تُراثٌ بلا سياسة؟ ما الذي تَجاهَلَهُ العَصرُ الذهبي للإسلام (2 من 2)
تنتقلُ هذه الحلقة إلى سؤال “لماذا” أُقصِيَت السياسة والقانون والتاريخ من الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وما الذي ترتَّبَ على ذلك حتى العصر الحديث. كما تتناولُ مسارات الخروج من هذا الإرث، مع تركيزٍ خاص على تجربة آسيا الوسطى بوصفها محاولةً مُعاصِرة للتوفيق بين الإسلام والدولة الحديثة.

س. فريدريك ستار*
يَطرَحُ السؤالُ السابق—لماذا انفتح الشرق الإسلامي على بعض ميادين المعرفة القديمة وأغلق أبوابه أمام ميادين أخرى—احتمالَين تَفسِيريين رئيسيين. يُرَكّزُ الاحتمالُ الأوّل على مسائل عملية تتعلّقُ بإتاحةِ النصوص القديمة وإمكانية الوصول إليها. فقد كان الوسطاء السريان يسعون، بطبيعة الحال، إلى تلبيةِ رغباتِ رُعاتهم الأثرياء في بغداد. ولا يُوجَدُ دليلٌ على أنهم اقترحوا ترجمةَ أعمالٍ تتعلّقُ بالسياسة أو القانون أو التاريخ، ثم قوبلوا بالرفض. وبالمقابل، لا يُوجَدُ أيضًا ما يدلُّ على أنَّ رُعاةَ الترجمة في بغداد طلبوا مثل هذه الأعمال وفشلوا في الحصول عليها.
لكن هذا التفسير، وإن كان مُمكنًا، يظلُّ قاصرًا. إذ ليس صحيحًا أنَّ العالمَ الإسلامي كان غافلًا تمامًا عن قضايا المجتمع والسياسة والتاريخ. فقد قدّمَ عددٌ من المُفكّرين المسلمين الأوائل، وفي مقدمتهم الفيلسوف الفارابي، تصوُّراتٍ مُتكامِلة عن “المدينة الفاضلة” والمجتمع الصالح.
وقد لاحظ نقّادٌ مُعاصرون وجودَ أوجه شبه واضحة بين تصوُّرات الفارابي وبين “جمهورية” أفلاطون، التي وصلته شذرات منها على الأرجح عبر مؤلفات الفيلسوف الهيلنستي مؤسس الأفلاطونية المحدثة، أفلوطين. ومثل أفلاطون، دعا الفارابي ومعظم الفقهاء المسلمين الذين جاؤوا بعده إلى نموذجٍ يَقومُ على حاكمٍ واحدٍ مُطلَق السلطة، يكون مصدر القوانين كافة، وتُبرَّر شدته وقسوته بوصفها نتاجًا لحكمته العليا، في مُقابلِ جمهورٍ سلبي يُنظَرُ إليه بوصفه جاهلًا وبحاجة إلى الإكراه والتوجيه.
وقد أصبحت هذه الرؤية جوهر عدد لا يُحصى من مؤلّفات الفقه الإسلامي في القرون اللاحقة. ومع الاعتراف بأنَّ النصوصَ المُقدّسة لم تتناول جميع تفاصيل الحياة المدنية والشخصية، سعى بعض الفقهاء إلى تطبيق المبادئ القرآنية على مشكلاتٍ لم تكن موجودة في عصر النبي محمد. وأدت اختلافاتهم إلى نشوءِ المذاهب الفقهية الأربعة السُنّية، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، إضافة إلى المذهب الشيعي. ومن بين هذه المذاهب، انفرَدَ المذهب الحنفي—الذي لا يزالُ سائدًا في آسيا الوسطى—بإفساحِ مجالٍ للاجتهاد، وبالاعتراف بالأعراف المحلّية كمصدرٍ من مصادر القانون.
ومع أن الفارابي قدّم أفكاره بوصفها نتائج بديهية يُسلِّمُ بها كلُّ عقلٍ متأمِّل، فإنها كانت في جوهرها مُنسجمةً إلى حدّ كبير مع التصوُّر القرآني للسلطة. فالقرآن يُقرّرُ أنَّ كلَّ سلطةٍ مشروعة في شؤون البشر مصدرها الله، كما أُوحي بها إلى النبي محمد، ثم استُكمِلَت بأقواله وأفعاله التي جُمعت لاحقًا في الحديث. ووفق هذا الفهم، تُناطُ بحاكمٍ واحد، يتمتّعُ بسلطةٍ مُطلَقة، مهمّة إنزال هذا الوحي على المجتمع، فيما يُطلَبُ من المجتمع الامتثالَ لهذه السلطة ورفضَ أيِّ ادعاءاتٍ لا تستمدُّ مشروعيتها منها.
هذا الفهم يُسقِطُ الحاجة إلى السياسة بالمعنى الذي عرفه العالم الإغريقي–الروماني. ورُغمَ أنَّ هذا المنظور قد يلتقي جُزئيًا مع “جمهورية” أفلاطون، فإنه يتناقضُ جذريًا مع كتاب “السياسة” لأرسطو، ومع التحليل الواقعي للمناورات السياسية في “تاريخ الحرب البيلوبونيزية” لثيوسيديدس، ومع الصراعات الإنسانية التي تمتلئ بها التراجيديا والكوميديا الإغريقيتان، ومع التراث الروماني بأكمله في التشريع والتاريخ السياسي.
ووفقَ هذا الفهم والتفسير للنصِّ القرآني، لم تَعُد السياسة، كما عرفها الغرب، مجالًا مشروعًا للتفكير أو البحث، بل جرى إقصاؤها أصلًا من دائرة المعرفة المقبولة. وهكذا، لم تُعَدّ الأعمال التي تُناقِشُ الأحزاب والصراعات السياسية والسِيَرَ العامة والتشريع مجرّد نصوصٍ غير مفيدة وغير صالحة، بل نُظِرَ إليها بوصفها خطرة وفعلًا آثمًا، لأنها تشجّعُ على ممارساتٍ تُضعِفُ سلطة الوحي. ومن هنا، فُرِضَ حظرها واستُبعِدَت من الترجمة والتداول.
صحيحٌ أنَّ هناكَ مسلمين رَؤوا الأمر على نحوٍ مختلف، وفي مقدمتهم المُعتَزلة العقلانيون، الذين ازدهروا لفترةٍ قصيرة في ظلِّ رعاية بعض الخلفاء العباسيين. غير أنَّ هذه المحاولات وُصِمَت بأنها اعتداءٌ على “كلمة الله”، وانتهت دائمًا بانتصار الاتجاهات النصّية التي طالبت بالخضوع الكامل للتقليد الديني. وتكرّرت هذه الدعوات الصارمة للخضوع للسلطة الدينية عبر قرونٍ طويلة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفي كتابه الشهير “ما الخطأ الذي حدث؟” (What Went Wrong?)، تتبّعَ المؤرّخ البريطاني الراحل برنارد لويس جذور العداء الإسلامي لتطبيق العقل المجرّد على شؤون السياسة والمجتمع حتى العصور الحديثة. ومع إقراره بعظمة العصر الذهبي الإسلامي، رأى أنَّ العالم الإسلامي شهد بعده تراجُعًا تدريجيًا، بلغ ذروته في فشله في المشاركة في عصر النهضة والثورة العلمية. وخلص لويس ضمنيًا إلى أنَّ مهمة المسلمين الإصلاحيين اليوم لا تقتصرُ على الاقتباس من الغرب الحديث، بل تتطلّب أيضًا استعادة أمجاد الماضي الإسلامي البعيد.
وقد لاقت هذه الدعوة صدى واسعًا في الشرق والغرب على السواء، واعتمدتها حكومات إسلامية عديدة بوصفها عقيدة رسمية. بل إنَّ كاتب هذه الدراسة نفسه كان من أنصار هذا التوجُّه لسنواتٍ طويلة، وكرّسه في عدد من كتبه ومقالاته. غير أنَّ هذه الدعوة، على وجاهتها، تُواجِهُ مشكلةً جوهرية: وهي أنَّ العصر الذهبي الإسلامي ذاته استبعدَ بشكلٍ منهجي أيَّ نقاشٍ جاد حول المجتمع والسياسة والقانون، كما فُهِمَت في الأدبيات الكلاسيكية التي احتفى بها في ميادين أخرى.
لقد تبنّى قادة بغداد والنخب الدينية القدامى هذا الإقصاء وفرضوه. ومهما تنوَّعت أسبابه ودوافعه، فإنَّ المحرّك الأساسي له كان القناعة بأنَّ الله قد كشف عبر القرآن والحديث الإجابة الصحيحة عن كلِّ ما يتعلق بالمجتمع والسياسة والقانون. وما دام هذا الوحي يُطبَّقُ حرفيًا وبشكلٍ كامل—كما كان الحال في معظم المجتمعات الإسلامية حتى الأزمنة الحديثة—فإنه يضيّق بشدة نطاق النقاش المقبول حول هذه القضايا.
وهكذا، وجدَ العالم الإسلامي نفسه مُقَيَّدًا بقيودٍ دينية، ومحرومًا من المفاهيم اللازمة للتفكير في السياسة والمشاركة والقانون بالمعنى الحديث. ونتيجةً لذلك، ورثت الأجيال اللاحقة نموذجًا للحكم أقرب إلى الاستبداد القديم أو إلى يوتوبيا أفلاطون السلطوية، منه إلى أيِّ مجتمعٍ حديث نشأ منذ عصر النهضة.
وفي مواجهةِ هذا الإرث، يُمكِنُ تمييز ثلاثة مسارات كبرى أمام المجتمعات الإسلامية المعاصرة. المسارُ الأول هو الأصولية، أي العودة الشاملة إلى الماضي، كما فعلت حركات مثل السلفية والوهابية و”الإخوان المسلمين” وسيّد قطب وتنظيم “القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية” وطالبان. والمسار الثاني هو العلمنة الكاملة، أي رفض التراث الإسلامي والسعي إلى دولةٍ علمانية صرفة، كما حدث في تجارب مصطفى كمال أتاتورك، والاتحاد السوفياتي في آسيا الوسطى، وجمال عبد الناصر، والشاه محمد رضا بهلوي. أما المسار الثالث، فيقوم على احترام الدين من دون الخضوع لسلطته المُطلَقة، من خلال إقامة دولة مدنية بقوانين ومحاكم ومؤسسات مستقلة، تحترم الإيمان لكنها لا تُدار من قبله.
ولا تهدف هذه الدراسة إلى حصرِ مَن تبنّى كلَّ مسارٍ أو تقييم نجاحاته وإخفاقاته. غير أنَّ أكثر التجارب اكتمالًا في تبنّي المسار الثالث توجد في دول آسيا الوسطى المستقلة حديثًا، ولا سيما أوزبكستان، إضافة إلى كازاخستان وجمهورية قيرغيزستان.
وقد استفادت هذه الدول من اضطرارها، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى إعادة بناء أنظمتها السياسية من الصفر. فمزجت بين الواقعية السياسية، والمفاهيم الغربية للمواطنة والقانون، وبعض الجوانب المهملة من الفكر الإسلامي. وشهدت هذه العملية ثلاث مراحل رئيسة منذ العام 1991.
في المرحلة الأولى، أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى فراغٍ سياسي وإيديولوجي واسع، استغلّته جماعات الإسلام السياسي، بما فيها الوهابية، التي تدفّقت على آسيا الوسطى بالمال والسلاح والدعاة. وواجهت الحكومات الجديدة هذا التحدّي بالقوة، في مواجهةٍ أثارت انتقادات حادة من الغرب، بلغت ذروتها بعد قمع التمرّد الإسلامي المسلّح في مدينة أنديجان الأوزبكية في العام 2005.
أما المرحلة الثانية، فتمثّلت في صياغة دساتير وقوانين جديدة. وبحُكمِ الإرث القريب، استلهمت هذه الدول الفكر القانوني الروسي، الذي كان قد استوعب بدوره التراث الروماني عبر القوانين الألمانية. وهكذا، دخلت مفاهيم القانون الروماني والفكر السياسي الإغريقي إلى الوعي القانوني في آسيا الوسطى، مدعومةً بترجماتٍ واسعة لأعمال أرسطو وثيوسيديدس وشيشرون وساللوست.
ونتيجة لذلك، نصّت دساتير هذه الدول بوضوح على الفصل بين الدولة والمؤسسات الدينية، وإخضاع الأخيرة للقانون المدني. ورُغمَ أنَّ التطبيق العملي لم يكن دائمًا مثاليًا، فإنَّ هذه النصوص مثّلت قطيعةً تاريخية مع الماضي.
وفي المرحلة الثالثة، سعت حكومات آسيا الوسطى إلى التوفيق بين هذه الرؤية الحديثة وتعاليم الإسلام، مُستفيدةً من تراجُع التهديدات المتطرّفة. وقاد هذا المسار إلى إحياء تقاليد إسلامية عقلانية قديمة، كان قد همّشها التاريخ، وفي مقدمتها فكر الإمام أبو منصور الماتريدي، المولود في سمرقند، وأحد أعلام المذهب الحنفي.
علّم الماتريدي أنَّ الله خلق جميع الإمكانات وترك للإنسان حرية الاختيار بينها، وفصل في المجال العام بين الإيمان والسلوك. وقد أدرك المصلحون المعاصرون أنَّ هذا الفهم يرفعُ العوائق الإسلامية أمام مفاهيم الحقوق والمواطنة والمشاركة المدنية.
وفي العام 2020، عقد رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف مؤتمرًا دوليًا في سمرقند حول الماتريدي، في خطوةٍ رمزية لإعادة وصل الإسلام بالفكر السياسي والقانوني الحديث. واليوم، يتبنّى مفكّرون كثر هذا التراث بوصفه جسرًا إسلاميًا نحو الحداثة.
إنَّ ما تحققه أوزبكستان ودول آسيا الوسطى الأخرى في المجالين القانوني والمدني يستحقُّ اهتمامَ العالم الإسلامي بأسره. فبدلًا من مهاجمة الإسلام، يسعى هؤلاء المصلحون إلى الجمع بين تيّاراتٍ إسلامية مُهمّشة ومفاهيم حضارية عالمية، لإعادة إدخال السياسة والقانون والمجتمع إلى الفكر الإسلامي—وهي مجالاتٌ كان العصر الذهبي قد أعرض عنها قبل ألف عام.
- س. فريدريك ستار هو رئيس مؤسس لمعهد آسيا الوسطى–القوقاز، وزميل متميز لشؤون أوراسيا في مجلس السياسة الخارجية الأميركي، واشنطن – ستوكهولم.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.