نزيهةٌ وشَريفة مُهَدَّدتان

راشد فايد*

كلّما اقتربَ موعدُ الإنتخابات التشريعية في لبنان فاضَ الكلام في شأن مشاركة المنظّمات المعنية، من رسمية وأهلية، محلية ودولية، في مراقبة سلامتها القانونية، ومدى تنزيهها عن الفساد والرشاوى، وما إلى ذلك من معايب اعتادتها شعوب العالم الثالث، وحتى الأرقى منها، وحتى ممارستها، لا سيما، إننا، كلبنانيين، اعتدنا على استنباطِ الثغرات في أيِّ نصٍّ قانوني، للنفاذ منها إلى لَيِّ رقبة الحقيقة عن مسارها، ولو على حساب مصالحنا كمواطنين، كرمى لعينيّ “الزعيم المُفدّى” “بالروح والدم” من جمهوره الذي كاد ينسى شكله تحت وطأة انشغاله بتثمير عوائد نيابته بعدما سدّد “ثمنها” وعودًا ونقدًا.

سببٌ آخرٌ لتزايد النقاش في شأن مراقبة الإنتخابات، أن لبنان يمر، كعادته، في مرحلة مصيرية فرضها “تفجير” مرفإ بيروت والمجزرة الإنسانية والإقتصادية والمالية والعمرانية التي تسبب بها، فيما أدت المُماحكات السياسية والقضائية، إلى اجتذاب عيون العالم إلى هذه القدرة على اللامبالاة التي تسم ردود الفعل على الفاجعة الوطنية، وأدت ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى إيقاد الأمل في نفوس اللبنانيين، وتوقهم إلى التغيير، ما ولّد مجموعات اعتراضية، تلتقي على الهدف الاستراتيجي، وهو الخلاص من الطبقة السياسية المُهَيمنة، لكنها لم تلتئم، بعد، حول برنامج عمل لكل لبنان، ولا خطة لخوض الإنتخابات.

ذلك لم يمنع النقاش في مشاركة لجان محلية ودولية، في مراقبة الإنتخايات النيابية المقبلة بعد ثلاثة أشهر إن صدق الموعد المعتمد وهو 15 أيار/مايو، فحتى الآن لا يملك أيّ مسؤول القدرة على تأكيد نهائية الموعد، وتلتقي غالبية اللبنانيين عند التخوّف من حدثٍ أمني قد يطيح به، وتنطلق الفرضيات من انفجار محلي أمني إلى اشتعال حرب مع اسرائيل. برغم الغموض لا يغيب دور المراقبة على الانتخابات عن النقاشات والندوات. فالمراقبة الانتخابية، لا سيما الدولية باتت  آلية مهمة لضمان نزاهة الأنتخابات في البلدان التي تمر بتحول نحو الديموقراطية أو في المجتمعات التي مرّت بصراعٍ وهي تتمتع اليوم بقبولٍ عالمي تقريبًا ، وتساعد على رفع ثقة الناخب وتقييم شرعية العملية الأنتخابية ومحصلتها.

لكن، هل هذه المراقبة، برغم “هيبتها” المعنوية، توصل البلاد إلى انتخابات ” شريفة ونزيهة وعفيفة” على ما يقول الناس؟

تجري المراقبة الانتخابية اعتياديًا، عندما تكون هناك مخاوف على الحرية والنزاهة، وهي متوافرة في لبنان، حيث تتحلّل الدولة ببطء، وتُسيطر عليها الدويلة التي تتمتّع بأدوارٍ لا تتوافر للدولة الأم، وأحدثها “تجارة” الصواريخ الدقيقة والطائرات المُسيّرة. وتدل الإنتخابات النيابية السابقة في لبنان على أن اللجان الدولية والمحلية ضرورية لكنها غير كافية، فعملها يُغطّي، عمليًّاً، المساحة الممتدة من بوابة مركز الإقتراع إلى قلم الانتخاب، أما خارج الخطّين فلا يدخل في مهامها، وتاليًا لا تطَّلع اللجان على صناديق الإقتراع المُستَبدَلة أو المضافة لمصلحة مرشح بعينه، كما شهدنا في الإنتخابات الأخيرة، كما لا تعرف ما سيجري تحت جنح انقطاعٍ مُفاجئ للكهرباء، باسم تقنين المازوت، أو مفتعل بحججٍ واهية.

الأسوأ من ذلك، أن اللجان لم يسبق، في ما كان من تجارب في لبنان، وغيره، أن ملكت وثائق، ورقية أو مُسجلة صوتُا أو صورة أسندت بها ما يصلها من معلومات عن ترهيب وترويع المواطنين، أو تهديدهم في مصادر عيشهم ليؤيدوا مرشحي “السلطة” القائمة، أو الميدانية، تحت وطأة نبذهم مُجتمعيًا. وهم، بسبب ذلك، يكادون أن يستنتجوا أن المراقبة الدولية تمنح الشرعية لأنتخابات غير شرعية.

هذه حالة بوجوه متعددة، تؤدي إلى ما هو مؤكد لدى كل الشعوب: الأساس في نزاهة الإنتخابات هو حرية الناخب في إشهار اختياره، ودربه إليه ليس لجان المراقبة بل عدم تردده ورفض خضوعه للمتسلطين، ميليشيا وسرايا.

  • راشد فايد هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني. يُمكن متابعته عبر تويتر على: @RachedFayed
  • يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى