الزلزالُ الجيوسياسي: الدولُ الخليجية بين صدمةِ النفط وصدماتِ الاقتصادِ الكُلِّي
البروفِسور بيار الخوري*
مع انطلاق الرصاصة الأولى للحرب على إيران، صباح يوم 28 شباط (فبراير)، انتقلَ الاقتصادُ الخليجي والعالمي من مرحلة “تحليل المخاطر” إلى “إدارة الكارثة”.
إنَّ اندلاعَ هذه المواجهة العسكرية مباشرة بين إيران وأميركا وإسرائيل يعني وضع 20% من إمدادات النفط العالمية، و25% من تجارة الغاز المُسال، تحت تهديد النيران المباشر. تُشيرُ البيانات الفورية إلى أنَّ أسواق الطاقة استجابت بذُعرٍ تقني، حيث قفزت أسعار خام “برَنت” لتتجاوز 110 دولارات للبرميل في الساعات الأولى.
عند اندلاع المواجهة العسكرية في ساعات الصباح الأولى من يوم السبت الفائت، (وهو يوم عطلة)، دخلت الأسواق المالية العالمية في حالة “التسعير الظلّي”، حيث في ظلِّ توقف شاشات التداول الرسمية في لندن ونيويورك وطوكيو، فإنَّ المحرّكات الاقتصادية لا تتوقّف عن العمل. يعتمد الخبراء في هذه اللحظات الحرجة على ما يُسَمَّى بتداولات “خارج المقصورة” (OTC)، وهي صفقات مباشرة تتمُّ بين المؤسسات المالية الكبرى والشركات النفطية للتحوُّط السريع من المخاطر. هذه التداولات هي التي تعطي المؤشر الحقيقي بأنَّ سعر خام “برَنت” قد تجاوز حاجز 110 دولارات فعليًا في العقود الفورية الخاصة، رُغمَ أنَّ السعر الرسمي الظاهر على الشاشات لا يزال مُتَوقِّفًا عند إغلاق الجمعة.
تلعب منصات تداول “عقود الفروقات” (CFDs) التي تعمل بنظام 24/7 دورًا محوريًا في توضيح حجم الذعر الاستثماري، حيث تسمح للمتداولين بالمضاربة على فروقات الأسعار حتى في أيام العطلات. إنَّ القفزة السعرية التي نرصدها الآن هي نتاج “علاوة خطر” فورية يتم احتسابها بناءً على احتمالات تعطُّل الإمدادات من مضيق هرمز. هذا النوع من التسعير يُسمى اقتصاديًا “التسعير الاستباقي للفجوة”، حيث يستعدُّ المتداولون لافتتاح الأسواق الآسيوية مساء الأحد بفجوة سعرية (Price Gap) هائلة قد تصل إلى 40 دولارًا إضافية للبرميل الواحد بمجرّدِ انطلاق جرس التداول. بالإضافة إلى ذلك، تقوم البنوك الاستثمارية الكبرى بإعادة معايرة نماذجها الكمية فور وقوع الحدث العسكري.
مع توقّعات لنماذج مُحاكاة تشير إلى وصولها لـ150 دولارًا إذا تأكّد إغلاق مضيق هرمز بشكلٍ كامل. هذا الارتفاع ليس مجرّد زيادة في الإيرادات، بل هو صدمة مزدوجة تجمع بين تعطُّل سلاسل الإمداد وارتفاع جنوني في تكاليف التأمين البحري التي قد تقفز بنسبة 500% فورًا.
تؤكد البيانات التاريخية من أزماتٍ سابقة أنَّ الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج يواجه الآن مسارَين متناقضين. فبينما قد تنمو الإيرادات الاسمية نتيجة ارتفاع الأسعار، إلّا أنَّ الناتج المحلي الحقيقي قد ينكمش بنسبةٍ تتراوح بين 2% إلى 5% في حال استمر تعطّل الملاحة لأكثر من شهر. دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تمتلك خطوط أنابيب بديلة (مثل خط شرق-غرب وخط حبشان-الفجيرة) بطاقة إجمالية تقترب من 6.5 ملايين برميل يوميًا، لكن هذه الخطوط لا تُغطّي سوى جُزءٍ بسيط من إجمالي الصادرات الخليجية التي تمرُّ عبر المضيق والبالغة 20 مليون برميل يوميًا. هذا العجز في التصدير سيخلق فجوةً مالية في الموازنات التي كانت تعتمد على نموٍّ بنسبة 4.5% لعام 2026 وفق توقعات البنك الدولي السابقة.
على صعيد التضخّم، من المتوقع أن تشهدَ دول الخليج موجة غلاء حادة مدفوعة بارتفاع تكاليف الشحن وتوقّف الموانئ الرئيسة. المُحاكاة الحالية تشير إلى أنَّ معدّلات التضخّم التي كانت مُستقرّة حول 2.5% قد تقفز لتتجاوز 7% خلال الربعين المقبلين. القطاع الخاص غير النفطي، الذي كان يقود قاطرة النمو في رؤى التنويع الاقتصادي، هو الأكثر عُرضةً للضرر نتيجة توقّف تدفّقات الاستثمار الأجنبي وتأجيل المشاريع الكبرى. البيانات تشير إلى أنَّ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر قد تتراجع بنسبة 60% نتيجة الهروب نحو الملاذات الآمنة، مما يضع ضغوطاً هائلة على أسواق المال التي سجلت بالفعل خسائر حادة عند الافتتاح اليوم.
في حال تحقق سيناريو الحرب الشاملة متوسطة المدى، سيتحوّل الإنفاق الحكومي من المشاريع التنموية إلى الإنفاق الدفاعي والأمني، مما سيؤدي إلى عجز في الموازنات قد يصل إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي بعدما كانت التوقّعات تُشيرُ إلى فوائض طفيفة. سوق العمل ستواجه تحديات كبرى، حيث سيتباطأ نموُّ الوظائف في قطاعات السياحة، الطيران، والخدمات اللوجستية، وهي الركائز التي اعتمدت عليها دول المنطقة لتقليل الاعتماد على النفط.
إنَّ التحوُّل إلى “اقتصاد الحرب” يعني إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية بالكامل، حيث تصبح كلفة إعادة الإعمار وتأمين طرق التجارة البديلة هي الأولوية القصوى على حساب مشاريع الرفاهية والتحوُّل الرقمي.
ختامًا، فإنَّ الأيامَ المقبلة ستُحدّد ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيدخل في حالة ركود تضخُّمي عميق. إذا نجحت الجهود الدولية في تحييد ممرات الطاقة، قد نرى استقرارًا تدريجيًا، لكن في ظلِّ المعطيات الحالية، فإنَّ دول الخليج مُضطَرَّة لتفعيل صناديق الثروة السيادية لدعم الميزانيات وتوفير شبكات أمان للقطاع الخاص. إنَّ هذه الخرب تثبت أنَّ الجغرافيا السياسية تظلُّ العامل الأكثر تأثيرًا في صياغة المستقبل الاقتصادي للمنطقة، مُتجاوزةً في تأثيرها كل الخطط النظرية للنموِّ المُستدام.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.



