أُمسية وفاء في حضرة وليد غلمية
هنري زغيب*
لائقًا كان “مُتحف سُرسُق” في تهيئة الاحتفال بوليد غلمية على أَعلى مستوى من الاحتراف الفني والتقْني.
ووفيًّا كان كلامُ هبة القوَّاس في إِعدادها أَرقى ما يُعَدُّ في مناسبة استثنائية.
ومؤَثِّرًا كان حضورُ إِلهام وليد غلمية في مقدِّمة الحضور، تُتابع موسيقى زوجها المبْدع.
ها نحن ننتظر أَن يصل “الوليد”. فالاحتفال استذكارُه بإِطلاق أَنشطة 2026 الموسيقية “عام وليد غلمية”.
صمتٌ واسع عميق.. ترتقي المسرح هبة القوّاس، رئيسةُ المعهد الوطني العالي للموسيقى/الكونسرفاتوار منذ 2022، تُعلن وفاءَها في إِيمان: “عظيمٌ هذا الشوقُ الغافي في حنايا الروح.. عظيمٌ فقدانُنا حضورًا لم يغِب.. عظيمٌ حضورُه في الغياب، وأَنا اليوم في موقع المسؤُولية عن مؤَسسة أَعاد بناءَها وليد غلمية.. ومن موقع هذه المسؤُولية المؤَسسية، أُعطي لي أَن أَعود إِلى إِرثِ مُرشدي، ليكون لبنان هو المكان الذي يصونُ هذا الإِرثَ، ويعيدُ إِلى الحياة مؤَسستَه الوطنية للموسيقى”.
تنطفئ الأَنوار.. يدخل قائد الأُوركسترا الوطنية اللبنانية الفيلْهارمونية المايسترو هاروت فازليان.. يرفع عصا القيادة.. تَهزَجُ الأُوركسترا بالحركة الثالثة من سمفونْيا “الشهيد”.. فاصل قصير، ويبدأُ الصباحُ الموسيقيُّ يطلُّ من آهةِ نايٍ بعيدٍ، يقتربُ ليُعلنَ “الفجر” (السمفونْيا السادسة والأَخيرة من مؤَلفات المحتفى به).
صخْب موسيقي.. ثم هدْآت موسيقية.. ثم تموُّجات موسيقية، مع أَربع حركات تلك السمفونْيا الجميلة تأْليفًا وجوًّا ومُناخات.. وفيما أُتابع سمفونْياهُ، تتداعى إِلى بالي سمفونْياتُه الخمسُ السَابقة: “القادسية”، “المتنبي”، “اليرموك”، “الشهيد”، “المواكب”، وما أَعرف، من صداقتي الطويلة معه، كم كان الضنى عميقًا وهو يؤَلِّفُها في تقْنية وفنية عاليَتَين.
تتابع الأُوركسترا أَداءَها.. تتداعى إِلى بالي ظروفُ تشكيلها سنة 1999 “أُوركسترا سمفونيَّة”، ثم سنة 2009 “أُوركسترا فيلْهارمونية”.. وكان “الوليد” قبلذاك أَسس سنة 2000 “الأُوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية”.. فترتئِذٍ، قبل رُبع قرن، أَخذ الجمهور يتدرَّج بحضور تلك الأُمسيات الموسيقية، غربيِّها والشرقي، من جمهور ضئيلٍ أَوَّلًا، بلغَ سريعًا أَن تضيقَ به الصالاتُ، حتى أَوسعُها، بعدما أَدخل وليد غلمية الجمهور اللبناني إِلى عادة حضور الأُمسيات الموسيقية، وكان قبلًا غيرَ مقْبل عليها بهذا الاعتياد.. وهنا فضل هذا المبدع الكبير في إِدخال الأُمسيات الموسيقية الدورية إِلى مواعيد الجمهور اللبناني.
أَعود إِلى باحة متحف سُرسُق.. تنطُق عصا هاروت فازليان بالنوطة الأَخيرة.. تضجُّ الباحةُ بتصفيقٍ حارٍّ فَرَحًا بالاحتفال الرائع وبالمناسبة وصاحبها.. يبدأُ الجمهور بالمغادرة.. تبقى في مقْعدها سيدةٌ جليلةٌ متَّشحةٌ بالصمت، تَنتظر وصولَ زوجها كما العادة بعد كل أُمسية يقودُها.. تتأَمَّل آخرَ موسيقيٍّ يغادر المسرح.. تحملُ حقيبةَ يدها وتقِف.. ها هو وصل.. ولاحظَ الجمهورُ المغادر وجهًا مضيئًا بالنوستالجيا في دفْء الحنان والحنين.. جميعُهم عرفوا وجهها يعانقُ غيابًا أَقوى من الحضور..
إِنه وجه السيدة إِلهام وليد غلمية.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



