موسكو تَبيع… لكن طهران تُقاتِلُ وَحدَها

رُغمَ تدفّق السلاح الروسي إلى إيران، تبدو طهران في قلب الحرب الحالية من دون غطاء استراتيجي فعلي، فيما يظلّ الدعم الروسي أقرب إلى صفقة تسليح منه إلى تحالف دفاعي حاسم.

الرئيسان فلاديمير بوتين ومسعود بزشكيان: معاهدتهما للتعاون العسكري لا تتعدى البيع والشراء.

نيكيتا سماغين*

في وقتٍ تتكثّف العمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية الجديدة ضد إيران، تمضي موسكو في اتجاهٍ معاكس، عبر توسيع نطاق دعمها العسكري لطهران رُغمَ انخراطها المُستمر في حربها مع أوكرانيا. فالعلاقة الدفاعية بين البلدين لم تَعُد تقتصر على التنسيق السياسي أو تبادُل الخبرات، بل باتت تشمل إمدادات نوعية من العتاد العسكري، من طائرات التدريب والمروحيات الهجومية إلى المركبات المدرعة والأسلحة الخفيفة.

وفي أحدث حلقات هذا التعاون، كشفت صحيفة فايننشال تايمز عن توقيع صفقة كبرى بقيمة 500 مليون يورو، تزوّد بموجبها روسيا إيران بأنظمة الدفاع الجوي المحمولة “فيربا” (MANPADS). خطوة تعكس تصاعد مستوى التعاون التكنولوجي العسكري بين الطرفين، وتؤشّر إلى رغبةٍ مشتركة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية.

مع ذلك، فإنَّ تضخيم أثر هذه الشحنات على ميزان المواجهة الإقليمي قد يكون في غير محله. فأنظمة “فيربا” تُعدّ أسلحة دفاع جوي قصيرة المدى، مخصصة أساسًا لاستهداف الطائرات والمروحيات وصواريخ كروز التي تحلّق على ارتفاعاتٍ منخفضة. وبذلك، فإنَّ فعاليتها تبقى محصورة بالأهداف التي تمرُّ مباشرة فوق الأراضي الإيرانية وعلى علوٍّ منخفض، ما يجعل استخدامها في التصدي لضربات جوية أميركية أو إسرائيلية عالية الدقة والارتفاع أمرًا مُستبعدًا إلى حد كبير.

وعليه، فإنَّ الأرجح أن تُوظَّف هذه المنظومات في سياقات داخلية أو أمنية محددة، أكثر من كونها عاملًا حاسمًا في تغيير قواعد الاشتباك مع واشنطن أو تل أبيب، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتعدد ساحات الضغط على طهران.

خلال الضربات السابقة التي استهدفت مواقع إيرانية، ولا سيما في سياق حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) الماضي، لم تُطلق الصواريخ في معظمها من الأجواء الإيرانية، بل من المجال الجوي العراقي المجاور، في خطوةٍ هدفت إلى تقليص احتمالات الرد المباشر من طهران. أما القاذفات الأميركية من طراز “بي-2” التي استهدفت المنشآت النووية آنذاك، فقد حلّقت على ارتفاعات تفوق مدى أنظمة الدفاع الصاروخي الأكثر تطورًا، ما جعل اعتراضها شبه مستحيل. ومن المرجح أن يكون هذا النهج قد تكرر في العمليات العسكرية الآن، لتقليل المخاطر التشغيلية والخسائر المحتملة.

بهذا المعنى، تبدو الأنظمة الروسية الجديدة مصممة لسيناريو مختلف تمامًا عن طبيعة المواجهة الفعلية. فأقصى ما يمكن أن تؤديه هو توفير قدرة محدودة لوكلاء إيران في ساحات إقليمية أخرى، حيث قد يكون الاقتراب من قواعد عسكرية أميركية ممكنًا. ومع ذلك، تبقى الطائرات المسيّرة التي تمتلكها طهران أصلًا أكثر قدرةً على إحداث تهديد عملي ومباشر من هذه المنظومات المحمولة.

ولا يُستبعد أن تكون موسكو قد اختارت تزويد إيران بأنظمة “فيربا” تحديدًا لأنها لا تُعدّ أولوية في الحروب الحديثة، فضلًا عن محدودية دورها في مواجهة الطائرات المسيّرة. وبذلك، فإنَّ تصديرها لا يؤثر فعليًا في احتياجات روسيا العملياتية على الجبهة الأوكرانية، ولا يمسّ بتوازنها العسكري هناك.

مقارنةً بصفقات سابقة بين البلدين، تبدو هذه الصفقة متواضعة نسبيًا. فالعقود التي وُقّعت في العامين 2022 و2023 لشراء مقاتلات “سو-35” الروسية ومروحيات “مي-28” الهجومية كانت أكثر وزنًا، سواء من حيث الكلفة المالية أو من حيث أثرها المحتمل في القدرات العسكرية الإيرانية.

مع ذلك، تبقى دلالة توريد نوع جديد من السلاح إلى إيران أبعد من قيمته العملياتية المباشرة. فالأهمية تكمُنُ في كونه مؤشّرًا إضافيًا على تعمّق التقارب العسكري بين موسكو وطهران، في مرحلةٍ تتقاطع فيها مصالح الطرفين تحت وطأة العقوبات والضغوط الغربية. تسعى إيران إلى تنويع منظومتها الدفاعية، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي، عبر اقتناء أكبر قدر ممكن من الأنظمة التي تعزّز قدرتها الردعية. وروسيا، ضمن حدود قدراتها واعتباراتها، تبدو مستعدة لتلبية هذا التوجه.

بحسب المعطيات المتداولة، يُفترض أن يتم تسليم صواريخ “فيربا” المحمولة بين العامين 2027 و2029. غير أنَّ مؤشرات عدة توحي بأن تدفق الأسلحة الروسية إلى إيران بدأ فعليًا، وأن بعض هذه المعدات دخل الخدمة بالفعل.

ففي العام 2023، تسلّمت طهران أولى طائرات التدريب من طراز “ياك-130″، والتي يستخدمها الطيارون الإيرانيون منذ ذلك الحين. كما رجّحت تقارير لاحقة تسليم دفعات إضافية في العام 2025، بعد رصد رحلات متكررة لطائرة نقل عسكرية من طراز “أنتونوف-124” بين مدينة إيركوتسك الروسية، حيث تُصنّع هذه الطائرات، والعاصمة الإيرانية. وفي خريف العام الماضي، ظهرت تفاصيل جديدة بشأن عقد تزويد إيران بمقاتلات “سو-35″، إذ يُتوقع أن تُسلَّم 48 طائرة خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028.

وفي كانون الثاني (يناير) 2026، برزت معطيات تُفيد بامتلاك إيران ما يصل إلى ست مروحيات هجومية من طراز “مي-28″، مع مؤشرات على بدء استخدامها في الأجواء الإيرانية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، نظرًا إلى الشكوك السابقة حول استعداد موسكو لتصدير هذا النوع من المروحيات، التي لا تزال تُستخدم بكثافة في الحرب ضد أوكرانيا وتشهد طلبًا داخليًا مرتفعًا. ومع ذلك، فإنَّ موافقة الكرملين على تزويد طهران بها تعكس استعدادًا لتلبية بعض مطالبها الاستراتيجية، حتى في ظل احتياجاته العسكرية الخاصة.

اللافت أنَّ جانبًا كبيرًا من المعلومات المتعلقة بهذه الإمدادات لم يصدر عبر إعلانات رسمية، بل كُشِفَ من خلال صور ومقاطع مصوّرة داخل إيران. ففي شباط (فبراير) الماضي، على سبيل المثال، ظهرت بنادق قنص روسية من طراز “أورسيس تي-5000 أم” خلال مناورات للحرس الثوري، من دون أن يُعلَن عن أيِّ عقد توريد أو يُنشر تقرير إعلامي رسمي حول الصفقة. وهو ما يعكس طابعًا تدريجيًا وغير معلن بالكامل لهذا التعاون العسكري المتنامي بين البلدين.

وفي السياق نفسه، بدأت مركبات “سبارتاك” المدرعة الروسية بالظهور في لقطات مصوّرة من داخل إيران أواخر العام 2024، من دون أيِّ إعلان رسمي عن تصديرها أو تسريبات إعلامية تُمهّد لذلك. وبحسب مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تسلّمت طهران عشرات هذه المركبات، واستخدمت بعضها في التعامل مع احتجاجات كانون الثاني (يناير)، ما يعكس توظيفًا داخليًا مباشرًا للتجهيزات الروسية.

هذا النمط من الإمدادات غير المُعلَنة يتقاطع اليوم مع تصاعد المواجهة العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يضفي بُعدًا إضافيًا على حركة النقل الجوي المكثفة بين روسيا وبيلاروسيا وإيران خلال الشهرين الماضيين. فقد سُجِّلت ست رحلات عسكرية على الأقل إلى إيران في شباط (فبراير) وحده، فضلًا عن رحلات أخرى في كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)، في مؤشّرٍ إلى وتيرة تعاون متسارعة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

صحيح أنَّ جُزءًا من هذه الرحلات قد يُفسَّر بتسليم دفعات من مروحيات “مي-28″، إلّا أنَّ ذلك لا يقدّم تفسيرًا كاملًا. إذ تُطرَحُ احتمالات تزويد إيران بقطع غيار لمقاتلات “سو-35″، أو بأنظمة بديلة أو محدثة لمنظومات “أس-300” المضادة للطائرات التي تضرّرت سابقًا، إضافة إلى تجهيزات للحرب الإلكترونية أو معدات دعم لوجستي. غير أنَّ هذه الفرضيات تبقى في إطار الترجيح، إلى أن تؤكّدها معطيات ميدانية أو مشاهدات علنية من تدريبات أو استعراضات أو عمليات عسكرية إيرانية في خضمِّ الحرب الدائرة حاليًا.

مع ذلك، وبرُغمِ مساعي طهران المتسارعة لاقتناء أنظمة تسليح جديدة في ظلِّ الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنَّ الإمدادات الروسية –على أهميتها الرمزية والسياسية– لا تبدو كافية لإحداث تحوّلٍ جوهري في موازين القوى القائمة. فهي لا توفر مظلّة ردع قادرة على تغيير طبيعة الضربات الجوية أو كبحها، ولا تمنح إيران تفوُّقًا نوعيًا في ساحة المواجهة المفتوحة. وفي أفضل الأحوال، قد يُعاد توظيف جُزءٍ من هذه المعدات في ضبط الداخل، واحتواء أي موجات احتجاج أو اضطراب محتملة.

في المقابل، يكشف تصاعد التعاون العسكري–التقني بين موسكو وطهران عن نيّةٍ روسيّة واضحة في الحفاظ على هذا المسار وتعزيزه. فالتدفُّق المستمر –ولو التدريجي– للأسلحة والمعدات يشير إلى أنَّ العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين لم تعد ظرفية أو تكتيكية. ومن غير المرجح أن تتوقف هذه الإمدادات في المدى المنظور، إذا بقي النظام، بل قد تتوسّع إذا ما تبدلت أولويات الكرملين أو توفّرت له هوامش حركة أوسع.

حتى الآن، تظل موسكو مُنهَمكة في حربها مع أوكرانيا، ولا تُبدي استعدادًا للانخراط المباشر في حماية إيران من الضربات الأميركية أو الإسرائيلية. غير أنَّ الحسابات الاستراتيجية ليست ثابتة. وقد يأتي وقتٌ تُعيدُ فيه روسيا تقييم موقع إيران في معادلتها الكبرى مع الغرب. إلى ذلك الحين، يبقى مشهد مركبات “سبارتاك” وهي تفرّق متظاهرين في شوارع المدن الإيرانية شاهدًا حيًا على حضور النفوذ الروسي في الداخل الإيراني، أكثر مما هو في خطوط المواجهة المفتوحة.

  • نيكيتا سماغين هو خبير في السياسات الخارجية والداخلية الإيرانية، والإسلام السياسي، والسياسة الروسية في الشرق الأوسط.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى