لبنان على خطِّ الزلازل الإقليمية
كابي طبراني*
في الشرق الأوسط، نادرًا ما تبقى التهديداتُ العسكرية مُجَرَّدَ رسائل سياسية. عندما يتصاعَدُ التوتُّر بين الولايات المتحدة وإيران، تتحرّكُ أسواق الطاقة فورًا، وتُعيدُ الجيوشُ تَمَوضُعَها، وترتفعُ كلفةُ التأمين والشحن، لكنَّ الأثرَ الأعمق لا يَظهَرُ فقط في نقاطِ الاحتكاكِ المباشر، بل في الدول الهَشّة الواقعة على تخومِ النفوذ. هناك، تتحوَّلُ الجغرافيا إلى قدرٍ اقتصادي، وتُصبِحُ السياسةُ الخارجية عاملًا يوميًا في معيشةِ الناس. في هذا السياق تحديدًا، لا يبدو لبنان مُراقِبًا من بعيد، بل بلدًا يقفُ تلقائيًا على خطِّ الارتداد.
لبنان ليس طرفًا في القرار الأميركي ولا في القرار الإيراني، لكنه تاريخيًا كانَ أحد الميادين التي تُترجَمُ فيها التوتّرات الكبرى إلى وقائع محلية: توتُّرٌ أمني، حسابات ردع، ورسائل غير مباشرة. ومع وجودِ قوّةٍ مسلّحة وازنة مثل “حزب الله” المرتبط استراتيجيًا وعقائديًا بطهران، يُصبحُ أيُّ تصعيدٍ بين واشنطن وطهران عاملًا يرفعُ منسوبَ القلق على الساحة اللبنانية، حتى لو لم يتجاوز الأمرُ مستوى التهديد. الأسواق لا تنتظر الصواريخ لتتفاعل؛ يكفيها احتمالها.
اقتصاديًا، يقف لبنان على أرضيةٍ رخوة أصلًا. العملة فقدت أكثر من 95% من قيمتها خلال سنواتٍ قليلة، والناتجُ المحلّي الذي كان يدور حول 50–55 مليار دولار قبل الأزمة انكمشَ إلى ما يقارب النصف. هذه ليست أرقام ركود دوري، بل مؤشّرات انهيار بُنيوي. وفي اقتصادٍ يُعاني من شَحِّ الدولار، وضعف الثقة المصرفية، وتآكل القدرة الشرائية، يُصبِحُ أيُّ توتُّرٍ إقليمي بمثابة ضريبةٍ إضافية على بلدٍ مُنهَك.
جوهرُ الأزمة اللبنانية يتجاوزُ المال إلى بُنيةِ القرار. فالدولةُ لا تحتكرُ فعليًا قرارَ الحرب والسلم، ما يخلقُ ازدواجية سلطة في أخطر ملفٍّ سيادي. في علم الاقتصاد السياسي، هذه الازدواجية تُترجَمُ مباشرةً إلى “علاوة مخاطر” دائمة. المُستَثمِرُ، المحلّي قبل الأجنبي، لا يسأل فقط عن فُرَصِ الربح، بل عن استقرار القواعد. مَن يَضمَن الهدوء؟ مَن يَملُك الكلمة الأخيرة؟ حين تكون الإجابة ضبابية، يتراجَعُ الاستثمار الطويل الأجل، ويُستبدَلُ برأسمالٍ سريع الخروج. وهكذا يَفقُدُ الاقتصاد أحد أهم شروط التعافي: الثقة.
في الجهة المقابلة، تتعامل إسرائيل مع الواقع الحدودي من منظورٍ أمني بحت، قائم على الردع الاستباقي ومنع تراكم التهديدات. لكن أي مواجهة حتى – لو وُصِفت بالمحدودة- تتحوَّلُ سريعًا إلى خسارةٍ اقتصادية واسعة للبنان: بُنى تحتيّة تتضرّر، مؤسّسات تُقفَل، ومواسم سياحية تُلغى. الاقتصادُ الحديث شديدُ الحساسية للتوتُّر؛ يكفي موسمٌ سياحي ضائع لتتبخَّرَ مئات ملايين الدولارات من التدفُّقات النقدية، في بلدٍ يعتمدُ أصلًا على الخدمات والتحويلات.
تقديراتُ البنك الدولي، التي وَضَعت حاجاتَ التعافي وإعادة الإعمار بعد جولات التصعيد الأخيرة في حدود 11 مليار دولار، تُعطي صورةً عن حجم الفجوة. هذا الرقم لا يُمثّلُ فقط كلفةَ إعادةِ بناءِ ما تهدّم، بل كلفة الفُرَص الضائعة. كلُّ دولارٍ يُصرَفُ على ترميمِ أضرارِ صراعٍ يُمكِنُ تجنّبه هو دولارٌ لا يذهبُ إلى استثمارٍ مُنتِج أو بُنية مُستدامة. وفي بلدٍ يُعاني من عجزٍ مالي مُزمِن، تتحوَّلُ إعادةُ الإعمار نفسها إلى عبءٍ إضافي لا إلى مُحَرِّك نمو.
الأخطر أنَّ لبنان عالقٌ في منطقةٍ رمادية قاتلة اقتصاديًا: لا حربَ شاملة تُحسَم، ولا سلامَ مستقرًّا يُبنى عليه. هذا “اللاحسم” هو أسوأُ سيناريو لأيِّ اقتصادٍ ناشئ، لأنه يقتلُ التوقُّعات الإيجابية من دون أن يخلقَ حتى اقتصادَ حربٍ مُنظَّمًا. إنه يُبقي البلد في حالةِ انتظارٍ دائم، حيث تؤجَّل القرارات الاستثمارية، وتتراجَعُ خططُ التوسُّع، ويختارُ الشباب الهجرة كخيارٍ عقلاني لا عاطفي.
اجتماعيًا، الكلفة أفدح. نسب الفقر ارتفعت بشكلٍ حاد (44%)، والطبقة الوسطى –صمّام الأمان لأيِّ مجتمع– تآكلت. التحويلات من المغتربين، رُغمَ أهمِّيتها، تحوّلت من عنصرِ دعمٍ للنمو إلى عنصرِ بقاء وصمود للأُسَر. اقتصادٌ يعيش على تحويلات أبنائه في الخارج وعلى مساعداتٍ ظرفية هو اقتصادٌ يستهلكُ مستقبله تدريجًا. رأسُ المال البشري، وهو أبرز ما يملكه لبنان، يُغادِرُ بصمت.
المفارقة أنَّ لبنان لا يفتقرُ إلى مقوّمات النهوض. لديه قوّة عمل مُتعَلّمة، قطاعُ خدماتٍ مَرِن تاريخيًا، وطاقاتٌ اغترابية ضخمة. لكن هذه المقوّمات تحتاجُ إلى شرطٍ أوَّلي بسيط نظريًا وصعب عمليًا: دولة واضحة القرار تحتكر السيادة الأمنية. من دون ذلك، سيبقى أيُّ إصلاحٍ مالي أو دعمٍ دولي مُجرَّدَ مُسَكّنٍ مؤقت. حتى جهودُ الأمم المتحدة وأميركا والمبادرات الدولية لا تستطيع أن تبني استقرارًا اقتصاديًا فوق أرضية سياسية مُهتزّة.
في النهاية، لا يُمكِنُ لأيِّ بلدٍ أن يبني اقتصادًا حديثًا وهو يؤدّي وظيفةً جيوسياسية للآخرين. الدولُ التي نجحت في العقود الأخيرة فعلت ذلك عبر تقليل المخاطر السياسية لا إدارتها فقط. ولبنان، إن أرادَ الخروجَ من دوّامة الانهيار، يحتاجُ إلى الانتقالِ من اقتصادٍ يمتصُّ الصدمات إلى اقتصادٍ يَصنَعُ الفُرَص.
القضية لم تَعُد مَن يربحَ جولةً سياسية أو عسكرية، بل مَن يُنقِذَ ما تبقّى من دولةٍ قابلة للحياة. فالأرقامُ لا تُفاوِض، والأسواقُ لا تُجامِل، والتاريخُ الاقتصادي لا يَرحَمُ البلدان التي تُطيلُ الإقامة في منطقة اللاقرار. بينَ تصعيدٍ إقليمي مُحتَمَل وانهيارٍ داخلي مُستَمر، يقف لبنان أمامَ خيارٍ واضح: أن يتحوَّلَ إلى دولةٍ طبيعية ذات قرارٍ مركزي واستقرارٍ نسبي، أو أن يبقى ساحةً مفتوحة تُدارُ بالأزمات فيما يواصل اقتصاده ومجتمعه دفع الفاتورة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



