“أُسافر وحدي مَلِكًا”… أُوراتوريو

هنري زغيب*

“يا عاصي: ثلاثون سنةً ونحن نباركُ الفرح. سأَتفجَّع الليلةَ كما بالمآسي، وكعويل أَنبياء التوراة” (منصور).

بهذه الراية المرفوعة شهادةً قُصوى، افتتح منصور الرحباني كتابه “أُسافر وحدي مَلِكًا” (طبعة أُولى “دار النهار” 1982، طبعة ثانية 2007). ولم يغِبْ فيه عاصي، توأَمُه الفنيّ، عن مسائلَ وجوديةٍ كبرى كان منصور يتناقش فيها معه. فعلى مدى الكتاب (34 مقطوعة شعرية) يُلقي منصور تفجُّعَه الدراميَّ، مرةً على ذاته الجَوَّانية (“أَصبحتُ ينابيعي في الكُلّ، وصرتُ النَهرَ وصرتُ الماء”، ومرةً على السوى البَرَّانيّ (“… رجالٌ تحت الراياتِ وسْطَ هياجٍ متَّصلٍ بعباداتٍ وثَنيَّهْ، أَرفُضُكُم وأُسافر وحدي مَلِكًا”).

أَجواءُ غريبةٌ وفضاءاتٌ أَبوكاليبتيَّة تَسودُ في هذا الكتاب. غريبٌ هذا الكتابُ وحبيب. غريبٌ بصعوبة الْتقاطنا رؤَى الشاعر المرفوعةَ إِلى أَعلى مراتب الصوفية الوجودية، وحبيبٌ بنفَسٍ دراميٍّ يتميَّز به منصور الرحباني في رؤْيا كونية ذات شُمولية واسعة. فهو يخاطب المطلَق من عمق تجربته الوجودية، ويواجه قدَرَه بشجاعةٍ وجرأَةٍ حول الرحيل والغياب والوجود والغُربة، في تساؤُلاتٍ عن الذات الساكنة والمهاجرة، عن أَسرار الموت والولادة، عن الحلولية الصوفية، في تأَمُّلٍ ذاتيٍّ جَوانيٍّ عميقٍ. ويواجه الشاعر ذاتَه الداخلية ومحيطَ الخارج حوله: “البُوقُ يُصَرِّخُ فوق مصبَّات الأَنهار. ظهَر الفرسان الليليُّون، والوحشُ سيصرعُ طفل الغابات الملَكيّ”. وهكذا يعبقُ الكتاب بنفَسٍ فلسفيٍّ شُموليٍّ كونيٍّ تأَمُّلي تغلِّفه رمزيةٌ، واضحةٌ حينًا ومخفيَّةٌ أَحيانًا، في براعة شعرية يشكِّل منصور أَحد أَبرز أَركانها في الشعر العربي الحديث. كلُّ هذا في لغة بسيطة على عُمق، سلِسة على إِيقاعٍ منضبطٍ بالتفعيلة الشعرية.

واضحٌ في الكتاب قلَقٌ وجوديٌّ على لبنان، يختصرُه زمنُ الخوف والملاجئ أَيام الحرب: “في اليوم السابع جازَ القصفُ، صعدْنا، في الشرفات جلَسْنا، وتنبَّأْتُ على بيروت”. وها هو يُقْسِم: “سأَموتُ الليلةَ عن بيروت، سأُصلَب في الحمراء، فيكون للبنانَ رجاءٌ، وحياةٌ للشهداء”. وتتَّضح الرؤْية لديه: “يا بيروتُ المتأَنِّقةُ على باب الصحراء، شمسُ المشرق أَنتِ، ثلْج وحضاراتٌ عبرَت، وحطامُ نبوءَاتٍ أَنتِ. حين تعاظمَ فيكِ المالُ وقعْتِ”. لذا يَنْذُر كما في نبوءَة: “مرميٌّ فوق الرمل أَنا.. مرميٌّ فوق السهل أَنا.. مشلوحٌ في كلِّ الطرقات وتحت الهدم هنا وهنا.. أَنا لستُ أَنا، فأَنا شعبي”… “ما إِنسانٌ في أَقصى الأَرض يموت، إِلَّا فيَّ يموت”.

وتطل المرأَة، إِنما لا بثياب الغبطة بل بوشاح الغياب: “العاشقُ مذهولٌ يتفيَّأُ شمسَ امرأَةٍ صارت وطنًا واختارَ عبوديتَها.. الحب يزيد المنفى… من أَجلكَ أَحزن يا منصور، يا وجهَ النحت الفرعوني، مصلوبٌ أَنتَ على شطآن العالم، كلِّ العالم”.

تجربةُ منصور الرحباني في كتابه “أُسافر وحدي ملكًا” قريبةٌ نوعًا وأُسلوبًا من تجربته الحياتية في كتابَيْه الآخَرين “أَنا الغريبُ الآخر” و”القصور المائية”، لكنها في “أُسافر وحدي ملكًا” متكامِلَةُ العناصر أَكثر، في نظرته الفينومينولوجية إِلى الأَسئلة الكبرى، إِلى الموت والحياة، إِلى الفن والإِنسان، إِلى الأَيام الراهنة ومقدِّمات الرحيل.

هذا الفضاء المعقَّد، نجح أُسامة بن منصور الرحباني في تحويله إِلى أُوراتوريو، وأَلبسَه ميلودياتٍ مركَّبةً مونوفونية (هبة طوجي) وبوليفونية (كورال جامعة سيدة اللويزة)، مثْبتًا براعته المتفرِّدة في التأْليف الموسيقيّ على أَعلى مستوى، متناولًا نصًّا وجوديًّا ووجدانيًّا صعبًا، أَطلَع منه هذا الأُوراتوريو الوفيَّ للنص والوفيَّ للإِبداع الموسيقي، حتى ليمكن أَن يكون الأُوراتوريو طريقًا إِلى شعر منصور المتربِّع سعيدًا على قمَّة الشعر، محكيِّه وفصحاه، في شاعريةٍ تعادل موسيقاه، لتكرِّسه عبقريًّا ذهبيَّ المواهب.

“أُسافر وحدي ملِكًا” كتابُ كلٍّ منَّا في خلْوته الوجدانية. ذاع شعرًا في الناس من منصور الرحباني قصائدَ من قلب الوجدان الطافح بالتجربة، وجاء هذا الأُوراتوريو (*) لينقُلَه أُسامة الرحباني، بالصوت والميلوديا، إِلى كلِّ وجدانٍ حيٍّ في العالم.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر منصة (X): @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

*) الأُسبوع المقبل يومَي 13 و14 الشهر الجاري في كنيسة مدرسة القلب الأَقدس، الفرير، الجميزة، بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى