“الرسائل المصرية”: حين كانت القاهرة تصنع أحلام العرب… وحين انكفأت

في مراجعة لكتاب “الرسائل المصرية” للصحافِيَين اللبنانيَين فيصل جلول وسامي كليب، الصادر عن دار هاشم للكتب والنشر في كانون الثاني (يناير) 2026، تستعيد سوسن أبوظهر زمنًا صنعت فيه مصر وجدان العرب وثقافتهم وأحلامهم القومية، وتتساءل عمّا بقي من ذلك الدور في زمن الانكفاء والانقسام.

غلاف الكتاب.

سوسن أبوظهر*

في زمنٍ تقهقر اهتمام صنَّاع الكتب بالأغلفة الشادّة للأعيُن والمحرِّكة للحواس والخيال، وذلك تقنينًا للنفقات والوقت، وتناسيًا لحقيقة أنَّ الغلاف باب الكتاب الورقي، جاءت رسمة كولاج التشكيلي والأكاديمي المصري مراد درويش نسيمًا منعشًا يُغري بـالجمال ويُناصره، وأفضل مدخل إلى متن رسائل فيصل جلول وسامي كليب المصرية. كأنَّ هذا الغلاف بأناقة حقبة الأبيض والأسود وما تفيض به من نوستالجيا، قصيدة حب بصَرية لـ”المحروسة” عمومًا وقاهرتها خصوصًا حيث ال”توكتوك” وشارع طلعت حرب وأسد كوبري قصر النيل وتمثال أم كلثوم في الزمالك وأشجار وارفة من الماضي اقتلعها الحاضر لكنه لا يلغي تاريخًا من الاخضرار والألوان في “أوبافيون دي فلوريل” في الإسكندرية. لعلَّ الحنين كاتب إضافي في الكتاب أو محرر ثالث له.

خطَّ 24 كاتبًا وكاتبة، بينهما المحرران جلول وكليب، “الرسائل المصرية” الصادرة عن “دار هاشم” في ستة أبواب عن المدن والفنون والثقافة وصولًا إلى السياسات والتاريخ والروحانيات. ولا بدَّ من تسجيل أنَّ المؤرخ الفرنسي جان تولار عُدَّ عربيًا في تعداد المساهمين والمساهِمات من مختلف أقطار المشرق والمغرب وشبه الجزيرة العربية، بنصّه عن حملة نابليون بونابرت على مصر المنشور عام 1983 والذي ترجمه جلول ونايلة نصر. ويمكن اعتبار أنَّ تصنيفه لم يكن سهوًا، فالهوية ليست مفهومًا جامدًا ضيّقًا، والانتماء إلى مصر لا تختزله الوثائق الرسمية، بدليل ذِكر المُحرِّرَين سعاد حسني السورية الأصل ضمن أساطير السينما المصرية، والسوريَين فريد الأطرش وشقيقته أسمهان ووردة الجزائرية بين أيقونات الفن القاهري.

وفي كل الأحوال، رسمَت مغامرة الامبراطور الفرنسي، بما فيها من “سحر رومانسي” وأثر في “بلورة خطاب الإمبريالية الليبرالية” (ص 156)، بداية زمنية للرسائل بسياقها الاستراتيجي. حينذاك، قبل مفهوم العروبة الأحدث، كانت “الأخُوّة الإسلامية”، في نص لطفي نعمان “تثوير وتنوير – الحملة الفرنسية في بلاد النيل”، متوجِّسة من “استيلاء طائفة من الفرنجة، يُقال لهم الفرنسيس، على الديار المصرية جميعها، ووصولهم إلى القاهرة، وحكمهم على مَن بتلك الديار مِن المسلمين، وذلك خَطب لم يُصب الإسلام بمثله” (ص 170). أما نابوليون نفسه فحاضرٌ في رسالة سياسية وفلسفية ليونس أبو أيوب. وفيها سأل الغازي الفرنسي الإسكندرية إنْ كانت تراه “صليبيًا آخر يسعى وراء الثراء والسُلطة” (ص 43) ليردَّ محمد علي باشا بأنَّ “الحرية لا تُكتسب باستبدال سيّد بآخر” (ص 44).

ذروة الرسائل في حقبة ما بعد انتصار ثورة الضباط الأحرار عام 1953 حتى بدا كأنَّها عن شخص جمال عبد الناصر حصرًا في معظم النصوص، في الجوانب السياسية والقومية، والذكريات الخاصة كمِثل حزن والد حسين أيوب، اللبناني الجنوبي، لدى إعلان وفاة الزعيم المصري، حتى ظنَّ الكاتب، وكان طفلًا في الخامسة، أنَّ الفقيد أحد أقرب الأصدقاء (ص 76). توازيًا، فإنَّ الرؤساء اللاحقين غير حاضرين، وإن سُمّي أنور السادات أكثر من نظيرَيه لكونه الأقرب زمنيًا إلى الناصرية ونقيضها في ما ليس المجال للتطرُّق إليه هنا. وتاليًا تغيبُ اللحظة الجيواستراتيجية الراهنة، خصوصًا ما بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، إلّا في إطارات شخصية كذِكر سامي كليب الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، مُقارنًا إياها بصوَر النكسة عام 1967، ومعها “زلزال انهيار نظام الأسد” و”التدمير الهائل الذي أصاب غزة في حرب الإبادة” (ص 21) كخلفية لإقامته في القاهرة.

في المقابل، عادَ الجانب الوجداني للنصوص إلى أقدم فصول الحضارة، مع “فجر البشرية” و”أول حكومة مركزية في التاريخ” كما كتَب كليب (ص 35).

ويمكن الاستنتاج أنَّ المُحرِّرَين منحا أصحاب الرسائل وصاحباتها مُطلق الحرية في اختيار أسلوب الكتابة، من حميمية البوح ودفء التجارب والحكايات وألَق الأدب، إلى شبه أبحاث خلَت من أيِّ بُعد خاص وتجربة مُعاشة مع مصر وفيها، وذلك ليس تقليلًا من شأنها إذ تضمَّنَت جرعات دسمة من السرد التاريخي والأرقام والمعلومات المفيدة. هذه حال نص محمد حسب الرسول عن وشائج النيل والنوبة والشِعر مع السودان الذي احتضن بحيرة السد العالي في أراضيه برغم خسارته آثارًا نوبية وتهجير 45  ألف شخص بنتيجة ذلك (ص 251)؛ وعرض كريم إفراق أحمد لـ”قرون من الشغف والأحلام والرهانات المغربية” على مصر وتبادل التأثير من قبيل بصمات العمارة المغربية في تشييد الأزهر وتنميقه وتولي الشيخ محمد بن الحسين ابن العطار، وهو من أهل المغرب، إمامته (ص 264) ودخول آلة حجرية للطباعة مدينة مكناس ثم فاس من القاهرة (ص 265)، وصولًا إلى مشاركة الملك محمد الخامس في وضع الحجر الأساس للسد العالي (ص 268)؛ وما كتبَ شاكر نوري عن “مصريي العراق”. أما دراسة نجاح زيدان عن “الآثار البنيوية للاقتصاد الناصري في جمهورية مصر العربية”، فأغفلت ربط نهج عبد الناصر الاقتصادي، وهو “الأفضل بعد مرور أكثر من نصف قرن على غيابه” (ص 123)، في التأثير على العرب.

في عشق مصر… وطن ثانٍ عابر للحدود

مع ذلك، من النادر أنْ نقع على نصٍ في الكتاب، حتى الأكثر دسامة سياسيًا، يخلو من الوَلَه بمصر، فهي بمثابة وطن روحي خارج ذاك الأم، أقام كتاب وكاتبات فيه جسديًا، أو بالفكر والخيال تأثرًا بقوة “المحروسة” الناعمة التي ألهمت المشرق والمغرب والخليج بالغناء والشعر والأدب والتمثيل. ألم يكتب الجزائري ضيف حمزة ضيف أنَّ “مصر تغنيك عما سواها، طالما أنك غير منحاز بشكل مرَضِي أو إيديولوجي لبلدك”؟ (ص 273). وبنتيجة ذلك لا نغالي إذا صنَّفنا اللهجة المصرية لساناً رديفاً للفصحى لدى كثيرين وكثيرات، بينهم والدته التي تطبَّعت بـ”التمصرُن الإرادي” من المسلسلات، ولولا القرآن وخُطب الجمعة لَمَا كان لها رابط بلغة الضاد (ص 274). وهكذا باتت المصرية لغةً “تُكتب وتُفهم […] مكان اللهجة الأصلية […] المختلطة بعبارات فرنسية كاملة […] تسرَّبت بحُكم المدارس التي ورثناها عن الاحتلال الفرنسي الذي كان يُجرِّم التكلم بالعربية” (ص 275). أما أنا فاستعدتُ لدى التهامي نص ضيف الفائض بحب مصر، موقفًا لا أنساه من عام 2009 في الأوراس بولاية باتنة الجزائرية. حين عجزتُ عن التواصل مع امرأة وصلَني دفء ترحيبها من دون معنى بعض مفرداتها السريعة الإيقاع، سألتُها إنْ كانت تجيد المصرية، وإذ أومأت برأسها إيجابًا، بدأنا بها حديثاً ملؤه الود. لم يخطر لي التحاور معها بالفصحى التي أعشقها إذ بدت لي غير متناسقة مع لحظة الترابط الإنساني البسيطة والحميمة في آن.

إلى ذلك، “التاريخ هنا [في القاهرة] مُعاشٌ يوميًا” (ص 90)، كتبت بيسان طي. خان الخليلي الذي قارنه سامي كليب بـ”نبض القلب” لما فيه من “حركة دائمة لا تتوقف”، (ص 28) نقلَ الكتاب والكاتبات والقراء والقارئات، بالوعي واللا وعي، إلى عوالم نجيب محفوظ الحاضر في وصف المكان الضاج بزحام الأصوات وعبق الروائح، حتى خُيّل إلى كليب أنه من شخصياته؛ بينما رأت لورا أبو حلا ذاتها داخل مشهد سينمائي يديره يوسف شاهين (ص 95). ووجهت وداد طه رسالتها إلى النيل المنصهر بمدينته، ناسه ونسائه، “هنَّ محمَّلات بالإرث القيمي، والهم الوجودي المعاصر، وهو محمَّلٌ بالحضارة وبعبء التغيرات السياسية والمناخية الهائلة” (ص 319).

وفي مصر، “البلد الوحيد الذي ذُكر صراحة في القرآن الكريم خمس مرات” (ص 308)، “تتوضّأ الأرواح” في جامع الحسين، وعند السيدة زينب تتجسد “الأمومة على هيئة مقام” (ص 67)، من نص رولا بحسون المخطوط بخشوع الصلاة. ووسط لهاث الحياة، “ترافِق الشمس تراتيل الكنائس ويرتاح الصباح فوق قباب الأزهر” (ص 33)، والأخير مزيج من “الجامع والجامعة، الأصالة والحداثة، الدين والمجتمع […]” (ص 203).

أبعد من ذلك، الأزهر مؤسسة سياسية سيادية. فشل نابوليون في احتوائه، فقُصف الجامع واقتُحم (ص 209)، ثم قاوم البريطانيين، و”تمكنَّ في بعض الفترات من فرض إرادته على السلطة، إلى حد عزل بعض الحُكام، أو إجبارهم على التراجع عن قرارات مُجحفة” (ص 208).

ولا شك إنه من معالم قوة مصر الناعمة، بدليل تأثيره، أو “تأهيله”، في استعادة لعنوان الكتاب، لخريجيه “قادة، روادًا، باحثين، أساتذة جامعيين، مهندسين، صحافيين وفاعلين في مجالات الفكر، السياسة والدين”، وبين هؤلاء الجزائري محمد بوخروبة، وهو ليس إلّا الرئيس هواري بومدين (ص 211). وكذلك انتشاره خارج بلده الأم، كما في أزهر البقاع إلى حيث انتسب عمر كايد وكتبَ عن تدريس بعض المشايخ المصريين في زيارات سنوية (ص 204). أضِف كوْنه من أدوات التقارب الإسلامي الداخلي والإنساني عامة، ذلك أنَّ مساره المعرفي يشمل “دراسة الأديان والفلسفات المختلفة، إلى جانب المذاهب الإسلامية كافة، بما في ذلك الفقه الجعفري. فالدين في الأزهر لا يُختزل في مذهب […]” (ص 205).

والتصوف “جزء أصيل من المنهج الأزهري” (ص 207). والصوفية شديدة الالتصاق بالروح المصرية إلى درجة يُشعرنا الكتاب بأنها وطنٌ للأرواح ومسْكن عابر للحدود. إلى طنطا، “أحد أهم المراكز الصوفية في مصر والعالم الإسلامي”، اصطحبنا فيصل جلول في رحلة زهد وتعبُّد وموروثات من التقاليد والأساطير مستمرةٍ منذ القرن الثالث عشر، من سيدي أحمد البدوي إلى الشيخة بدر الصباح التي توفيت عام 1909 بعدما كرَّست أيامها لمساعدة المحتاجين والعليلين. والصوفية أزهرت في مصر، وإن يكن غارسوها من الوافدين إليها، “جلَّ علماء الأمة منذ القرن الأول الهجري” (ص 186). فالبدوي قدم من فاس، وسيدي أبو الحسن الشاذلي المذكور في رسالتين في الكتاب، ارتحل من سبتة وتونس إلى الاسكندرية. وربطَ جلول صديقي في ورقة بحثية صعود الصوفية بالرجوع إلى التدين والعبادة طلبًا لـ”قوة عليا” توفر الاطمئنان والسكينة الروحية بعد تشظي العالم الإسلامي وانقسامه وصولًا إلى سقوط الأندلس، “أول نكبة قبل نكبة فلسطين” (ص 187). واشترك سُنة وشيعة، على مختلف الطرق والمذاهب الصوفية، في الزُهد وحب النبي محمد (ص 194).

والإعجاب بمصر يمتدَّ تلقائياً إلى إنسانها. ذاك العاشق للنكتة، والذي “حين يُعليك عن مقامه، لا يتنازل عن ذاك المقام، بل يُحسن استضافتك” (ص 24). إنه المُتقن لحِرفة السياحة إلى حد التعلُّم الذاتي للروسية أو الألمانية في الغردقة، “البلدة الكوزموبوليتانية”، وفق تعبير حسيبة عتّوت، من حيث انطلقت الطائرات المصرية خلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وفيها يتعايش الروس والأوكرانيون، “يتركون حروبهم […] يضحكون ويرقصون ويثملون معًا […]” (ص 58). وهو سائق التاكسي الذي ذكره سامي كليب ووداد طه كدليل سياحي بالفطرة.

القوة الناعمة… التطبُّع بالصحافة والفنون، “التأهيل” والتعليم

كان كافيًا أن يقرأ حسين أيوب كتابًا لمحمد حسنين هيكل ليقرر أنْ يمتهن الصحافة (ص 77). في اللقاء الأول بعد سنوات، بدا الصحافي المحنَّك رؤيويًا، مشخصًا عِلل الصحافة العربية، كأنه بيننا اليوم. فهي عاجزة عن التكيف مع متطلبات العصر ولا تقدِّم رواية لما وراء الخبر، أو ما سمَّاه هيكل “صحافة القيمة” (ص 79).

في موازاة دور “شوام مصر” في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين في نهضة الصحافة القاهرية، لفتنا أيوب إلى أنَّ الأثر متبادل، بدليل أنَّ جريدة “السفير” اللبنانية نشرت على مدى 43 سنة أقوالًا لعبد الناصر في صدر صفحتها الأخيرة. أبعد من ذلك، الصحافة عمومًا بوصلة زمنها السياسي والاجتماعي، و”منذ أنْ بدأت مصر حقبة التنازلات المجانية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأ العد العكسي لتراجع الصحافة المصرية، ومن بعدها معظم الصحافة العربية […]. كانت خمس عقود كفيلة بخنق الصحافة المصرية. ارتدَّت إلى عالم التدجين السُلطوي، […] انضباط كامل تحت السقوف السياسية التي تقررها شخصيات الأروقة المغلقة” (ص 80). هذا التشخيص المؤلم بدقّته قادَ أيوب إلى رثاء صحف بيروتية أفلَت بينما تقهقرت اللغة وأضحَت السياسية “صنو التفاهة” والثقافة “حفلة علاقات اجتماعية [… و] مستنقعات القيل والقال والابتزاز المكشوف” (ص 81). غير أنَّ المرثية امتدَّت إلى لبنان نفسه ذي الخيارات الجغرافية المحدودة كـ”دولة متحركة تمًّ تركيبها تبعًا لتوازنات الطوائف”، أسيرة “المشهد الرجراج نفسه” منذ القرن التاسع عشر (ص 83)، وفيه تعود كل جماعة لبنانية إلى “القنّ” الطائفي والمذهبي (ص 82).

أما بيسان طي، فـ”ابتلعت” السينما المصرية عوالمها وساهمت في تكوين شخصيتها وقناعاتها وتسريع نُضجها (ص 88)، فأدركت، وهي لا تزال طالبة مدرسة، أنَّ “للمرأة صورة جميلة، حرة وعربية، عذبة وقوية، ونجمة” (ص 86). وفي المقابل، رسمت لورا أبو حلا قاهرةً مستوحاة من أيقونات الشاشة، فهي وجه فاتن حمامة وصوتها، صاخبة وصلبة كنادية لطفي، “ترقص طربًا لكنها ملتزمة بتاريخها، أرضها وناسها كهند رستم” (ص 97).

وحيث أنَّ الأفلام المصرية أعمال سياسية، تعاطفت طي مع شخصيات تواجه “الخطاب المتوحّش في ليبراليته الاقتصادية، أو منظومة عقائدية قمعية […]”. فالسينما في صُلب معارك الحرية والهوية والمقاومة كما زيارة نور الشريف ونادية لطفي لبيروت تواجه الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 (ص 89). وهي كذلك فعلٌ ثقافي ونقدي، ولكن أصابَها ضمور “السنوات العجاف وتمويل بعض التجار” (ص 91) الذي ضرب الصحافة وعرَض له حسين أيوب كما أسلفنا.

ولدى ضيف حمزة ضيف أنًّ فاطمة إبراهيم البلتاجي، أو أم كلثوم، ظاهرة فنية وسياسية، وهو وضعَها في مصاف عبد الناصر، لا بل سمّاها قبله، “في “توفير معبر ثقافي، ورابط سياسي، وأحيانًا ديماغوجي بين المغرب والمشرق” (ص 276).

أما “ثنائي السعادة الثورية”، الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، والتعبير لمحمد كريشان الذي التقاهما مرارًا، فجسَّد “أروع ما كان يختلج في ضمائرنا من حب للعدالة الاجتماعية وفلسطين، وكره للاستبداد، الظلم، الولايات المتحدة وإسرائيل” (ص 256). وهو شهدَ آسفًا عام 1984 “هذه الأسطورة تتهاوى” (ص 258) نتيجة خلافات الرجلين التي كسرت شيئًا داخله وإنْ لم ينقطع عن تذوق فنهما بحنين.

وأبعد من الحضور الرمزي لكتاب وأغنية وفيلم، كانت للقوة الناعمة أذرعها التي عبرَت الحدود جسديًا مثل “بعثات آثارية وتعليمية، مدنية وعسكرية” إلى اليمن (167). وفي هذا البلد تحديدًا، اختلط الجيش التقليدي بذاك “التنويري”. وقارنَ لطفي نعمان “التدخل المصري” نُصرةً لثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962، بذهاب فرنسا إلى “المحروسة” بجيشين، أحدهما مسلح وثانٍ “يحمل الكتب والورق”، والتعبير منسوب إلى عباس محمود العقاد؛ بالقول إنَّ القاهرة أرسلت إلى بلاده عسكرَها و”الخبراء الإداريين، الاقتصاديين، التربويين، الإعلاميين والرياضيين […]” (ص 172).

وفي عنوان علي ناصر محمد، الرئيس السابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أنَّ مصر كانت “تؤهّل وتُدرِّب وتُعد رؤساء اليمن وكوادره” (ص 217). حلم بها طويلًا قبل زيارتها في آذار (مارس) 1965، آتيًا من تعز إلى جامعة الدول العربية لإسماع صوت جنوب اليمن الثائر على الاحتلال البريطاني، و”قد دخلناها بملابسنا الشعبية والعسكرية” (ص 223). وهو أقام في فندق نزل فيه كذلك “القائد الليبي معمر القذافي قبل ثورة الفاتح، ثم بعد أنْ أصبح قائداً للثورة” (ص 222).

بقراءة نص علي ناصر محمد الطافح بعشق عبد الناصر والقاهرة ونيلها وإذاعة صوت العرب، ندرك أنَّ “التأهيل” كان عفويًا كما في اكتشاف كيفية استخدام “الشوكة، السكين، الملعقة، الفوطة […]” (ص 222)؛ وممنهجًا كفهم البروتوكول (ص 225)، والأهم الالتحاق بمدرسة الصاعقة في أنشاص بمحافظة الشرقية، “مصنع الرجال”، وفيها تدريب بدني ونفسي نخبوي إقصائي في قساوته. وإلى تسعة يمنيين هو أحدهم، كان في الدورة الرقم 80، أكثر من 500 متدرب، بينهم فلسطينيون وأفارقة (ص 239)، وشارك كثيرون غيرهم “في الحروب ضد إسرائيل، وفي حرب اليمن، الكونغو، فلسطين، الجزائر، الكونغو، برازفيل […]” (ص 242).

من هنا، فإنَّ عبارة “تأهيل عرب القرن العشرين” في عنوان الكتاب ليست عبثية، فالمقصود أبعد من مجرد التأثير، بل إعطاء الدروس والإصلاح والإعداد كما في التفسير الحرفي للكلمة، وصولًا إلى التدريب والتخطيط والتنفيذ في رؤية المُحرِّرَين فيصل جلول وسامي كليب لـ”ورشة تأهيل عربية عملاقة، انتشر خلالها الأساتذة، والمدرّسون، والخبراء المصريون في كل أنحاء العالم العربي، حيث صنعوا النُخب، وصمَّموا مشاريع النهوض، وبنوا المؤسسات، ووسائل الإعلام، والجيوش، والإدارات، وغيرها” (ص 14).

وكشف ضيف حمزة ضيف أنَّ المعلمين المصريين عملوا بالمجان في الجزائر المستقلة، في شعور قومي “بضرورة عدم ترك بلد عربي خرج لتوه من استعمار […] لا يمنح الجزائريين الحق في إكمال الدراسة بعد الطور الأول” (ص 285). ومنذ ما قبل عهد السُلطان قابوس تواجد في سلطنة عُمان مدرّسون مصريون (ص 299). وإلى اليوم يتعلم طلاب السلطنة وطالباتها اللغة العربية “وفق منهج دراسي وضعه خبراء مصريون”، كما كتب علي بن مسعود المعشني، بعدما كان زكي طليمات ساهم في تأسيس العديد من معاهد الفنون المسرحية والمسارح في دول عربية عدة، بينها الكويت (ص 307). وفي البحرين أسهم المصريون في رفع مستوى التعليم، وفق حسن المرزوق.

ولا يقتصر أثر التعليم المصري كقوة ناعمة على الأقطار العربية في داخلها، بل هو أيضًا أداة استقطاب إلى القاهرة حيث أكمل الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة الإماراتية، تحصيله الجامعي (ص 303).

العروبة، الوحدة والتحرر… أحلام وخيبات؟

القاهرة إذًا “عاصمة المصريين والعرب” (ص 90)، كتبت بيسان طي، لكنَّ العرب أسرى الخلافات والتشظّي بين الأحلاف والمحاور. فبينما كانت مصر وسوريا في خضم التحضير للوحدة بينهما التي وصفتها مرح إبراهيم بأنها “حلم ليلة صيف”، “أعلن العراق والأردن فجأة إقامة اتحاد فيدرالي يضمُّ العرشَين الهاشميَين في بغداد وعمّان، وكأنَّ المقصود إعلان الاتحاد الهاشمي قبل قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا” في 22 شباط (فبراير) 1958 (ص 127) ودوامها 41 شهرًا حتى أفولها في أيلول (سبتمبر) 1960 (ص 129). لم تؤتِ الوحدة ثمارًا اقتصادية في الجانب السوري لأنَّ “البورجوازية المصرية أمعنت في بسط سيطرتها على مشروعات الاستثمار” على حساب نظيرتها الشامية العريقة. كما خسرت دمشق تعدديتها السياسية والحزبية “مُفترضةً أنَّ الخضوع للحزب الواحد قد يفضّ النزاعات ويحل التناقضات الإيديولوجية والسياسية” (ص 130). وفي المقابل، بحسب محمد حسنين هيكل، خاضَ عبد الناصر التجربة الاتحادية بـ”عاطفته، عروبته وخوفه من التهديد التركي لبلاد الشام في ذلك الحين”، لكنه أخفق في مخاطبة العقل السوري (ص 131).

مع ذلك، لا يمكن إنكار أنه جعل مصر “قبلة الثوار والأحرار في الوطن العربي، والعالم الثالث كله” (ص 218)، وأنَّ كلمة منه “كفيلة بهزِّ العروش آنذاك، وانطلاق المظاهرات في أرجاء الوطن العربي […]” (ص 223). وكان رجل المخابرات عزت سليمان بمثابة عينه و”المشرف على ثورات الجزائر، اليمن، ظفار، ليبيا وعمليات سرية أخرى […]” (ص 227)، كما كتبَ علي ناصر محمد. ترجمة لذلك افتُتح مكتب لـ”الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل” عام 1964 في أحد أجمل مباني القاهرة (ص 232)، وقبله كان “مكتب تحرير المغرب العربي” عام 1947 “بقصد تنسيق الجهود لتوحيد النضال الوطني، وممارسة الضغط على الاستعمار الفرنسي الذي كان جاثمًا على كل من المغرب، الجزائر وتونس” (ص 254). واضطلعت “إذاعة صوت العرب” بدور “فعال” في دعم كفاح المغرب لنيل استقلاله (ص 268).

و”شكَّل الفكر القومي الناصري الوعاء السياسي والوحدوي والمؤسسي الدستوري لهياكل الدولة العصرية في بعض أقطار الخليج، كالكويت، البحرين والإمارات” (ص 302)، وفق علي بن مسعود المعشني. ومع أنَّ علاقات عبد الناصر الخليجية شهدت تذبذبًا نتيجة مواقف من قبيل دعمه لانقلاب زنجبار عام 1964 الذي أنهى حكم سلطنة عُمان التاريخي في الجزيرة الأفريقية (ص 299)، فإنَّ حسن المرزوق أشار إلى أنَّ البحرين شهدت التظاهرة الأكبر خليجيًا حزنًا على رحيله (ص 313).

إذًا الناصرية إيديولوجيا نشأت خارج مصر (ص 280)، رديفة للعروبة كقومية وسياسة، وربما كانت منافستها. من هنا ناقش ضيف حمزة ضيف كون أغلب منتقدي عبد الناصر ومبغضيه في الجزائر من الأمازيغ، فهو “يمثِّل العروبة التي يشعرون بأنها قد تهدِّد ما يعتبرونه مصيرهم الثقافي” والهوية “الأمازيغية-الأورومتوسطية” (ص 281). إلى يومنا يعتريهم “الخوف المتنامي والمستمر من التحلل […] كلما شهدوا تأثرًا عروبيًا ناصريًا في الجزائر. لذلك جاهد قسم من مثقفيهم في إثبات ضآلة الدعم الناصري للثورة الجزائرية” (ص 282). تزامنًا، لم يفت ضيف الإقرار بوجود “شعور غير متحضِّر لدى الكثير من العرب تجاه الثقافة المخالفة لهم” (ص 283) كالأمازيغية والكردية.

في موازاة هالة الأسطورة التي أحاطت بعبد الناصر، حيًا وميتًا، تطرَّق محمد كريشان إلى تصوير الحبيب بورقيبة “كمفرِّط وخائن” (ص 254) لإلقائه خطابًا في أريحا عام 1965 حضَّ فيه العرب على “القبول بما أعطته لهم الأمم المتحدة، وبالتالي إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس […]، ومن ثم يطالبون بما أعطته لهم الأمم المتحدة أيضًا في القرار 181 بشأن حق العودة، وذلك لا يمنعهم من خوض القتال عندما تتوفر لهم الظروف لاستعادة فلسطين التاريخية” (ص 255).

ختامًا، أعود إلى هواجس حسين أيوب بشأن انكفاء القاهرة، وأضيفُ أنَّ الأمر ترك ندوبه على غزة وجنوب لبنان في أقل تقدير، وبعدهما مصير فلسطين التاريخية نفسها؛ وكرَّس قطيعة الراهن العربي العاجز الخائب أمام الإبادة الإسرائيلية – الأميركية مع أحلام المجد القومي الذي طبعَ معظم الرسائل. وأسأل معه، ماذا لو قررت مصر إحياء دورها السياسي والانتقال “من الاستجداء إلى [إعادة] إثبات الذات والهوية، وحتمًا هي مؤهلة، قادرة وجديرة”. والأهم، “هل تريد ذلك؟ أم تريد أنْ تستمر بالانكفاء مخافة “أوجاع الرأس”؟”.

* سوسن أبوظهر هي صحافية وكاتبة لبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى