بين غزّة والضفّة… النفوذُ الأميركي وحدودُ التوازُنِ المَطلوب

كابي طبراني*

تتحرّكُ الديبلوماسية الأميركية اليوم بثقلٍ واضحٍ في ملفِّ غزة. الخطّة المطروحة تقومُ على نزعِ سلاح “حماس”، إنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية، نشر قوة استقرار دولية، والانتقال تدريجًا نحو إعادة الإعمار. والرسالة الأميركية في هذا السياق حازمة: لا إعادة إعمار من دون تفكيك البنية العسكرية، ولا انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا من دون ضماناتٍ أمنية صارمة.

عمليًا، يتركّزُ الضغطُ الأميركي حاليًا على الجانب الفلسطيني. واشنطن تضغط على “حماس” لنزعِ سلاحها، وعلى داعميها الإقليميين —خصوصًا مصر وقطر وتركيا— لاستخدام نفوذهم المالي والسياسي لدفعها نحو التفكيك العسكري. وفي الوقت نفسه، تُطالبُ الإدارة الأميركية السلطة الفلسطينية بإصلاحاتٍ مُؤسَّسية عميقة، وشفافية مالية، وضبط الخطاب، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، تمهيدًا لإمكانية عودتها إلى غزة بصيغةٍ جديدة.

هذا الواقع يجب الاعتراف به بوضوح: ميزان الضغط الحالي ليس متساويًا. فالإدارةُ الأميركية ترى أنَّ خطر الانفجار الفوري يأتي من غزة، لا من الضفة، ولذلك تُعطي الأولوية لمعالجة التهديد العسكري المباشر.

غير أنَّ التركيزَ شبه الحصري على غزة يخفي تطوُّرًا أكثر خطورةً يجري في الضفة الغربية. فهناك، تتسارعُ خطواتُ إعادةِ تشكيل الواقع الميداني. تَوَسُّعٌ استيطاني غير مسبوق منذ سنوات، تقنينُ بؤرٍ كانت تُعتَبَرُ غير قانونية، توسيعُ صلاحيات تخطيط وبناء لصالح المجالس الاستيطانية، وخلقُ ممرّات بُنيةٍ تحتية تربُطُ الكتل الكبرى ببعضها البعض. هذه ليست مجرّدَ قراراتٍ إسكانية، بل إعادة هندسة جغرافية تُقلّصُ المساحات القابلة للتفاوض مستقبلًا. ومع مرور الوقت، قد تتحوَّلُ هذه الوقائع إلى حقائق دائمة يصعبُ عكسها سياسيًا حتى لو تغيّرت الحكومات.

إلى جانب ذلك، تشهدُ الضفة تصاعدًا في الاحتكاكات الأمنية، وزيادةً في عنف المستوطنين الإسرائيليين في بعض المناطق الحسّاسة، مقابل تراجع قدرة السلطة الفلسطينية على فَرضِ النظام نتيجةَ أزمتها المالية وتآكل شرعيتها الشعبية. تأخيرُ تحويل أموال المقاصة من الحكومة الإسرائيلية أدّى إلى عجزٍ في دفع الرواتب بانتظام، ما انعكسَ على أداء المؤسّسات المدنية والأمنية.

هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: الخطة الأميركية لغزة تفترضُ وجودَ شريكٍ فلسطيني قابل للحياة. لكن إضعاف هذا الشريك في الضفة يهدد الأساس الذي تقوم عليه الخطة نفسها.

من منظور واشنطن، الأولوية الآن واضحة: منع عودة “حماس” عسكريًا، وتفادي إعادة تدوير دورة الحرب. ولذلك يُنظَرُ إلى نزع السلاح كشرطٍ تأسيسي، لا تفاوُض عليه. إسرائيل، من جهتها، تشترطُ تفكيكَ القدرات العسكرية بالكامل قبل أيِّ انسحابٍ واسع أو تسهيلٍ لإعادة الإعمار.

غير أنَّ هذا المسار الأمني، مهما كان مُبَرَّرًا، لا يمكن أن ينجح بمعزل عن البيئة السياسية الأوسع.

إذا استمرت التحوُّلات البنيوية التي تقوم بها إسرائيل في الضفة الغربية بوتيرتها الحالية —سواء عبر توسيع المستوطنات أو تقليص صلاحيات الإدارة الفلسطينية— فإنَّ أيَّ كيانٍ فلسطيني جديد في غزة سيولد في سياقٍ سياسي مسدود. وفي غيابِ أُفُقٍ سياسي، ستفقُدُ الإصلاحات الفلسطينية زخمها، وسيتراجع الحافز الشعبي لدعم خيار الدولة والمؤسسات.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أنَّ الجانبَ الفلسطيني مُطالَبٌ فعليًا بإصلاحاتٍ عميقة. تجربةُ العقود الماضية أظهرت أنَّ الفساد، الانقسام الداخلي، ضعف المساءلة، واستمرار خطاب مزدوج بشأن العنف، كلُّها عوامل أضعفت الثقة الدولية والإقليمية. وإذا كانت السلطة الفلسطينية تطمحُ لاستعادةِ دورها في غزة، فعليها أن تُقدِّمَ نموذجًا مختلفًا: شفافيةٌ مالية كاملة، تدقيقٌ مستقل للبرامج المثيرة للجدل، توحيد المرجعية الأمنية، وضبط صارم للسلاح خارج إطار الدولة.

بمعنى آخر، الضغطُ الأميركي الحالي على الفلسطينيين مفهومٌ في سياقه الأمني. لكنه يصبح غير كافٍ —وربما غير مستدام— إذا لم يترافق مع معالجةٍ مُوازية لما يحدث في الضفة، ومع ضغطٍ واضح على إسرائيل أيضًا.

التجارب التاريخية في المنطقة تشيرُ إلى أنَّ الوساطة الأميركية تنجحُ حين تتوافر ثلاثة عناصر: وضوح الهدف النهائي، تسلسل مرحلي منضبط، وحوافز ملموسة للطرفين. أما حين تُدارُ الأزمات أمنيًا فقط، أو تُرَحَّلُ القضايا الجوهرية إلى أجلٍ غير مُسمّى، فإنَّ الوقائع على الأرض تتقدّم أسرع من السياسة.

الضفة الغربية اليوم ليست ملفًا جانبيًا. إنها العاملُ الذي سيُحدّدُ ما إذا كانت خطة غزة بداية إعادة تشكيل سياسية أم مجرد هدنة أمنية طويلة. استمرارُ التوسع الاستيطاني بوتيرةٍ عالية، وتآكلُ صلاحيات السلطة، وتراجُعُ الثقة الشعبية، كلّها عناصر تزيد من احتمالات انفجار داخلي جديد، قد يفتح جبهة ثانية تُربك أي إنجاز في غزة.

من منظور “أسواق العرب”، المخاطر تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد الإقليمي. استقرارُ الضفّة شرطٌ أساسي لجذب استثمارات، ولإنجاحِ أيِّ دورٍ اقتصادي لها في دعم إعادة إعمار غزة. كما إنَّ أيَّ تصعيدٍ واسع هناك سيؤثر مباشرة على مناخ التطبيع الإقليمي، وعلى حسابات الدول الخليجية التي توازن بين الأمن والاستثمار والسياسة.

الواقع الحالي يفرض مقاربة أكثر دقة:
– استمرار الضغط الأميركي الحازم لنزع سلاح “حماس” وإصلاح المؤسسات الفلسطينية.
– وفي الوقت ذاته، الضغط الأميركي على إسرائيل للحفاظ على الحد الأدنى من قابلية الحل السياسي في الضفة، عبر تجنُّب خطوات أحادية تغيّر المعادلة النهائية بصورةٍ لا رجعة فيها.

ليس المطلوب مساواة ميكانيكية في الضغط فقط، بل اتساق استراتيجي. فإذا كان الهدف المعلن هو بناء كيان فلسطيني مستقر وقادر على الحكم، فلا يمكن إضعافه في مكان وبناؤه في آخر.

اللحظة الحالية حساسة. غزة قد تكون نقطة انطلاق، لكنها لن تكون كافية وحدها. الضفة الغربية هي الامتحان الحقيقي لما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو إعادة ترتيبٍ سياسي مدروس، أم نحو تثبيت واقع دائم من الانقسام والإدارة الأمنية المفتوحة.

في نهاية المطاف، النفوذُ الأميركي قادرٌ على صُنعِ الفارق —لكن بشرط أن يُستخدَمَ في الاتجاهين، وأن يُترجَمَ إلى رؤيةٍ سياسية واضحة: دولة فلسطينية قابلة للحياة مقابل أمن إسرائيلي مستدام. من دونِ هذا الاتِّساق، ستبقى المنطقة أسيرةَ إدارةِ أزماتٍ متكرِّرة، لا مسارَ سلامٍ حقيقي.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى