الأَزمَةُ الأوكرانية … هل تُمَهِّدُ لحربٍ باردةٍ جديدة؟!

الدكتور ناصيف حتّي*

تصاعُد حِدّة الأزمة الأوكرانية يُعيدُ إلى واجهةِ الأحداثِ عودَةُ مَنطقِ الحربِ الباردة، ولو انتهت الثنائية القطبية العقائدية والاستراتيجية التى قام على أساسها نظام الحرب الباردة. النظام الذى انتهى بسقوط الاتحاد السوفياتي بالضربة القاضية. رُغمَ تغييرِ الأولويّات على صعيدِ السياسات العالمية وكذلك توازن القوى مع تغيير أوزان بعض اللاعبين الأساسيين مُقارنةً مع الماضي، تستمرّ لعبة التنافس على مناطق النفوذ، سواء ارتفعت أو انخفضت حدّتها فى مرحلةٍ أو فى أخرى. لعبةٌ تحمل عناوين مختلفة وتعكس مصالح قديمة وأخرى جديدة شكّلت كلها ديناميات ما يُعرَف بنظامِ ما بعد “بعد الحرب الباردة”. النظام الذي لم يستقر بعد فى قواعده وأنماط علاقاته حتى الآن. واشنطن تحاول التمدّد مُباشرةً أوّلًا ثم تعزيز هذا التمدّد لاحقًا عبر منظمة حلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا الاتحادية أو مناطق النفوذ السوفياتي سابقًا. يأتي ذلك فى إطارِ التنافس المستمر مع موسكو على “الإرث” السوفياتي.

الدخول الصينى فى هذه اللعبة جاء ليدعم روسيا فى إطار لعبة التنافس المُتوتّر حاليًا بين واشنطن وبكين. من مظاهر هذا الدعم توقيع اتفاق تعاون أمني روسي-صيني جديد منذ أيام. الموقف الأوروبي، ولو أن هناك بعض التمايزات، لا يخرج عن الإجماع المبدئي فى إطار الاتحاد الأوروبي في دعم الحليف الأميركي. ويظهر ذلك أيضًا عبر موقف منظمة حلف شمال الأطلسي. لكن لأوروبا مصلحةً مباشرة وأساسية فى وقف التصعيد الذي قد يؤدي حسب احد السيناريوهات المتداولة إلى حربٍ روسية، بشكل أو بآخر، يكون الردّ الغربي عليها ب”سلاح” الديبلوماسية والاقتصاد والسياسة. الأمر الذي يُعرِّضُ المصالح الحيوية للجميع للخطر ولو بأشكالٍ وبدرجاتٍ مختلفة. نسمع ونقرأ فى هذا السياق عن بلورة ما يعرف ب”الخطة باء”، كأن يتم البحث فى استيراد الغاز من قطر وأذربيجان وغيرهما كبديلٍ من الغاز الروسي، فيما يجري، في الجهة المقابلة، تداولُ سيناريو يتعلّق بمشروعٍ جديد لتصدير روسيا للطاقة إلى الصين الشعبية إذا خسرت السوق الأوروبية.

تركيا التي تربطها بأوكرانيا علاقات تعاون وثيقة تعمل للتوسّط بين كييف وموسكو بدون أن يعني أن ذلك التوسط قد يُلاقي النجاح المطلوب لوجود تحفّظات روسية عديدة فى هذا الخصوص. فرنسا تجهد بشكل خاص، عبر الزيارة الرئاسية الفرنسية إلى كل من موسكو وكييف، بالتنسيق مع ألمانيا لاحتواء التصعيد والبحث عن تسوية سياسية لهذه الأزمة. وللتذكير فإن فرنسا وألمانيا إلى جانب كلٍّ من روسيا وأوكرانيا تُشكّل ما يعرف برباعي النورماندي (نسبة إلى الاجتماع الذى حصل فى النورماندي في العام ٢٠١٤). الاجتماع الذي ضمّ إلى جانب القوتين الأوروبيتين كلٌّ من روسيا وأوكرانيا، والهدف من هذه المجموعة تسوية الخلافات بين الطرفين الأخيرين.

من المطالب الروسية الأساسية فى هذه الأزمة حصولها على تأكيدٍ بعدم انضمام أوكرانيا وجورجيا أيضًا إلى منظمة حلف شمال الأطلسى، الأمر الذى يعني تمدّد النفوذ الأميركي وتمركز واشنطن على حدود منطقة النفوذ الحيوي الروسي. بالطبع ترفض أميركا الطلب الروسى. الكلُّ يُدرِكُ أن التصعيدَ، الذي قد يؤدّي إلى أزمةٍ قد تأخذُ بُعدًا عسكريًا، هو أمرٌ خطيرٌ يُهدِّدُ مَصالحَ جميع الأطراف المعنية. ويبقى البحثُ عن تسويةٍ سياسيةٍ شاملة للمصالح الأساسية للجميع أمرًا مُمكنًا وإن لم يكن سهلًا.

يستدعي ذلك إطلاقَ مسار الحوار المطلوب والمؤدّي إلى تخفيضِ حدّة النزاع. ويتحدّث البعض، ضمن الأفكار المطروحة، عن نموذجِ حلٍّ على الطريقة الفنلندية خلال الحرب الباردة، كأن تكون أوكرانيا “غربية التوجّه والانتماء” السياسي من دون أن تنتمي إلى تحالفٍ عسكري غربي.

فأزمةٌ من هذا النوع بأطرافها وموقعها، إذا لم يتم احتواؤها بنجاحٍ فإن تداعياتها السلبية ستتخطّى القارة القديمة لتلقي بثقلها على الأوضاع العالمية.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، ديبلوماسي متقاعد ووزير خارجية لبنان السابق. كان سابقاً المتحدث الرسمي باسم جامعة الدول العربيةولاحقاً رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم للجامعة لدى منظمة اليونسكو.
  • يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازياً مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى