فان غوخ في سَنَتَيه الأَخيرتَين (1 من 2)

منظر باريسي

هنري زغيب*

1886: كانت سنة فاصلة في مسيرة فان غوخ (1853-1890). ذلك أَن مرحلته الباريسية (1886-1888) كانت تحوُّلًا لافتًا في مسيرته الفنية. ففي باريس اكتشف الانطباعيين والانطباعيين الجُدُد، ومحاولات البحث من منظار جديد عن اللون والنور، إذ أَشرقت لوحاته وكانت قبل معتمةً في السنوات السابقة.

في الذكرى 140 (1886-2026) لهذا التحوُّل، هنا نبذة (في حلقتين) عن مقدمة تلك المرحلة قبل انتقاله إلى آرل، وتأثيرات تلك المرحلة على تَطوُّر ريشته.

حديقة باريسية

سنتان باريسيتان

في شباط/فبراير 1886، غادر فان غوخ بلدة آنڤير في بلجيكا وجاء إِلى باريس يلتحق بشقيقه الأَوسط تيو (تيودور: 1857 – 1891) الْكان تاجر لوحات فنية فيها مديرَ غالري بُوسُّو في مونمارتر. وفي حي مونمارتر اكتشف مونيه ورنوار وبيسارو ودوغا وشلة سواهم. ومن تردده على محترف فرنان كورمون، راح يلتقي الرسامين الشباب (تولوز لوتريك وإميل برنار وآخرين)، فتحول من الألوان القاتمة في سنواته الهوالندية إلى ألوان أكثر إشراقًا، واكتشف الأعمال اليابانية ومنمنماته فأَثَّرت في ريشته كذلك.

هكذا باريس حولتْه من رسام واقعي هولندي إلى رسام حديث بألوان مضيئة. وهكذا كانت مرحلة السنتين في باريس تحضيرًا لانتقاله إلى آرل (شباط/فبراير 1888) حيث اندلع أسلوبه الشخصي الذي نعرفه اليوم.

الطاحونة

مغادرة باريس

لكنه ضجر من باريس وضجيجها. بعد سنتين فيها وما كان لها من تأثير بليغ على ريشته، قرر أن يغادرها، تاركًا فيها شقيقه تِـيُـو.

إِلى أَين؟ كان توّاقًا إِلى شمس الجنوب، فقرَّر الانتقال إلى مرسيليا، مدينةِ مُلهمه الفني أَدولف مونْتيتْشِلِّي الذي كان غاب قبل سنتين. عشية الأحد 19 شباط/فبراير 1888، ودّع شقيقه تيو، حمل حقيبته وأحلامه وغادر.

صباح الإثنين، ارتاح إلى مقعده في القطار. وراح يتأَمَّل من النافذة سُهولًا وبيوتًا وناسًا يتمنَّى لو انه يتوقف ليرسم واحدة من تلك اللوحات الطبيعية التي تتوالى أَمامه، فيما القطار يسحب من تحت عجلاته كيلومتراتٍ عاجلةً تلهث من صهيل هذا الحصان البخاري.

يمر قاطع التذاكر سائلًا عن تذكرة هذا الحالم. لا يلتفت ڤِنْسِنْت ڤـان غوخ. يعطيه البطاقة وبقي يتأَمل من نافذة القطار مشاهدَ الناس والبيوت.

يتوقَّف القطار في بساط أَبيض جميلٍ تَنبُتُ منه سطوحُ البيوت ذارفةً ثلْجها حول المحطة. يصدر صوت من المذياع: “ها نحن في محطة آرْل – وقفةٌ 15 دقيقة، نكمل بعدها إِلى مرسيليا”.

باريس عند الفجر

من الثلج الحافي إِلى عطور الربيع

حمل الراكب حقيبتَه، حمَلَ علبة الأَلوان وفراشيها، حمل إِرهاقًا مضْنيًا في جسَده وشوقًا إِلى جرعةٍ من الشاي الأَزرق (الأَبْسِنْت) الـمُسْكِر الـمُخدِّر الذي يُدمنه منذ فترة طويلة حتى بات يَهدُّ صحته، وترجَّل من المقطورة. لحدْسٍ لم يفهَمْه، غيَّر رأْيه عن الذهاب إِلى مرسيليا، وقرَّر البقاء في مدينة آرْل (قبل 90 كلم عن مرسيليا)، غير مدركٍ أَن القدَر يُهيِّئُ له فيه مأْساتين.

أَيامًا قضى يتنقَّل من فندقٍ إِلى غرفةٍ مستعارة إِلى بيتٍ موقَّتٍ متسكِّعًا متجوِّلًا راسمًا مناظرَ، مشاهدَ، وُجوهًا، ملامحَ أَشخاصٍ بأُسلوبه الخاص الذي بات يُعرف به ولو انه لم يُسعفْه في بيع لوحاته. ثم أَرسل له شقيقه تِيُو من ﭘـاريس مبلغًا ساعده على استئْجار منزل، راح يرسمه بشغَفٍ وتكرَّر في لوحاته باسم “البيت الأَصفر”.

ذاب الشتاء آخذًا معه صقيع الثلج الصامت، حتى إِذا وصل الربيع بباقات الحقول وأُضمومات البساتين، ابتسمَت شفاهُ الليالي عن نجوم تتكوكب كلَّ ليلة بثريَّات تغمز العاشقين في سماء آرْل، فراح ڤـان غوخ يخرج ليلًا، حاملًا ريشته وأَلوانه، متفقِّدًّا نواحي غيرَ بخيلةٍ بجمال المدى عمقًا وفضاءً.

ما الذي كان ينتظره في آرل؟

التتمة في الحلقة المقبلة.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى