هِلِن طروادة: الحورية والأُسطورة (1 من 5)

هنري زغيب*
في الميثولوجيا اليونانية، وتحديدًا في “أُوديسَّة” هوميروس، أَنَّ هِلِن ولدَت من بيضةٍ نتجت عن زواج كبير الآلهة زوس من ليدا ملكة سْبارطة. نشأَت هِلِن في سْبارطة، واشتُهرت بأَنها أَجمل امرأَة في الكَون. يُعزى إِليها نُشُوب حرب طروادة الأُسطورية التاريخية بين الإِغريق (الآخيين) وشعب طروادة (حاليًّا: الأَناضول التركية).
مهابة وعبادة
في بعض المراجع تدعى “هِلِن سْبارطة”. وسبب الحرب أَن “پـارِس” أَمير طروادة خطفها وهرب بها، وهي كانت زوجة ميليناس ملك سْبارطة. عندها طلب هذا الأَخير من أَخيه أَغاممنون (ملك ميسينا) أن يجنِّدَ جيشًا كثيفًا يحاصر مدينة طروادة المنيعة من أَجل أَن يستردَّ زوجته هِلِن. وبانتصار الجيش الإغريقي، عادت هِلِن مع زوجها ميليناس، لكنها باتت موضع كُرْه من الشعب الذي اعتبرها خائنةً وساقطة أَخلاقيًّا ومسبِّبَةَ الأَخطار، جعلَت شهوتها تتغلَّب على المنطق والعقل والأَخلاق.
وبالرغم من هذه الصورة السيِّئة في الآداب والفنون التي عالجت قصتها، بقيَتْ لها المهابةُ الإِلهية وظَلَّت موضع عبادة لدى عدد من المعابد اليونانية، أَبرزها في رودس وسْبارطة وتيرابنيه (وفي الأَخير ضريح هِلِن وميليناس).

مولودة من… بيضة
وفي ولادة هِلِن أن زوس تحوَّلَ بجعًا وأغرى ليدا (ملكة سبارطة وزوجة تِنْدار ملك سْبارطة) فتزوَّجها. ومن تلك العلاقة العاطفية وُلدَت هِلِن. وفي نسخة أُخرى من الميثولوجيا، أن والدة هِلِن ليست ليدا بل نيميسيس إِلهة العُقُوبات. على أيِّ حال، في كلتا النسختَيْن، يبقى أَن هِلِن وُلِدَت من بيضةٍ في سْبارطة. والسائد أَنَّ لها شقيقين توأمين: كاستور وپولوكس، وشقيقة واحدة: كْليمْنِسْتِر (تزوَّجها لاحقًا آغاممنون ملك ميسينا). ويُروى أَنَّ تِنْدار، ملك سْبارطة، قدَّم الأضاحي للآلهة لكنه… نسيَ أَفروديت فغضِبَت واضمرت أن تقع بنات الملك في شهرة التهمة بحالات الخيانة.
من هنا أن هِلِن، في صباها النضِر، كان جمالها عيئًا عليها بل لعنة: تقدم منها شبان كثيرون طالبينها للزواج، لكنها اختارت أن تتزوج مينيلاس ملك سْبارطة وشقيق أَغاممنون. وفي عقد الزواج، ضحَّى تِندار بحصان، وجعلَ جميع القادة الأغارقة يعترفون بـهِلِن زوجةً شرعيةً للملك مينيلاس وبأَن يحفظوا ابنتها من كل شر. وكانت لهذا الطلب تبِعات سيئة إِبَّان الحرب. وولدت من زواج هِلِن ومينيلاس ابنة واحدة: هرميون، وثلاثة أبناء: پليستان، آيْتِيولاس، موارافيوس.

الجميلة والمكروهة معًا
وكان سائدًا أَنَّ هِلِن أجمل النساء بين البشر. والشاعر الإِغريقي هيزْيود، معاصر هوميروس، وصفها في كتابه “الأعمال والأيام” بأنها “الجميلة ذات الشعر الأشقر”، وهوميروس وصفها مرارًا في “الأُوديسة” و”الإِلياذة” بأَنها “الجميلة الوجه والشعر” و”أنبل النساء”، و”المرأة ذات اليدين الصوَّانيَّتَين”، و”المرأَة المكروهة”.
وفي السائد أَيضًا أَن تيزيه، البطل الأَثيني الأُسطوري وأَول ملك على أثينا، خطف الطفلة هِلِن وردَّها إِلى أُمها كي تربيها حتى تصبح صبية. وحين شبَّت، أحبت الصيد والصراع، وعند الضرورة كان شقيقاها ينقذانها. ولهذه الغاية، هاجما شبه جزبيرة الأَتِّيكْ ما جعل تيزيه يهرب إلى جزيرة سْكيرُوس الإِيجيَّة. من هنا القول إن جمال هِلِن لم يكن نعمة عليها بل لعنة.
الحلقة الثانية: عملية “پارِس” سبب اندلاع حرب طروادة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.