”الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” و”تعاونية موظَّفي الدولة”، وسواها وسواها، كي يُنْقذَ الدولة من اهتراء يَلْحق بها بعده فتسقط صرعاه.. وهو طبَّق مبدأَ النظام الصارم بدْءًا من أَهل بيته، فبقي شقيقاه فريد وشكيب في وظيفَتَيْهما، ولم “ينْعَما” برئاسة شقيقِهما البِكْر كي “يتنعَّما” بوظيفة خاصة كُبرى، أَو “يترقَّيا” في سُلَّم وظائف الدولة.

بعد انتخاب بشير الجميل رئيسًا، أعلن استقالته من قيادة “القوات اللبنانية” وأَبلغَ رفاقه فيها أَنه لم يعُد رئيسًا لفئةٍ من البلاد بل أَصبح رئيسًا لكل لبنان.. سوى أَنَّ فاجعة 14 أَيلول (سبتمبر) حرَمَتْهُ من تحقيق عزْمه على بناء دولة النظام والمؤَسسات دون تمييز بين مواطن وآخر، بل يخضع السياسيون للدستور والمواطنون للقوانين.

أَكتُب هذا الأَعلاه، بعد قراءتي قبل يومين أَن مجلس الوزراء أَجَّل تعيين مدير عامٍّ في الدولة لأَن خلافًا على تعيينه ما زال قائمًا بين كبار المسؤُولين.. و”كبار المسؤُولين”، عبارةٌ في قاموس دولتنا “الشوساء”، تعني الخلاف على المحاصصة.. وكلمة “الخلاف” في معيار سُلطتنا “الشوهاء” تعني التجاذُب على توظيف الأَزلام والمحاسيب، دون أَيِّ اعتبارٍ مؤَهلاتِ المرشَّحين إِلى الوظيفة، وكفاءَاتهم الأَكاديمية، وخبراتهم المهنية.. وبين تينِك العبارة والكلمة، تغرق الدولة في زواريب الزبائنية والمحاصصة وتوظيف المحاسيب والأَزلام، والاستمرار في منطق العشيرة والقبيلة والحسابات المحلية المناطقية المذهبية الطائفية خارج منطق الكفاءة داخل منطق الولاء للسياسي النافذ.

يأْخذُني هذا الواقعُ الـمُوحل إِلى عبارة الكاتب الأَميركي جيمس فريمان كْلارك (1810-1888): “رجُلُ السياسة يعمل للانتخابات المقبلة، بينما رجُلُ الدولة يعمل للأَجيال المقْبلة.. رجُلُ الدولة يجعل طاقاته في خدمة الدولة ومواطنيها، بينما رجُلُ السياسة يجعل طاقات الدولة ومواطنيها في خدمته”.

نحن إِذًا أَمام دولةٍ تُفكِّك هيبَتَها “مكوِّناتٌ” سياسيةٌ وطائفيةٌ ومذهبيةٌ ومناطقيةٌ وحزبية. ولكل “مُكَوٍّن” قائدُه أَو رئيسُه أَو راعيه أَو سيِّده، فهي منفصلة ذهنيًّا ونفسيًّا وميدانيًّا، على مساحة بلادٍ متعدِّدةِ مراكز النفوذ والولاءات والمحسوبيات والزبائنيات، وتتقطَّع خارطتُها فسيفسائيًّا بما يفصل بين المزارع والقبائل والعشائر من قواطع راسخة في النفوس بأَخطرَ مما في النصوص.

إِذا كان لهذه الحرب أَن تنتهي على أُسس واضحةٍ ثابتةٍ راسخةٍ وطنيًّا وهويةً وانتماءً وولاءً ووفاءً وإِجماعًا كما يَليق بلبنان الواحد الموحَّد الانتماء، فعلى الدولة، وتكون استقرَّت حدودها، أَن تَلْتَفِتَ إِلى مفاصلها الداخلية فتدعمَ أَمنها وأَمانها بتركيبةٍ متينةٍ تعتمد الكفاءات العلْمية لا الولاءات السياسية، وتنشئَ جيلًا من ذوي المواهب لا من أَزلام المذاهب، تجمَع بينهم مناهجُ تربوية موحَّدة، عنوانها وطن واحد، وجيش واحد، وولاء واحد للبنان اللبناني، يمتدُّ من أَقصاه إِلى أَدناه، في خدمةِ دولةٍ أَركانُها يعملون في خدمة المواطن، ولا يجعلون المواطن خادمًا عندهم، خانعًا يُرضونه ببطاقةِ توصيةٍ توصلُه إِلى وظيفةٍ يظل طيلة حياته مَدينًا بها لِمن “منحه” تلك البطاقة.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:  www.henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى