حِيادٌ تحتَ النار: كيفَ خَسِرَت طهران الخليج في لحظةِ المُواجَهة؟

بتوسيعها دائرة الحرب إلى جوارها الخليجي، نقلت إيران المواجهة من صراعٍ مع واشنطن وتل أبيب إلى اختبارٍ مباشر لعلاقاتها الإقليمية، في خطوةٍ قد تُعيدُ رسمَ خريطة الاصطفافات في الشرق الأوسط.

زعماء دول مجلس التعاون الخليجي: من الحياد إلى الاصطفاف مع أميركا؟

خالد الجابر*

ارتكبت القيادة الإيرانية، في خضمِّ التصعيد الأخير، خطأين استراتيجيين ثقيلََي الكلفة. أوّلهما تمثّلَ في تفويت فرصة التوصُّل إلى تفاهُم مع واشنطن حين كانت نافذة التفاوض لا تزال مُتاحة، وهو مسارٌ كان يمكن أن يخفّف منسوب التوتّر ويَحُولُ دون انزلاق المنطقة إلى مواجهةٍ مفتوحة. أما الخطأ الثاني، فجاء عبر توسيع دائرة الاشتباك لتشمل دول الخليج، في وقتٍ كانت هذه الدول تسعى إلى لعب دور الوسيط وتقديم مبادرات لاحتواء الأزمة وخفض التصعيد.

قبيل اندلاع الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، كثّفت العواصم الخليجية تحرّكاتها الديبلوماسية إدراكًا منها أنَّ أيَّ صدامٍ عسكري لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل سيتجاوزها سريعًا إلى الإقليم بأسره، بما يحمله ذلك من ارتداداتٍ سياسية وأمنية واقتصادية عميقة. غير أنَّ هذه التحذيرات تحوّلت إلى واقعٍ ملموس في 28 شباط (فبراير)، حين أعقبت الضربات الأولى على طهران موجةُ هجماتٍ إيرانية طالت منشآت عسكرية ومدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، وامتدّت إلى العراق والأردن، قبل أن تتوسّعَ تدريجًا لتشمل بُنى تحتية مدنية حسّاسة.

المفارقة أنَّ هذه الضربات جاءت رُغم تأكيد عدد من دول الخليج، التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية منذ سنوات، أنها لن تسمحَ باستخدام أراضيها أو أجوائها منصّة لأيِّ عملياتٍ هجومية ضد إيران، تمسُّكًا بسياسة الحياد وتجنُّبًا لمنح طهران ذريعة للتصعيد. ومع ذلك، وُجِّهَت الأسلحة الإيرانية نحو الجوار منذ اللحظة الأولى، مُستندةً إلى اعتبارات الجغرافيا والقرب الاستراتيجي ومكانة هذه الدول في الاقتصاد العالمي، في محاولةٍ للضغط على واشنطن عبر توسيع كلفة المواجهة.

غيرَ أنَّ توسيعَ إيران دائرة الاستهداف نحو دول الخليج يعكس، في جانب منه، حالةً من الارتباك أو اليأس الاستراتيجي. فهذه الخطوة تنطوي على مخاطرة معاكسة للهدف المُعلَن منها. إذ بدل أن تدفع العواصم الخليجية إلى ممارسة ضغط على واشنطن لوقف عملياتها العسكرية، قد تؤدّي الضربات إلى نتيجةٍ عكسية، تتمثّل في تقليص هامش الحياد ودفع هذه الدول إلى مزيدٍ من الاصطفاف في مواجهة طهران.

وقد بدأت ملامح هذا التحوُّل بالظهور، مع صدور مواقف أكثر حدة ولوّحَ بعضُ الدول الخليجية بإمكانية الرد العسكري إذا استمرت الهجمات الإيرانية. وفي حال استمرّت هذه الدينامية، فإنَّ كلفة الحرب على إيران لن تكون عسكرية فحسب، بل سياسية أيضًا، إذ قد تجد نفسها –حتى لو تجاوزت المواجهة عسكريًا– أمام عزلةٍ أعمق وشبكة علاقات إقليمية أضعف.

من هنا يبرزُ سؤالٌ جوهري يُقلقُ المنطقة بأسرها: إذا لم يَعُد الحياد كافيًا لتجنيب دول الخليج تبعات الصراع، فما الذي سيدفعها إلى مواصلة لعب دور الوسيط أو الاستثمار في مسارات خفض التصعيد مستقبلًا؟ وأيُّ حوافز ستبقى لديها للحفاظ على توازُن ديبلوماسي دقيق في أزماتٍ مقبلة، إذا كان ذلك لا يوفر لها حماية فعلية من نيران المواجهة؟

التداعيات المترتبة على السيادة والاقتصاد والبنية التحتية المدنية

تجاوزت الحملة الانتقامية الإيرانية، ردًّا على الضربات الأميركية–الإسرائيلية الأولى، سقف التوقّعات التي رجّحت حصر الرد باستهداف الأصول العسكرية الأميركية. فقد اتسعت دائرة النيران لتطال البنى التحتية المدنية في أنحاء مختلفة من الخليج، مع إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار واسعة. وشملت الضربات مطارات دولية ومنشآت فندقية ومبانٍ سكنية، فيما تعرّضت عواصم خليجية عدة لسلسلة هجمات متكررة، رُغمَ نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض نسبة كبيرة منها. ومع ذلك، فإنَّ صورة الخليج كمساحة استقرار نسبي في إقليمٍ مضطرب تلقّت ضربةً معنوية عميقة.

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد. فقد أعلنت قوات الحرس الثوري استهداف ناقلات نفط في مياه الخليج، ولوّحت بإغلاق مضيق هرمز، ما انعكس فورًا على تدفّقات الطاقة والأسواق الدولية. كما أدى إغلاق المجال الجوي في عدد من الدول إلى تعطيل حركة الطيران في مراكز إقليمية كبرى، في مؤشِّرٍ إلى أنَّ كلفة التصعيد لم تَعُد أمنية فقط، بل اقتصادية عالمية الطابع.

هذه التطوّرات تُمثّلُ تحدّيًا مباشرًا لسيادة دول الخليج واستقرارها الداخلي، وتضرب في عمق أولوياتها المُرتبطة بأمن المدنيين وثقة المستثمرين ومسارات التنويع الاقتصادي. ومن خلال تحويل الموقع الجيوسياسي الحسّاس للخليج إلى ساحة ضغط عسكري، تبدو إيران وكأنها تستخدم المصالح الاقتصادية المشتركة أداةً في معركتها للبقاء. غير أنَّ هذا النهج، في المقابل، يُهدّدُ بتآكل ما تبقّى من رصيد الثقة بينها وبين جيران قد تجد نفسها مُضطَرّة للتعامل معهم عندما تنقشع سحابة الحرب.

أهدافٌ استراتيجية أم خداعٌ تكتيكي؟

من المرجح أنَّ قرارَ طهران تَجاوُز وانتهاك سياسة الحياد الخليجية جاءَ في سياق شعورٍ مُتنامٍ بالحصار واليأس السياسي، تفاقم بصورةٍ دراماتيكية عقب الضربة التي أُعلِنَ فيها مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين. في ظلِّ هذا التحوُّل الصادم، قد يكون صانعو القرار في إيران قد خلصوا إلى أنَّ توسيع ساحة المواجهة هو السبيل الوحيد لخلط الأوراق وفرض معادلة ضغط جديدة، تدفع العواصم الخليجية إلى لعبِ دورٍ مباشر في كبح واشنطن والضغط عليها لوقف عملياتها العسكرية.

غير أنَّ هذا الرهان ينطوي على مخاطرة سياسية عالية الكلفة، لا سيما على إيران نفسها. فبدل إنتاج أوراق قوّة إضافية، قد يؤدي استهداف الخليج إلى نتيجةٍ مُعاكسة تمامًا، تتمثّل في تسريع اصطفاف هذه الدول إلى جانب الولايات المتحدة، بوصف ما يجري اعتداءً مباشرًا على سيادتها وأمنها. وفي هذه الحال، تكون طهران قد أضعفت بنفسها جهود الوساطة الخليجية التي سعت، حتى اللحظة الأخيرة، إلى منع الانزلاق نحو مواجهةٍ أوسع.

المواقف الخليجية الأخيرة تَعكِسُ هذا التحوُّل. فقد وُصِفَت الهجمات الإيرانية بأنها اعتداءٌ سافر يُهدّدُ أمن المنطقة، ولوّحَ بعضُ الدول بردٍّ عسكري حاسم في حال استمرارها. وشهدت المرحلة الأخيرة تصاعُدًا في مستوى التنسيق السياسي والأمني مع واشنطن، تجلّى في اتصالاتٍ رفيعة المستوى ومشاوراتٍ عاجلة. كما صدرت بياناتٌ خليجية مُنَسّقة تدين الضربات، وتؤكّدُ حق الدول في الدفاع عن أراضيها ومصالحها.

وفي مؤشِّرٍ إلى خطورة المرحلة، أشارت تقارير صحافية إلى أنَّ من بين السيناريوهات المطروحة استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي الإيرانية. وهو احتمالٌ، إن تحقّق، سيعني انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر مباشرة واتساعًا، ويكرّس انهيار المسافة الفاصلة بين سياسة الحياد والانخراط الفعلي في الحرب.

في ضوء التجارب السابقة، تميل الأزمات الإقليمية الكبرى إلى تعزيز التنسيق الأمني بين دول مجلس التعاون أكثر مما تؤدّي إلى تباعدها. فقد سبق لهذه الدول أن وحّدت جهودها في ملفات الأمن البحري والدفاع الجوي والاستجابة للطوارئ، إدراكًا منها أنَّ التهديدات العابرة للحدود لا يمكن التعامل معها بقراراتٍ وطنية منفردة. ومع استمرار الهجمات الإيرانية، يُرجَّحُ أن تتعزّزَ هذه النزعة نحو التضامن الإقليمي، بدل أن تنكفئ كل دولة إلى حساباتها الخاصة. والمفارقة أنَّ هذا الاحتمال هو تحديدًا ما سعت طهران تاريخيًا إلى تفاديه.

موقف دول التعاون: سياسة الحياد تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، ومع تصاعد التوتر بين إيران والغرب، تبنّت دول مجلس التعاون الخليجي سياسةً دقيقة تقوم على التوازن والحياد والوساطة. ورُغمَ شراكاتها الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، حرصت على تجنُّب الانخراط في أيِّ مواجهة مباشرة، انطلاقًا من قناعة بأنَّ حربًا إقليمية شاملة ستكون مُكلفة سياسيًا واقتصاديًا على الجميع.

وفي هذا الإطار، بنت كل من سلطنة عُمان وقطر رصيدًا ديبلوماسيًا مُعتَبَرًا عبر استضافة جولات حوار بين واشنطن وطهران، وفتح قنوات تواصل غير مُعلَنة، والعمل على احتواء الأزمات قبل تحوُّلها إلى مواجهات مفتوحة. غير أنَّ فعالية الوساطة تقوم، في جوهرها، على الثقة المتبادلة واحترام حياد الوسيط. وعندما تمتد النيران إلى أراضي الأطراف التي تضطلع بهذا الدور، فإنَّ الأساسَ الذي تستند إليه الوساطة يتآكل.

بتوسيعها دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج، تكون طهران قد أضعفت إحدى القنوات القليلة التي لطالما شكّلت مُتَنَّفسًا ديبلوماسيًا لها في أوقات الأزمات. ومع تصاعد الكلفة الأمنية والاقتصادية على هذه الدول، سيغدو استمرار دور الوسيط أكثر حساسية داخليًا، وأقل قابلية للتسويق سياسيًا. كما قد تتراجع وتيرة الوساطة تحت ضغط الرأي العام واعتبارات الأمن الوطني، في لحظةٍ تتقدم فيها الضرورات الدفاعية على الحسابات الديبلوماسية.

بهذا المعنى، تخاطر إيران بخسارة إحدى أهم أدواتها غير العسكرية: قنوات الحوار غير المباشر التي وفّرت لها، مرارًا، مسارات خروج من أزمات بدت في لحظاتها الأولى بلا أفق سياسي واضح.

المستقبل و”الخروج من الأزمة” في خطر

حتى في حال تمكّنت الجمهورية الإسلامية من عبور الحرب الراهنة من دون انهيارٍ كامل، فإنَّ موقعها الإقليمي لن يكونَ كما كان. فخسارة جُزء من قيادتها العليا، وتعرُّض بنيتها العسكرية والتحتية لأضرار واسعة، وتآكل شبكة علاقاتها تحت ضغط المواجهة، كلها عوامل ستترك أثرًا عميقًا في وزنها الاستراتيجي. وفي هذا السياق، لا تملك طهران ترف خسارة ما تبقّى من جسور التواصل مع جيرانها في الخليج، ولا سيما الدول التي أبقت قنوات الاتصال مفتوحة، وتجنبت الانخراط في اصطفافاتٍ حادة، واستثمرت رأسمالًا سياسيًا في مسارات خفض التصعيد.

غير أنَّ توجيه النيران نحو هذه الدول، واستهداف منشآتها المدنية وشرايينها الاقتصادية، يُهدّدُ بتبديد ما تبقّى من رصيد الثقة الذي أتاح سابقًا إدارة الأزمات بهدوءٍ نسبي. ومع كلِّ ضربةٍ تتراجع فرص احتواء التوتر، وتتآكل المساحة الرمادية التي سمحت بالحوار غير المباشر والتفاهمات المرحلية.

لقد وضعت هذه التطوّرات الأسس التي قامت عليها العلاقات الديبلوماسية في الشرق الأوسط أمام اختبارٍ قاسٍ. فإذا كانت الدول التي أعلنت حيادها ورفضها المشاركة في المواجهة تُعامَلُ كأهدافٍ مشروعة، فإنَّ منطق التوازن ذاته يصبح موضع شك. ومع انحسار المسار السياسي، يتقدم شبح المواجهة الأوسع، بكل ما يحمله من تداعيات عميقة على استقرار المنطقة وأمنها، وعلى مستقبلها في المدى المنظور.

  • خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى