محوَر مُقاوَمة أم انتِحار؟

بينما تخوضُ إيران معركتها دفاعًا عن مصالحها الإقليمية وبقاء نظامها، تتكشّفُ كلفة هذا الخيار على حلفائها، وفي مقدمهم “حزب الله”. فبين حسابات الردع الكبرى وموازين القوى المتحركة، يبرزُ سؤالٌ حاسم: هل يتحوّلُ الحزب من ورقة قوة في الاستراتيجية الإيرانية إلى ضحية أولى في صراعٍ يتجاوز حدوده؟

الشيخ نعيم قاسم: هل قرر انتحار حزبه لمصلحة إيران؟

مايكل يونغ*

أدخل قرار الولايات المتحدة وإسرائيل بشنِّ هجومٍ على إيران في 28 شباط (فبراير) الشرق الأوسط مرحلةَ صراعٍ مفتوح تتجاوز تداعياته حدود المواجهة العسكرية المباشرة، في ظل ضبابية كثيفة تُحيطُ بمآلاته السياسية والأمنية. ومع دخول الحرب يومها الرابع، برز إدراكٌ واضح لدى طهران بأنَّ ما تواجهه ليس مجرد عملية ردع تقليدية، بل تهديدًا وجوديًا يستهدف بُنيتها الاستراتيجية ونظامها السياسي، وهو ما انعكس في طبيعة ردودها العسكرية ومواقف حلفائها ووكلائها الإقليميين.

من المنظور الإيراني، تتحرّك العمليات الأميركية والإسرائيلية على مسارَين متوازيين. الأول يتمثّل في فرض معادلةٍ قسرية تدفع طهران إلى التخلّي عن برنامجها النووي، وتقليص قدراتها الصاروخية الباليستية بصورةٍ جذرية، وإنهاء شبكتها الإقليمية من الأذرع والحلفاء غير الحكوميين؛ وهي شروطٌ ترى فيها إيران صيغةً لاستسلامٍ غير مشروط أما الهدف الثاني، والذي يسير بالتوازي مع الهدف الأول، فهو تقويض أسس النظام الإيراني، والذي صُمم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لتسريعه، على أمل أن يشجع ذلك الإيرانيين أنفسهم على الإطاحة بقادتهم.

في المقابل، تشير الضربات الإيرانية الممنهجة التي طالت دولًا عربية –والتي تصفها طهران بأنها استهداف لقواعد عسكرية أميركية على أراضيها– إضافةً إلى إغلاق مضيق هرمز ووقف صادرات النفط من الخليج، إلى محاولة واضحة لإفشال المسار الأول من الضغوط. فمن خلال توسيع نطاق التهديد ليشمل أمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة، تسعى إيران إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، وخلق أوراق ضغط تفاوضية تسبق أي مسار سياسي محتمل. وتراهن طهران على أنَّ هذا التصعيد قد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى مراجعة سقف مطالبهما، بما يتيح للنظام الإيراني إعادة ترتيب أوراقه وتعزيز موقعه في مرحلة ما بعد الصراع.

طهران بين الردع وتغيير النظام

يبقى رهان إحداث تغيير في النظام الإيراني هدفًا بالغ التعقيد، تحيط به شكوك جدية في كل من واشنطن وتل أبيب بشأن قابليته للتحقق في الظرف الراهن. بل إنَّ ثمة مَن يرى أنَّ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي قد يؤدي، على نحوٍ مفارق، إلى تعزيز تماسُك النظام بدل إضعافه. فانتقال السلطة في حال وفاة خامنئي لأسباب طبيعية كان سيضع الجمهورية الإسلامية أمام اختبارٍ داخلي صعب، في ظل تآكل واضح في شرعيتها الشعبية، واحتمال بروز انقسامات حادة داخل النخبة الحاكمة. أما في سياق حربٍ مفتوحة، حيث تتراجع قدرة الشارع على التعبئة والاحتجاج، فقد يصبح ترتيب انتقال السلطة تحت مظلة الطوارئ الأمنية أكثر قابلية للضبط، بما يتيح للمؤسسة الأمنية الواسعة النفوذ تثبيت معادلة حكم جديدة بأقل قدر من الاضطراب الداخلي.

أما بالنسبة إلى شبكة الوكلاء الإقليميين التي بنتها إيران على مدى سنوات، فتبدو قدرتها على إحداث تحوُّل استراتيجي في مسار المواجهة محدودة. فقد خرجت حركة “حماس” مُثقلة بخسائر فادحة بعد عامين من الحرب في غزة، فيما تبدو الميليشيات الموالية لطهران في العراق عاجزة، في أفضل الأحوال، عن إلحاق ضرر ذي وزن بالقواعد العسكرية الأميركية. وفي اليمن، يظل “أنصار الله” (الحوثيون) بعيدين جغرافيًا عن مسرح المواجهة المباشرة، بحيث يقتصر دورهم على زيادة الضغط السياسي والعسكري غير المباشر. ويبقى “حزب الله” في موقع أكثر التباسًا، بين اعتبارات الردع ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة واسعة. ويشير كثيرون إلى أنَّ استراتيجية “وحدة الساحات” التي روّجت لها طهران عام 2023، والقائمة على تدخُّل حلفائها غير الحكوميين جماعيًا في حال تعرّضَ أيٌّ منهم لهجوم إسرائيلي، دفعت هؤلاء إلى مواجهة كلفة باهظة. ويُعتقد أنَّ يحيى السنوار أطلق هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 على إسرائيل على هذا الأساس، مُراهنًا على تدخُّل ما يُعرف بـ”محور المقاومة” بصورةٍ حاسمة، غير أنَّ النتائج أفضت إلى إضعاف كبير، لا سيما بالنسبة إلى “حزب الله” الذي تكبد خسائر لم يتعافَ منها بالكامل.

في هذا السياق، بدا لافتًا إطلاق “حزب الله” عددًا محدودًا من الصواريخ على شمال إسرائيل في الساعات الأولى من الثاني من آذار (مارس)، أعقبها برشقة إضافية في اليوم التالي. وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا عبر غارات استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب بلدات في الجنوب ووادي البقاع، ترافق ذلك مع أوامر بإخلاء عشرات القرى، ما أفضى إلى موجة نزوح جديدة وأزمة إنسانية متصاعدة. ووفق وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات الأولى عن سقوط 31 قتيلًا و149 جريحًا في حصيلة أولية، في مؤشر إلى هشاشة الوضع اللبناني واحتمال توسعه إذا استمر منسوب التصعيد على حاله.

بعبارةٍ أخرى، يجد مئات الآلاف من الشيعة أنفسهم مُجدَّدًا في مواجهة النزوح، نتيجة قرار “حزب الله” تنفيذ هجوم محدود على إسرائيل، خطوة يصعب تلمّس جدواها الاستراتيجية في ميزان المكاسب والخسائر. وقد فتح ذلك الباب أمام تكهنات بوجود تباينات داخل الحزب، أو حتى احتمال تصرُّف عناصر من جناحه العسكري خارج مظلة القرار السياسي المركزي. غير أنَّ هذا السيناريو يبقى ضعيف الترجيح في ضوء البنية التنظيمية الصارمة للحزب. في المقابل، تتصاعد تساؤلات حول مصير ترسانته من الصواريخ الدقيقة. فخلال حرب 2023-2024 لم يُقدم الحزب على استخدام هذا النوع من السلاح، ما عزّزَ الاعتقاد بأنَّ طهران كانت تحتفظ به كورقة ردع استراتيجية لحماية برنامجها النووي وبُنية نظامها. وإذا كانت القيود الإيرانية قد رُفِعَت اليوم، فلماذا يقتصر التصعيد على صواريخ قصيرة المدى ذات أثر محدود؟ وهل لا تزال القدرات النوعية للحزب على حالها؟

يمكن تفسير السلوك الإيراني في هذا السياق باعتباره مُوَجَّهًا أساسًا لتحسين شروط التفاوض، بحيث تأتي اعتبارات “حزب الله” في مرتبةٍ لاحقة ضمن سلّم الأولويات. غير أنَّ هذا النهج، إن صحَّ، يتجاهل تعقيدات داخلية لبنانية بالغة الحساسية. أولها أنَّ صدقية الحكومة اللبنانية باتت مرتبطة بصورةٍ متزايدة بمسألة حصر السلاح بيد الدولة، ما يجعل استمرار الغموض القائم حول سلاح الحزب أمرًا يصعب تحمّله سياسيًا. وقد تجلّى ذلك في قرار الحكومة اللبنانية في الثاني من آذار (مارس) حظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله”، في خطوةٍ تصعيدية غير مسبوقة، قيل إنها حظيت بدعم رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أبدى امتعاضًا من تطميناتٍ سابقة تلقّاها بشأن عدم الانخراط في الحرب.

البُعدُ الثاني يتّصل بالمعادلة الطائفية اللبنانية. فالبيئة الشيعية الحاضنة للحزب تبدو اليوم أكثر عزلة من أيِّ وقتٍ مضى، في ظلِّ معارضة غالبية القوى الحكومية ورئيس الجمهورية، وربما حتى بري نفسه، الذي يُدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على طائفته إذا تعرّضَ الحزب لهزيمة عسكرية جديدة. ومع وجود طائفتين أساسيتين غير متعاطفتين مع الموقف الشيعي، إحداهما سنّية فاعلة ومدعومة من نظام في دمشق يحمل موقفًا عدائيًا واضحًا من “حزب الله”، فإنَّ أيَّ انتكاسة إضافية قد تُترجَم إلى إضعافٍ سياسي طويل الأمد للشيعة في لبنان.

ورُغمَ أنَّ المجتمع الشيعي حافظ على قدرٍ من التماسك، فإنَّ العلاقة بين بري و”حزب الله” شهدت توتّرًا ملحوظًا في الأشهر الماضية. فقد أثارت رسالة مفتوحة نشرها الحزب في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أكد فيها رفضه نزع السلاح والانخراط في “مفاوضات سياسية” مع إسرائيل، استياء بري، الذي اعتبر نفسه معنيًا بصورة غير مباشرة بمضامينها. وتكرّرت مؤشرات التباين بين الطرفين في كانون الثاني (يناير) الفائت، بما يعكس اختلافًا في ترتيب الأولويات: إذ يُركّز بري على أولوية إعادة إعمار الجنوب، وهو مسارٌ يتطلّب تهدئة طويلة الأمد وحصر السلاح بيد الدولة، بينما يتمسّك الحزب بمعادلة الاحتفاظ بسلاحه ورفض منح الدولة اللبنانية احتكار القوة المسلحة.

لبنان في عين العاصفة

إلى أين يمكن أن تتجه الأمور في ضوء هذه المعطيات؟ يبدو “حزب الله” اليوم في وضع حصار استراتيجي ينسجم مع الأهداف الإسرائيلية المعلنة. وحتى إذا افترضنا أنَّ طهران قد تنجح في الخروج من المواجهة الإقليمية بمكاسب نسبية، فإنَّ ذلك لا يُبدّد حقيقة أنَّ إسرائيل تحتفظ بهامشٍ واسع لتوجيه ضربة قاصمة للحزب، استكمالًا لما بدأته عام 2024. فمع انقطاع العمق الجغرافي بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتفاقم العزلة السياسية داخليًا، تتقلص قدرة الحزب على خوض مواجهة طويلة النفس أو تغيير قواعد الاشتباك بصورةٍ جوهرية.

غير أنَّ السيناريو الأكثر حساسية لا يكمن فقط في احتمالات الهزيمة العسكرية، بل في ما قد يليها سياسيًا. إذ إنَّ إضعافَ “حزب الله” إلى حد كبير قد يفتح المجال أمام إسرائيل لفرض ترتيبات وقف إطلاق نار بشروط تُمهّدُ لتسوية أوسع، قد تفضي عمليًا إلى إدخال لبنان في دائرة نفوذها المباشر أو غير المباشر. وفي بيئةٍ إقليمية تتسم بتنافسٍ حاد بين قوى رئيسة لن تقبل بسهولة بهذا التحوُّل، فإنَّ مخاطر الانقسام الداخلي اللبناني مُرَشَّحة للتفاقم، بما يُعيدُ إنتاج خطوط التماس السياسية والطائفية بصورة أكثر حدة.

يبقى المُتغَيّر الحاسم في الأسابيع المقبلة مرتبطًا بقدرة أطراف الصراع على الاستمرار في القتال وسط مؤشرات استنزاف متزايدة للذخائر والقدرات. فقد حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، الرئيس دونالد ترامب من تداعيات هذا الاستنزاف، في وقتٍ طلبت وزارة الدفاع الأميركية تمويلًا إضافيًا بقيمة 30 مليار دولار لإعادة بناء مخزونها من الصواريخ وأنظمة الاعتراض، وهو طلب لم يُلبَّ بالكامل في الموازنة التي أُقرت مؤخرًا، بحسب تقارير صحافية أميركية. وفي المقابل، تواجه إيران تحديات مماثلة، بعد إعلان إسرائيل تدمير نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية. وبين طرفين يراهن كلٌّ منهما على إنهاكِ الآخر، لا تلوح في الأفق تسوية واضحة، فيما يبقى السؤال الأهم: أيهما سيصطدم أولًا بحدود قدرته الفعلية على مواصلة الحرب؟

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى