خطر احتلال الجنوب وخطيئة “حزب الله”
ابراهيم حيدر*
لا يبدو أنَّ هناك إدراكًا كافيًا لحجم المخاطر التي تُحدِق بلبنان جرّاء الحرب الإسرائيلية. الخطر لا يقتصر هذه المرة على التدمير والتهجير، بل قد يأخذ البلد إلى الانهيار والانحلال والفوضى، إذا انسدت نهائيًا مسارات التسوية أو التوصُّل إلى تفاهمات لا يزال الوصول إليها صعبًا في ظل الشروط الأميركية لوقف الحرب والاندفاعة الإسرائيلية للقضاء على “حزب الله”.
كل المؤشرات تدل على أنَّ الحرب مستمرة، في ضوء ما تعلنه إسرائيل أنها لن تتوقف قبل أن تحقّق أهدافها ضد “حزب الله” الذي أطلق الصواريخ إسنادًا لإيران ويستأنف القتال قي جنوب الليطاني في معركة لا يكترث فيها للمصلحة الوطنية اللبنانية وجدوى جرّ لبنان إلى كرة النار الإيرانية. إذ تضغط إسرائيل بالنار والتدمير والتهجير لفرض وقائع جديدة في ظلِّ موازين قوى مختلّة لمصلحتها وتفوُّقًا أمنيًا وعسكريًا، فيما الولايات المتحدة ليست في وارد كفّ يد تل أبيب لا بل تضع شروطًا قاسية على الدولة لوقف الحرب لا تقف عند التفاوض السياسي المباشر مع إسرائيل، إنما تطلب اتخاذ اجراءات تصل إلى الحظر الكامل للحزب ونزع سلاحه والدخول إلى مواقعه وإنهاء بنيته العسكرية والتنظيمية.
استغلت إسرائيل انزلاق الحزب إلى إشعال الجبهة عبر قراره إسناد إيران، وتعمل لإنشاء منطقة أمنية عازلة لفرضها جُزءًا من أيِّ اتفاق أمني وسياسي مع لبنان، وهي تهجّر البيئة الشيعية من قرى الحدود وصولًا إلى تخوم صيدا. إذ أن “حزب الله” شنّ حربًا سماها استباقية قبل الحرب الاستباقية الإسرائيلية التي يقول أنَّ تل أبيب كانت تحضّر لها، وهي ستحدث عاجلًا أم آجلًا. بيد أنَّ الفارق كبير بين أن تقرر استدراج الاحتلال للحرب وبين أن تُقدّم مصلحة البلد في ظل المعركة الإقليمية في المنطقة. فأن تذهب إلى الحرب غير أن تأتي إليك لأنك بذلك قدمت الذرائع للآلة الإسرائيلية ووضعت الدولة في مأزق لا بل لبنان كله يغالب النتائج الكارثية للحرب التي لا يمكن أن يخرج منها البلد إلّا مُتشظّيًا وربما منهارًا.
يتضح أيضًا أنَّ الحزب تحايل على الدولة وقراراتها منذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية، إذ أنه لم يخرج من جنوب الليطاني وهو كان يعيد بناء قوته بالشعارات نفسها التي كانت سائدة قبل حرب الـ66 يومًا، فلم يسهّل للدولة بسط سيطرتها، وإن كان الاحتلال يشكل العقبة الكبرى، لكن أن تقيّد حركة الجيش وتمنعه من الدخول إلى المواقع، فإنَّ نتائج ذلك إضعاف للمؤسسة العسكرية التي تعرضت لاحقًا لحملات، من دون أن تتمكن من تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح في شمال الليطاني.
لا يبدو حتى الآن أنه يمكن وقف الحرب قبل أن تتضح صورتها في المنطقة. فلبنان جُرّ إلى الحرب وأدخله الحزب قسرًا في كرة النار الإقليمية التي باتت ورطتها تهدد كل بنيته، ولن يكون مُمكنًا حماية لبنان وسحبه من دائرة النار ما لم تتخذ الدولة إجراءات فعلية لاستعادة الثقة بعد سنة ونصف تقريبًا لم يتمكن فيها لبنان من حصر السلاح بيد الدولة.
دخل لبنان في دائرة خطر وجودي خصوصًا أمام التهجير والتدمير والضغوط وحتى الفوضى الأهلية. فالخروج من المأزق يبدو صعبًا جدًا، لكن لا بد أن تتقدم الدولة لتحمّل مسؤولياتها ومعالجة كل الثغرات والأخطاء التي أضعفت هيبتها، والعمل على الإنقاذ، ليس ببت مصير سلاح “حزب الله” فحسب، انما ببسط سيطرتها وإنهاء الهيمنة على قرارها، قبل أن تذهب البلاد إلى المجهول.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
- يصدُرٌ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



