فظائعُ السودان… مرآةُ تَدَهوُرِ الديبلوماسية الغربية
في السودان، لا تُقاس المأساة فقط بحجم الفظائع، بل بحجم العجز الدولي عن وقفها. فهذه الحرب لم تكشف وحشية الداخل فحسب، بل عرّت أيضًا تدهور أدوات الديبلوماسية الغربية وحدود تأثيرها.

ديفيد رايكو*
مع استمرار الحرب في السودان وتصاعد فظائعها من دون أيِّ أفقٍ واضحٍ للحلّ، يتجه النقاش الدولي بشكلٍ متزايد نحو انتقاد تقاعس الغرب ولامبالاته حيال الأزمة. وهذا النقد في جوهره صحيح؛ إذ لا تبدو أي حكومة غربية اليوم مستعدة لوضع السودان ضمن أولوياتها، رُغم الأرقام الصادمة التي تشير إلى تجاوز عدد القتلى 120 ألفًا منذ العام 2023، بينهم عشرات الآلاف في الفاشر وحدها منذ أواخر العام 2025. غير أنَّ هذا التشخيص، على وجاهته، يُغفل حقيقة أكثر قسوة: فمشكلة الغرب في السودان لا تقتصر على ضعف الإرادة، بل تمتد إلى محدودية القدرة الفعلية على التأثير.
هذه المحدودية لا تعكس فقط مأساة إضافية للشعب السوداني، بل تكشف أيضًا خللًا أعمق في أدوات التحليل السياسي وأداء الديبلوماسية الدولية. فالأدوات التقليدية—من وساطات وضغوط سياسية وعقوبات وإدانات—تبدو عاجزة عن إحداثِ أيِّ تغيير ملموس في سلوك أطراف الصراع. أما البدائل المتبقّية، فهي إما شديدة التعقيد أو محفوفة بمخاطر كبيرة، وربما خارج متناول ديبلوماسية دولية تعاني أصلًا من ضغوط وتراجع في الفعالية.
في المقابل، يفتقر الغرب إلى نفوذ مباشر يُذكَر على طرفي الصراع الرئيسيين: قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد “قوات الدعم السريع” محمد حمدان دقلو (حميدتي). فكلاهما صعد من خلفيات عسكرية ميدانية إلى قمة السلطة في أعقاب العام 2019، قبل أن يتحوّل تحالفهما المؤقت إلى صراعٍ مفتوح في نيسان (أبريل) 2023. واليوم، ينظر الرجلان إلى المواجهة بوصفها معركة وجودية لا تحتمل تسويات وسط، حيث يُختزل المشهد في منطق الغالب والمغلوب، وتغيب أي حوافز حقيقية لتقديم تنازلات، مهما كانت كلفتها على البلاد.
عجزٌ بلا أدوات
في المرحلة الراهنة، لا يبدو أنَّ أيًا من طرفَي الصراع يُولي اهتمامًا يُذكر بالمصلحة الوطنية للسودان أو باعتبارات القبول الدولي. فكلاهما تَشَكّلَ سياسيًا وعسكريًا داخل منظومة حكم حزب المؤتمر الوطني في عهد عمر البشير، ذلك النظام الذي عاش عقودًا من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية. وفي ظلِّ هذه الخلفية، لم يكن متوقعًا أن يسعى أيٌّ منهما إلى كسب شرعية خارجية أو الاندماج في النظام الدولي، ما يجعل أدوات الضغط التقليدية—سواء عبر الحوافز أو التهديدات—فاقدة لفعاليتها إلى حدٍّ كبير.
ومع ذلك، يبرز مسارٌ محتمل، وإن كان محدودًا، للتأثير غير المباشر. إذ يعتمد طرفا النزاع بدرجة كبيرة على شبكات دعم خارجية لتعويض ضعفهما الداخلي، سواء من حيث الشرعية الشعبية أو القدرة الإنتاجية. هذا الاعتماد يفتح نافذة ضيقة أمام الضغط عبر استهداف قنوات الإمداد التي تشمل المرتزقة، والسلاح، والوقود، والموارد الحيوية، فضلًا عن شبكات التمويل التي توفّر العملات الصعبة وتُسهّل تحويلها.
نظريًا، فإنَّ تقليص أو قطع هذه الروابط الخارجية يمكن أن يحدّ من قدرة الطرفين على مواصلة القتال، وربما يخلق هامشًا لفاعلين سودانيين آخرين للظهور والتأثير. إلّا أنَّ تحويل هذا التصوُّر إلى واقع يواجه تحديات هائلة. فالمشهد مُحاط بضبابٍ كثيف من التضليل والمعلومات المتناقضة، حيث تختلط الوقائع بالشائعات، وتُدار كثير من العمليات المالية عبر شبكات معقدة وعابرة للحدود يصعب تتبُّعها.
إنَّ التعامل مع هذا المستوى من التعقيد يتطلّب جهدًا استخباراتيًا عالي الدقة، مدعومًا بحضورٍ ديبلوماسي ميداني نشط وقادر على بناء صورة تفصيلية للعلاقات والتدفقات المالية واللوجستية. غير أنَّ مثل هذا الاستثمار يبدو، حتى الآن، بعيدًا من أولويات العديد من الدول، ما يترك الأزمة السودانية عالقة بين عجز الأدوات وضبابية المشهد.
شبكات الحرب: تعقيد يتجاوز الديبلوماسية
إنَّ عزلَ طرفَي الصراع في السودان فعليًا يتطلّب أكثر من ضغوط متفرقة؛ إنه يستدعي حشد طيف واسع من الفاعلين الإقليميين والدوليين ضمن حملة ديبلوماسية منسّقة ومستمرة. فشبكات الدعم التي تغذّي الحرب متشعبة ومعقّدة: إذ حصلت “قوات الدعم السريع” على دعمٍ ملحوظ من جهات متعددة، من بينها مجموعة “فاغنر” الروسية، وعناصر مختلفة في الإمارات العربية المتحدة وليبيا وتشاد وكولومبيا، مع اتهامات بوجود أدوار داعمة أيضًا من إثيوبيا وكينيا والصومال. في المقابل، تلقت القوات المسلحة السودانية دعمًا من مصر والسعودية، بينما تبنّت إريتريا موقفًا مساندًا لها، وإن ظلَّ حجم انخراطها العملي غير واضح. كما برزت روسيا وتركيا وإيران كمورّدين للأسلحة والإمدادات لكلا الطرفين، في مشهد يعكس تداخل المصالح وتضاربها.
ولا يتوقف الأمر عند هذه الأطراف؛ إذ أُشير إلى تدخلات متفاوتة من جهات في جنوب أفريقيا وقطر والبحرين وعُمان، سواء لصالح أحد الطرفين أو كليهما. أما دور جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، فيبدو أكثر تعقيدًا، نظرًا لتشابك العلاقات الحدودية والمجتمعية، إلى جانب القنوات الرسمية وغير الرسمية. وفي ظلِّ هذا التشابك، تبدو أيُّ محاولة لاستهداف رابطٍ بعينه دون غيره محدودة الجدوى؛ فالمقاربة الجُزئية لن تفعل أكثر من ملامسة السطح، ما لم تُصمَّم ضمن استراتيجية شاملة ومتكاملة.
يزدادُ المشهد قتامة حين نضع في الاعتبار أنَّ أيَّ انتصار حاسم لأيٍّ من الطرفين لا يُبشّر باستقرار، بل يُنذِرُ بكارثة أعمق للسودان والمنطقة. فكلٌّ من عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو يمتلك سجلًا مُثقلًا بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من دارفور إلى الخرطوم، حيث تشير تقارير متعددة إلى مسؤوليتهما المشتركة عن مجزرة عام 2019 وما رافقها من قتل واعتداءات واسعة. وفي غياب قاعدة شعبية حقيقية، يُرجّح أن يسعى المنتصر—أيًا كان—إلى تثبيت حكمه عبر مزيد من القمع والتطهير، بدلًا من الانفتاح على تسوية سياسية.
وفوق ذلك، فإنَّ البيئة الإقليمية المحيطة لا تبدو مُهَيَّأة لقبول انتصار أحادي. فلكلٍّ من الرجلين خصوم معلنون وآخرون محتملون في المنطقة، وقد أبدى كثير منهم استعدادًا للتدخل لعرقلة أي طرف أو موازنة نفوذه. من هنا، فإنَّ أيَّ استراتيجية لعزلهما أو التأثير عليهما لا يمكن أن تنجح إلّا عبر تنسيقٍ دقيق، وتوقيتٍ محسوب، وقدرةٍ على التكيّف المستمر مع ديناميات متغيّرة، في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا وتشابكًا في المشهد الدولي الراهن.
هل يبدو هذا المسار مُمكنًا أصلًا؟ الإجابة ليست سهلة. فالمشهد السوداني والإقليمي يزخر بمتغيّرات مُعقَّدة ومجهولات يصعب حصرها، ما يجعل أي تقدير حاسم أمرًا محفوفًا بعدم اليقين. ومع ذلك، فإنَّ استبعاد هذا الخيار في هذه المرحلة قد لا يكون مجرد خطَإٍ في التقدير، بل إخفاقًا أخلاقيًا أيضًا. غير أنَّ القدرة الفعلية على تحقيقه—خصوصًا من جانب الغرب—تبقى موضع شك كبير، بل إنَّ المؤشرات الراهنة ترجّح أن تكون محدودة إلى حدٍّ بعيد.
أزمة الديبلوماسية الغربية
في هذا السياق، من المهم إدراك أنَّ ما يظهر من الديبلوماسية إلى العلن ليس سوى جُزءٍ ضئيل من منظومةٍ أكثر تعقيدًا. فنجاح أيّ تحرُّك ديبلوماسي رفيع المستوى يعتمد في جوهره على عمل شبكة واسعة من الديبلوماسيين الذين يعملون بصمت، داخل العواصم وخارجها. وإذا كان صناع القرار الكبار هم من يحددون الاتجاه، فإنَّ الكوادر الميدانية هي التي توفر الأدوات والبيانات والقدرة على التنفيذ—هي التي ترسم الخرائط وتدير الدفة وتضمن الوصول إلى الوجهة.
تاريخيًا، ورغم ما شاب السلك الديبلوماسي الأميركي من نواقص خلال الحرب الباردة، فإنه كان يمتلك حضورًا فاعلًا وقدرة تشغيلية معتبرة. فقد كان الديبلوماسيون منتشرِين على الأرض، مزودين بالموارد والدعم السياسي، وقادرين على جمع المعلومات وبناء العلاقات. لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع نهاية تلك المرحلة، حين أدت تخفيضات واسعة في ميزانيات وزارة الخارجية—لا سيما في تسعينيات القرن الماضي في عهد بيل كلينتون—إلى تقليص الكوادر وإغلاق بعثات ومكاتب أساسية، ما أضعف البنية التشغيلية للسلك الديبلوماسي وأطلق مسارًا من التآكل المستمر.
بالتوازي، اتجهت الإدارات الأميركية المتعاقبة نحو تركيز عملية التحليل وصنع القرار في المستويات العليا، وصولًا إلى البيت الأبيض. وقد أدى هذا التمركز إلى خلق فجوات معلوماتية واختناقات في اتخاذ القرار، مع تراجع دور الكوادر الميدانية وعزلها تدريجًا عن دوائر التأثير. وفي غياب التوجيهات الواضحة، تراجعت فاعلية هذه الكوادر، وتقلصت فرصها في اكتساب الخبرة العملية. كما أسهمت التغييرات المتكررة في هيكلية وزارة الخارجية عبر إدارات مختلفة، خصوصًا في زمن الوزراء كوندوليزا رايس، وريكس تيلرسون، وماركو روبيو، في تعميق هذا الضعف، ما انعكس سلبًا على قدرة الديبلوماسية الأميركية على التعامل مع أزمات معقدة من طراز الأزمة السودانية.
لم تكن الهيئات الديبلوماسية الغربية الأخرى، خصوصًا على مستوى الكوادر العاملة، بمنأى عن هذه التحوُّلات. فقد سعت، مُستفيدةً من شراكاتها الطويلة مع الولايات المتحدة وفي ما بينها، إلى التكيُّف مع التغيُّرات التي طرأت على الدور الأميركي. غير أنَّ هذه الجهود اصطدمت بقيودٍ مالية وضغوطٍ سياسية داخلية. وفي الحالة الأوروبية تحديدًا، باتت الأولوية تُمنَح لإدارة توازنات الاستقرار داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ما استنزف قدرًا كبيرًا من الموارد الديبلوماسية. وفي الوقت ذاته، دفعت تحديات متراكمة—من ضغوط متزايدة على حلف شمال الأطلسي، إلى تعقيدات العلاقة مع الصين، وصولًا إلى تراجع بعض أطر التعاون الاقتصادي—هذه الأجهزة الديبلوماسية إلى العمل عند حدود طاقتها، إن لم يكن تجاوزها.
ورُغم ذلك، لا يُعفي هذا الواقع الدول الغربية من مسؤولية بذل أقصى ما يمكن للتخفيف من الكارثة السودانية أو الحدّ من تداعياتها. لكن المقاربة التحليلية الرصينة تقتضي التخلي عن فرضية أنَّ هناك دائمًا خيارًا جاهزًا وقابلًا للتنفيذ، أو أنَّ “القوى الكبرى”—غربية كانت أم غير غربية—تملك بالضرورة القدرة على فرض مسارات بعينها. هذه الفرضية، على بساطتها الظاهرية، تُعد من أكثر الأخطاء شيوعًا في التحليلات السياسية، وغالبًا ما تتغذى من خطاب المانحين وآليات جمع التمويل، فضلًا عن تصوُّرات مُبالَغ فيها حول حدود القوة والنفوذ.
في هذا السياق، تكشف مأساة السودان عن حاجةٍ مُلحّة إلى مراجعة عميقة لبُنية العمل الديبلوماسي وفاعليته. فالإصلاح المطلوب لا يقتصر على تعزيز الرقابة أو الحد من الهدر، بل يمتدُّ إلى إعادة مواءمة الموارد والتمويل مع حجم المسؤوليات الفعلية، حتى تلك التي تبقى بعيدة من الأنظار. كما يتطلّب إعادة نظر شاملة في هيكلية الكوادر، وتدفق المعلومات، وتوزيع الصلاحيات، بما يعيد الاعتبار لدور الديبلوماسيين العاملين في الميدان ويمكّنهم من أداء مهامهم بكفاءة.
وفي بعض الحالات، قد لا يكون الإصلاح التدريجي كافيًا، بل تبرز الحاجة إلى إعادة بناء أجزاء أساسية من هذه المؤسسات من جديد. ورُغمَ صعوبة هذا الخيار وكلفته، فإنه يظل، على الأرجح، السبيل الأكثر واقعية لضمان وجود جهاز ديبلوماسي قادر على التعامل مع عالمٍ يزداد تعقيدًا وتقلُّبًا.
- ديفيد رايكو هو مستشار سياسي مُتخصّص في النزاعات المسلّحة، والفساد المُمنهَج، وتصميم المحاكاة السياسية. كان سابقًا ديبلوماسيًا في الأمم المتحدة، وقد خدم في السودان وجنوب السودان وليبيا وأفغانستان.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.