طوكيو وأستانا: ما وراء مضيق هرمز

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

في ظلِّ تصاعُد التوتُّرات الإقليمية المُحيطة بإيران، وما رافقها من تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تجدُ اليابان نفسها أمام مأزقٍ استراتيجي حرج. فاقتصادها، المعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز الشرق الأوسط، يجعلُ من هذا الممر البحري شريانًا لا غنى عنه لاستقرارها الاقتصادي. ومع تحوّل المضيق إلى أداةِ ضغط جيوسياسية قابلة للتعطيل، تتزايد مخاوفها من هشاشة أمنها الطاقي، ومن تداعيات أيِّ انقطاعٍ محتمل على منظومتها الاقتصادية والصناعية.

هذا الواقع دفع طوكيو إلى تسريع وتيرة العمل على “الممر الأوسط” (Middle Corridor)؛ فهذا الطريق الذي يربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين هو حدثُ الساعة والبديل الأكثر أمانًا. فالاستثمار الياباني في حقول “كاشاغان” الكازاخستانية وتطوير سكك الحديد العابرة للقارات يهدفُ بوضوح إلى خلق مسار طاقة وتجارة “مستقل” يلتف على جغرافيا الصراعات التقليدية ويضمن تدفُّق الموارد بعيدًا من تقلُّبات الخليج العربي.

هذا التحالف المصلحي يستندُ في جوهره إلى “أرضية وجدانية” عميقة، فاليابان وكازاخستان يجمعهما “الجرح النووي” الذي صاغ هويتهما الوطنية. فبينما تحمل اليابان إرث هيروشيما وناغازاكي كأول ضحية للقنابل الذرية، تحمل كازاخستان ندوب 456 اختبارًا نوويًا سوفياتيًا أجريت على أراضيها في موقع “سيميبالاتينسك” بين العامين 1949 و1989. هذه الاختبارات خلّفت إرثًا مأساويًا من التلوُّث الإشعاعي والأمراض المزمنة التي طالت أجيالاً من الكازاخ. ومن رحم هذه المعاناة، جعلت كازاخستان من قضية الأمن الإنساني وحماية الأرواح أولوية قصوى، حيث كان قرار إغلاق الموقع عام 1991 صرخة وطنية من أجل السلام العالمي ونبذ ثقافة الدمار.

إنَّ هذا التاريخ المشترك هو المُحرِّك لـ”ديبلوماسية أخلاقية” مشتركة نجح من خلالها البلدان في تحويل المعاناة إلى رسالة عالمية تُنادي بنزع السلاح النووي، لتتجاوز علاقتهما لغة الأرقام الجافة إلى لغة القِيَمِ الإنسانية والمسؤولية تجاه مستقبل البشرية.

وتظهر المفارقة الصارخة في المشهد الدولي المعاصر؛ فبينما تنشغل قوى إقليمية ودولية في تغذية الصراعات وشنِّ الحروب، غير مُبالية بما قد يُسبّبه إغلاق الممرّات المائية (كمضيق هرمز) من كوارث اقتصادية واجتماعية للعالم، تختار اليابان وكازاخستان طريقًا مغايرًا تمامًا. إنها المقارنة بين دولٍ تستهلك قوّتها في “الإكراه والتهديد”، ودولٍ تُكرِّس ثقلها السياسي لبناء ممرّات بديلة وحماية سيادة الدول وتأمين رفاه الشعوب بعيدًا من لغة السلاح.

إنَّ الذاكرة النووية المشتركة جعلت البلدين أكثر إيمانًا بضرورة تعزيز الأمن الإنساني بمفهومه الشامل الذي يهدف إلى تحرير البشر من “الخوف” ومن “الحاجة”؛ وهو المفهوم الذي يتجسّد في الغاية الأسمى للاستقرار كما ورد في قوله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. فما تبنيه طوكيو وأستانا اليوم هو نموذج لـ “الواقعية الأخلاقية”؛ حيث لا ينفصل أمن الطاقة عن أمن المبادئ.

الدرس الحقيقي هنا هو أنَّ القوة الحقيقية للدول لا تُقاسُ بقدرتها على التهديد بإغلاق الممرّات، بل بقدرتها على ابتكار بدائل تضمن استمرارية الحياة والتعاون الدولي. إنها شراكة تُثبتُ أنَّ “الذاكرة الأليمة” إذا ما اقترنت بـ”الرؤية الاستراتيجية”، يُمكنها أن تخلقَ واقعًا دوليًا أكثر توازُنًا، قائمًا على قِيَمِ “السلام”، وأقل ارتهانًا للأزمات العابرة.

  • الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعيّة وباحثة ومُحلّلة سياسيّة لبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى