رحلةُ العنقودِ الشهيَّة في مَعصَرة راشيَّا
هنري زغيب*
في السائد، حين أَتكلَّمُ أَو أَكتبُ عن الإِبداع اللبناني، يَذهب التفكير تلقائيًّا إِلى أَعْلام الشعر والأَدب والفُنُون. ربما لِصِفَتي في الوسط الثقافي. لكنَّ كلامي ليس حَصريًّا بالثقافة. فالإِبداع في لبنان مثمرٌ في الصناعة والزراعة والعلوم وقطاعات أُخرى يعتزُّ بها لبنان.
بعد زيارتي السبْت الأَسبق مَعصرةَ آل غنَّام للزيتون في بعقلين، تهيَّأَتْ لي السبتَ الماضي زيارةُ مَعصرة آل قضماني للعنب ودبس العنب في راشيَّا الوادي، لأَكتشفَ مَعْلَمًا مُشَرِّفًا آخَرَ من الإِبداع الصناعي اللبناني.
نَبلُغ المعصرة على تلَّةٍ أَنوفٍ من راشيا. يستقبلُنا صاحبُها الشاب بهاء قضَماني بترحابٍ هنيٍّ، يُشبه ماركة مَعصَرته Grapeful. نستريح هنيهاتٍ طولُها أُغنيةٌ لفيروز. نُمطرُه أَسئلةً واستفهامات. يدعونا إِلى الجولة العَجَب. نعتمر قبَّعة معقَّمة ونَنتعلُ جِرابًا معقَّمًا، وندخل، مطمئِنِّين إِلى السلامة الصحية التامة. نتْبَع رحلة العنقود: منذ مغادرته القفَص الآتي من الكرْم، إِلى دخوله الآلةَ الأُولى، عبورًا إِلى تفكيكه من غُصَينَاته وبُذُور الحبوب، بلوغًا إِلى عَصْره حتى يَسيل، ويمضي إِلى مُستوعِباتٍ بخاريةٍ عاليةِ الحرارة، وانتهاءً إِلى سَيَلانه دبسًا تَشتاقُهُ الخوابي، وتَنْحني له شهواتُ الـمَذاق.
لكنَّ رحلةَ العنقود ليست سوى المقدِّمة. فالتفصيل الإِبداعي هو في ثمار الرحلة. يعدِّدها لنا بهاء قضَماني بارتياحِ مَن يُقدِّم لوطنه صناعةً مُنتَجاتُها تحمل لبنان إِلى العالم: هي ذي زجاجاتُ الدبْس الشهيّ، الطبيعيِّ كُليًّا فلا سكَّرَ فيه ولا مُكوِّنات مصنَّعة، وها القوالب الصغيرةُ أَلواحٌ ضئيلةٌ بحجْم الكَفّ، جاهزةٌ لنَشْوَة القَضْم، تَغمِزُنا بتَنَوُّع قلوبها: هنا قالَبُ السمْسِم، هنا قالَب الشوكولا، هنا قالَب الحمّص المدقوق، هنا قالَب الفستق، هنا قالَبُ زُبدةٍ غامرةٍ حبوبَ لوز وجوز وكاجو، هنا قالَبُ دبْس السُكَّر الطبيعي والعسل الصافي، هنا قالَب الشوفان والتوت واللوز المطحون، وأَكثر أَكثر بعد، مما يُؤْسفني أَلَّا يتَّسع له مجال التعداد.
هنا نحن، في مَعصَرةٍ نموذجيةٍ كاملةِ الإِجراءات الوقائية والتدابير الصحية، كي تكونَ مُنتجاتُها الشهيةُ شهيةً من دون تحفُّظ. وتبدأُ الفرادة منذ الاسم ذاته، فإِذا الإِنكليزيةُ اشتقَّت من الشُكْر thank صفة thankful، ومن الجمال beauty صفة beautiful، ها بهاء قضَماني من كلمة عنَب grape اشتقَّ لمعصَرته اسم grapeful، عنوانًا لصناعةٍ لبنانيةٍ نالت حتى اليوم عدَدًا مُشَرِّفًا من الجوائز العالَمية والتنويهات الدولية، ما يجعل هذه المعصَرة في راشيَّا اسمًا ناصعًا لمنتجات لبنانية ناصعة.
بهاء قضماني قَضَم كلَّ صعوبةٍ، وانطلَقَ طَموحًا إِلى تنصيع صناعة لبنان، بإِبقائه حيَّةً صناعةَ المعاصر كي لا تَؤُول إِلى انقراض.
مدارسُنا في لبنان، من كلِّ لبنان، فَلْتَحملْ تلامذتَها وتحطَّ بهم في راشيَّا الوادي. إِنَّ فيها مَعْلَمًا لن يَعرفُوهُ من كتُبِهم ومُدَرِّسيهم، بل من زيارةٍ ميدانيةٍ تجعلُهم يعرفون أَنَّ وطنَهم مبدعٌ، فيعتزُّون بأَنْ يكونوا الأَبناءَ المستحقِّين نعمةَ الانتماءِ إِلى لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



