“حزبُ الله” وحزبُ المسيح

رشيد درباس*

العَيشُ المُشتَرَك بين المسلمين
والمسيحيين هو أمرٌ لا بُدَّ منه
للبنان واللبنانيين، ولكن علينا
نحن أيضًا مسؤولية كُبرى في
أن نكونَ قدوةً صالحة لسوانا.

البطريرك مار نصرالله بطرس صفير
في 22 آذار/مارس 1999

 

تتدافع الأحداث بأسرع من الصواريخ، وتتغيّر الأمور على وقع الثواني، وينقلب الشرق الأوسط من المعلوم القلق إلى المجهول المخيف، فتذهب قضية فلسطين إلى الصف الخلفي، ويتبوَّأ بنيامين نتنياهو منصّة لا يستحقّها، ويزعم لنفسه مرجعية تقوم على الخرافة الدينية والجشع المزمن. لم يستطع لبنان أن يخرج من ضراوة الحرب فصار ميدانًا للخيول الطائرة وباصقات اللهب وكاسحات العمائر، وتحوَّل ما تبقّى منها إلى أبنيةٍ آيلة للسقوط بحسب إشارة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي. أما قضم الجنوب فيُعيدنا إلى ما قبل 1982، حيث تتسع الدائرة كلما ارتأت “الكابينت” الإسرائيلية أنها بحاجة لمزيد من المناطق العازلة بذريعة حماية المستوطنات، فَتهدمُ البيوتَ وتَقْتَلِعُ الأشجارَ وتُهَجِّرَُ إلى اكتظاظٍ جديد.

لقد كنتُ أَذكِّر وأُعَوِّلُ في أكثر من مناسبة على دور الجيش وقوى الأمن في الإمساك بزمام حالة التهجير وصون العاصمة بيروت بالدرجة الأولى من أن تنزلقَ بها الفوضى إلى حالةٍ يصعب معها تدارك النتائج؛ ولكنني الآن أُعوِّل بالدرجة الأولى على دور المجتمعات المضيفة، وأحزابها لجهة تبريد الصفيح الساخن الذي يقف عليه المهجّرون والذي تلسع حماوته أقدام اللبنانيين كلهم، على درجات مُتفاوتة. يقول الدكتور محمد علي مقلد في كتابه الأخير نهاية “حزب الله” وسائر الأصوليات: “لا فضل لتكفيري على تكفيري ولا حتى بالتقوى، ولقد ثبت “بما لا يدع مجالًا للشك استحالة استفراد كل طائفة بحكم نفسها أو بحكم سواها”. وإنني إذ أستشهد بهذا القول، فلأنني بدأت ألمس دعوات متزايدة للتنصُّل من الصيغة اللبنانية، ونكوصًا مغشوشًا للعودة إلى “مجتمعات نظيفة” خالية من “الذين لا يشبهوننا”.

السؤال المطروح: هل الدولة اللبنانية، على ضيق رقعتها الجغرافية، قابلة لمزيد من التضييق؟ ألم تثبت مفاصلها أنها عصيّة على التكلُّس والعجز رُغم كثرة الحواجز التي كانت لها أسماء دموية فأصبحت في مزبلة النسيان؟ لقد عادت حركة الحياة في خلال ساعات إلى رونقها مخلفة وراءها سنين من التوحُّش والخطف والقتل على الهوية، ولا ننسَ أنَّ بيروت استعادت وحدتها في لحظة إقالة حاجز السوديكو من وظيفته اللعينة، وهذا يدلُّ قطعًا على أنَّ الحاجز عَرَضٌ والانفتاح أصل وطبيعة وفطرة.

من متابعتي للحروب الكلامية الداخلية التي تحرفنا عن مخاطر العدوان الإسرائيلي وشَرَهِهِ، أرى أن كثيرًا من خصوم أحزاب الله يسعون لأحزاب متماثلة بالاسم ومتعارضة بالاتجاه. أذكر أنَّ شعارَ “مجتمع الأمن المسيحي فوق كل اعتبار” نزل عن يافطاته طوعًا في لحظة تاريخية في ساحة الشهداء حيث رددت فيه الحشود الهائلة القسم الذي قرأه جبران تويني فيما مئات الآلاف يصلّون لروح رفيق الحريري بإشارة الصليب وتلاوة الفاتحة وقرع الأجراس وابتهال المآذن. بل إنَّ الزعماء الذين لم يكن يجمعهم جامع اندمجوا في مقولة وطنية متناسقة، تجلّت بخطب سمير جعجع ووليد جنبلاط وسعد الحريري وسواهم من الشخصيات، وتطوّرت إلى تأمين أكثرية سياسية نيابية اختلط فيها حابل بنابل، فأصبح ابن الشوف الياس عطاالله نائبًا عن طرابلس، وحققت ستريدا جعجع أعلى الأصوات في عكار. ولم تكن معاكسة الظروف الداخلية والإقليمية لمسار تلك الظاهرة مدعاة ارتداد إلى تجارب أثبتت عقمها وعدميتها ووحشيتها، ذلك أنَّ “الأوطان ليست مثل الثوب تخلعه عندما تشاء” كما قال الدكتور داوود الصايغ، كما إنَّ الثوب لا يمكن توزيعه بين ياقة وكُمٍّ وصدر وظهر، وجيب وبنطال، بمعنى أنَّ هناك مَن يدعو إلى كيان له استقلال “واسع” من غير أن يجد حلًّا مثلًا لمسيحيي طرابلس وعكار والمنية والضنية،  ولا للتداخل المركب في قرى الشوف وعاليه والمتن والبقاع والجنوب الذي صمد بعضُ أهله في قراه، مُتمسِّكًا بصليبه وبأرزته وعلمه على السواء.

وبالمقابل فإنَّ “حزب الله” يتوعّدُ من لم يُجارِِه في حروبه بأنه سيرتدُّ عليهم بتجريدة لها سوابقها لإخضاع كل مَن وجَّهَ له نقدًا أو خالفه في الرأي أو عارضه في خياراته. عند هذه النقطة تستفحل المشكلة بمكوّناتها المعقدة، بانتساب كل فريق إلى ربٍّ خصوصي بحثًا عن نصرٍ إلهي دائم، أو يسعى إلى استبطان التاريخ ومغاوره، حتى النبشِ في القبور، تأييدًا لفكرة أنَّ هذه أرضُ المسيح وبحماية حزب المسيح. فيما يقول المتروبوليت جورج خضر:

“أنا رئيس الكنيسة الأرثوذكسية بهذه المنطقة… أقول لكم: أنتم المسيحيين برهِنوا أنكم واحدٌ مع الإسلام والدروز. هذا يتطلب أن تعيشوه، لا مجرَّدَ خطابٍ ديني، بل يوميًّا في الحياة الاجتماعية وفي علاقات العائلات، وفي الصداقةِ وفي المحبات. إن لم تفعلوا هكذا لا أعترفُ بكم”.

لفتني مقال للدكتور هشام ابو ناصيف رأى فيه أنَّ “اللبنانوية” عارضٌ موسمي، ودليله أن الرئيس بشير الجميل حين رفع شعار لبنان 10452 كلم2، كان يضمر في الحقيقة هدف الدولة المسيحية؛ – أظن أنه ذهب إلى تَوَسُّعٍ بلا مُسَوِّغ لاستنطاق الراحلين.

لم يعد يحتمل لبنان، بعد كل ما جرى فيه وما تعرّض له من نكبات واحتلال، مزيدًا من الصراع المتداخل بين السياسة والعقيدة والمصالح الأجنبية، ومزيدًا من ابتكار الصفات والأسماء من خلال الرجوع الانتقائي إلى الكتب المقدسة واغتياب أسباب التنزيل، فيا ليتهم أحسنوا قراءة الآية الكريمة “كل حزب بما لديهم فرحون” التي وردت في باب التنديد بالذين فرقوا دينهم وفارقوه وأحدثوا البدع، وحسبوا الصواب معهم فيما الناس يكابدون الظلم المستدام.

في الختام، أقول من باب الإنصاف لقد استطاع رفيق الحريري في حياته أن يقود جمهوره بسلاسة إلى “لبنان أولًا”، وتمكن من قبره إنجاز لحمة وطنية حلم بها طوال مسيرته التي يجب أن تستكمل الآن تحت راية “حزب الوطن”.

  • رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى