وَهمُ الدَّين الأميركي… حين تَقتَرِبُ الفاتورة من الاستِحقاق
كابي طبراني*
عامٌ جديد يبدأ، لكن أزمة الدَّين الأميركي تنتقل معه من خانة التأجيل إلى خانة الاختبار.
على مدى ربع قرن تقريبًا، راقَبَ العالم—ومن ضمنه العالم العربي—الولايات المتحدة بإعجابٍ مَمزوجٍ بالدهشة. فكُلُّما واجهت أزمةً كبرى، من الحروب إلى الأزمات المالية ثم الجائحة، لجأت واشنطن إلى سلاحٍ واحد بدا بلا حدود: الاستدانة. وكانت النتيجة دائمًا واحدة: إنفاقٌ ضخم، ديونٌ أعلى، لكن من دونِ عقابٍ يُذكَر. الأسواقُ العالمية تشتري، الدولارُ قوي، وأسعارُ الفائدة مُنخَفِضة. بدا الأمر وكأنَّ الولايات المتحدة اكتشفت مُعادلةً سحرية: ديون بلا ثمن.
اليوم، تتكشَّفُ حقيقةٌ أكثر قسوةً: تلك المعادلة لم تَعُد تعمل.
الدَّيْنُ العام الأميركي يقترب من 37 تريليون دولار، أي ما يُعادل تقريبًا حَجمَ اقتصاداتِ الدول الصناعية الكبرى مُجتَمِعة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، تحوَّلت خدمةُ هذا الدَّين من مسألةٍ محاسبَيّة إلى عبءٍ سياسي واقتصادي ثقيل. للمرّة الأولى، تنفق الولايات المتحدة على فوائد ديونها أكثر مما تُنفِقهُ على الدفاع. هذا الرَقمُ وحده كافٍ ليَدُقَّ ناقوسَ الخطر، ليس في واشنطن فقط، بل في العواصم والأسواق التي ترتبط عملاتها واحتياطاتها بالدولار.
اللافت أنَّ هذه الأزمة لم تنشأ فجأة، ولا يُمكِنُ تحميلها لإدارةٍ واحدة أو حزبٍ بعينه. فمنذ ثمانينيات القرن الفائت، ترسَّخَ في السياسة الأميركية اعتقادٌ مفاده أنَّ “العجزَ لا يهم”. الجمهوريون استخدموا هذا الشعار لتبرير تخفيضاتٍ ضريبية واسعة، والديموقراطيون لجؤوا إليه لتمويل برامج إنفاق طموحة. وبين هذا وذاك، اعتادَ المستثمرون على بيئةِ أسعار فائدة مُتدنّية جعلت الاقتراض يبدو بلا مخاطر.
لكنَّ الأسواق لا تنام إلى الأبد. خلال السنوات القليلة الماضية، تغيَّرَ المزاج. السندات الأميركية لم تَعُد تُعامَلُ باعتبارها ملاذًا مضمونًا بلا شروط. المستثمرون باتوا يطلبون عوائد أعلى، ليس فقط بسبب التضخُّم، بل بسببِ القلق من فوضى السياسة المالية، والضغوط على استقلال البنك المركزي، وغياب أيّ خطة جدّية لوقف نزيف العجز.
هذا التحوُّلُ له دلالاتٌ عميقة للعالم العربي. فالعديدُ من الدول العربية تحتفظُ بجُزءٍ كبير من احتياطاتها بالدولار أو السندات الأميركية. أيُّ اهتزازٍ في الثقة بالدين الأميركي ينعكسُ فورًا على أسواق العملات، وأسعار النفط، وتدفقات رؤوس الأموال. كما إنَّ ارتفاع الفائدة الأميركية يضغطُ على الاقتصادات الناشئة، ويرفعُ كلفةَ الاقتراض، ويُعيدُ إلى الواجهة شبح أزمات الديون في دولٍ تعتمد على التمويل الخارجي.
في واشنطن، ما زال الرهان قائمًا على “النمو المعجزة”. هناك من يَعتقدُ أنَّ الذكاءَ الاصطناعي سيقودُ طفرةً إنتاجية تُعيدُ ضبطَ الحسابات وتُخفِّفُ عبءَ الدَّين. هذا مُمكِنٌ نظريًا، لكنه رهانٌ عالي المخاطر. فالتاريخ الاقتصادي يُعلِّمنا أنَّ الصدمات —حروب، أوبئة، أزمات مالية، كوارث مناخية— تأتي دائمًا في أسوَإِ توقيت. وإذا جاءت الصدمة التالية بينما الدَّين مُرتفع والفائدة عالية والسياسة مشلولة، فإنَّ هامشَ المناورة سيكونُ محدودًا للغاية.
في مثل هذا السيناريو، الخياراتُ المُتاحة كلُّها مُرّة: تقشُّفٌ يضغطُ على النمو، تضخُّمٌ يُضعِفُ القوة الشرائية ويضربُ المُدَّخرات، أو ما يُعرَف بـ”القمع المالي” حيث تُجبَرُ البنوك وصناديق التقاعد على تمويل الدولة بشروطٍ غير سوقية. هذه أدواتٌ كثيرًا ما رأيناها في اقتصاداتٍ ناشئة (ولبنان أفضل مثال)، لا في الدولة التي تقود النظام المالي العالمي.
الخطرُ الأكبر لا يَكمُنُ فقط في أزمةٍ مالية مُحتملة، بل في ما تعنيه للدور الأميركي عالميًا. فالتاريخُ واضح: لا توجَدُ عُملةٌ مُهَيمِنة بلا دولة قوية ماليًا وسياسيًا خلفها. حين تآكلت مالية إسبانيا في القرن السادس عشر، ثم هولندا، ثم بريطانيا لاحقًا، تراجع نفوذ عملاتها بالتوازي مع تراجع قوتها.
قد تتجنّبُ الولايات المتحدة الأسوأ، وقد ينجحُ رهان النمو. لكن ما يجري اليوم هو مقامرةٌ كبيرة على مستقبل الاقتصاد العالمي. تجاهُل الدَّين، كما اعتادت واشنطن، لم يَعُد سياسة، بل مخاطرة. وبالنسبة إلى العالم العربي، الذي يتعامل يوميًا مع تقلّبات الدولار وأسعار الفائدة الأميركية، فإنَّ مراقبة هذا المسار لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية.
الفاتورة التي جرى تأجيلها طويلًا تقترب من الاستحقاق. والسؤال لم يَعُد: هل ستُدفَع؟ بل كيف، ومَن سيتحمَّلُ الكلفة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادرَين من لندن. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabarielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



