معركة خلافة عبّاس… مَن سيَحكُم الفلسطينيين بعد حرب غزة؟

بعد عقدَين من الغياب، تعود الانتخابات الفلسطينية إلى الواجهة وسط حربٍ مدمِّرة وأزمة شرعية وصراع مكتوم على الخلافة. وبين مروان البرغوثي ومحمد دحلان و”حماس”، قد يكون الرهان الحقيقي على مَن سيقود الفلسطينيين في اليوم التالي لغزة.

الانتخابات الإسرائيلية المقبلة… سباق سياسي تنعكس نتائجه مباشرةً على مستقبل المسار الفلسطيني.

الفاضل إبراهيم*

على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، استحوذت الحرب الإسرائيلية المدمّرة في غزة على الجزء الأكبر من الاهتمام الإعلامي بالقضية الفلسطينية، في ظل الحصيلة الهائلة للضحايا المدنيين والاتهامات الموجّهة إلى مسؤولين إسرائيليين بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. لكن خلف هذا المشهد الدموي، بدأ تطوُّرٌ سياسي أقل صخبًا يتبلور في الساحة الفلسطينية: فقد أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسومًا يدعو إلى إجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، على أن تتبعها انتخابات رئاسية في مطلع عام 2027.

تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بالنظر إلى طول فترة الجمود السياسي والمؤسساتي داخل السلطة الفلسطينية، التي تتولى إدارة الشؤون اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، واسميًا في قطاع غزة. فمنذ عام 2006 لم تُجرَ انتخابات تشريعية، فيما انتهت الولاية الرئاسية لعباس، ومدتها أربع سنوات، فعليًا عام 2009. ومنذ ذلك الحين، استمرَّ في الحكم بمراسيم رئاسية، بينما بقي المجلس التشريعي، الذي يُفترض أن يمارس دورًا رقابيًا على السلطة التنفيذية، مُعطَّلًا منذ عام 2007.

تعود جذور هذا الشلل إلى الانتخابات التشريعية لعام 2006، حين حققت حركة “حماس” فوزًا كبيرًا أعقبه صراعٌ داخلي مع حركة “فتح”، ذات التوجُّه القومي العلماني والتي هيمنت تاريخيًا على منظمة التحرير الفلسطينية، المعترف بها منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993 شريكًا تفاوضيًا رسميًا للفلسطينيين مع إسرائيل. وانتهى الصراع إلى تكريس الانقسام الفلسطيني الذي استمرَّ منذ ذلك الحين بين قطاع غزة الخاضع لسيطرة “حماس” والضفة الغربية التي تهيمن عليها “فتح”.

شرعية مأزومة وضغوط من الخارج

السؤال، إذن، هو: لماذا تعود الانتخابات إلى الواجهة الآن، بعد نحو عقدين من التأجيل؟

أحد التفسيرات يرتبط بتزايد الضغوط الخارجية على السلطة الفلسطينية لإصلاح مؤسساتها وتجديد شرعيتها. فقد بدأ الاتحاد الأوروبي ربط جانب من دعمه المالي بإجراء إصلاحات مؤسسية، في وقت تواجه السلطة أصلًا أزمة مالية خانقة بفعل استمرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في حجب عائدات الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها. وتُمثّل هذه الأموال نحو 60 في المئة من إجمالي ميزانية السلطة، فيما أعلن سموتريتش صراحة أنّ سياسته تستهدف دفعها نحو “الانهيار”.

الضغط الأميركي يسير في الاتجاه نفسه، وإن انطلق من حسابات مختلفة. فقد جعلت واشنطن إصلاح السلطة الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في تصوّرها لمرحلة ما بعد الحرب في غزة. ووفق خطة الرئيس دونالد ترامب المؤلفة من عشرين نقطة، يُفتَرَض أن تتولى إدارة القطاع لجنة “تكنوقراطية” تحت إشراف “مجلس السلام”، إلى أن تنجز السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي وتصبح، بحسب صيغة الخطة، قادرة على استعادة السيطرة على غزة بصورة آمنة وفعالة.

ويبدو أنَّ صبر واشنطن على القيادة الفلسطينية الحالية آخذ في النفاد. فقد رفضت الولايات المتحدة أخيرًا منح عباس تأشيرة دخول، ما حال دون مشاركته شخصيًا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي، في مؤشر إضافي إلى حجم الفتور الذي بات يطبع العلاقة بين الإدارة الأميركية ورام الله.

ولا تختلف الضغوط العربية كثيرًا من حيث المطالبة بالإصلاح، وإن كانت لها خلفياتها الخاصة. فالإمارات العربية المتحدة، التي كانت في السابق من أبرز الداعمين الماليين للسلطة الفلسطينية، اتخذت موقفًا أكثر تشدّدًا تجاه قيادتها. ووفق تقارير إعلامية، شهد اجتماع عُقد في الرياض عام 2024 مشادة حادة بين وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد ومسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية، انتقد خلالها الوزير الإماراتي غياب الإصلاح الحقيقي داخل مؤسساتها، مستخدمًا وصفًا قاسيًا لقيادتها.

لكن الخلاف بين أبوظبي ورام الله ليس جديدًا. فالعلاقة بين الطرفين تشهد توترًا منذ نحو عقد، قبل أن تتدهور أكثر بعد تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، وهي الخطوة التي قوبلت برفض فلسطيني حاد، ووصفها عباس آنذاك بأنها “طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني”.

وهكذا، لا تبدو الدعوة إلى الانتخابات مجرد عودة متأخّرة إلى الاستحقاق الديموقراطي بقدر ما تأتي في لحظة تتقاطع فيها أزمة الشرعية الفلسطينية الداخلية مع ضغوط مالية وسياسية متزايدة من الخارج، ومع سؤال أكبر يتعلق بمَن سيحكم الفلسطينيين في اليوم التالي للحرب في غزة.

معركة الخلافة… البرغوثي ودحلان

مع انحسار الدعم الخارجي لإدارته، وجد عباس نفسه مضطرًا إلى تحديد موعد للانتخابات، وإن كان الإعلان عنها لا يضمن بالضرورة إجراءها. فقد سبق أن دُعي الفلسطينيون إلى انتخابات عام 2021، قبل أن يلغيها عباس بحجة رفض إسرائيل السماح بالتصويت في القدس الشرقية. غير أنَّ مسؤولًا فلسطينيًا رأى في ذلك ذريعة لتجنُّب منافسة داخلية كان يمكن أن تهدد موقعه، مشيرًا خصوصًا إلى مروان البرغوثي.

فالبرغوثي، القيادي البارز في حركة “فتح”، لا يزال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي رغم وجوده في السجن الإسرائيلي. وكانت إسرائيل قد أدانته عام 2004 بتدبير هجمات خلال الانتفاضة الثانية، وحكمت عليه بالسجن المؤبد خمس مرات، إضافة إلى أربعين عامًا. مع ذلك، تصدّر في أيار (مايو) انتخابات اللجنة المركزية لـ”فتح” من داخل زنزانته، فيما تضعه استطلاعات الرأي الأخيرة في موقع متقدم للفوز بالرئاسة إذا أُجريت الانتخابات.

لا تستند قوة البرغوثي إلى شعبيته التي تتجاوز بفارق كبير شعبية عباس فحسب. فهو يتقن العبرية، وكانت تربطه قبل اعتقاله علاقات مع سياسيين إسرائيليين لا يزال بعضهم يعتبره شخصية يمكن التعامل معها. كما يتمتع بقبول يتجاوز حدود “فتح” إلى فصائل فلسطينية أخرى، ويأتي اسمه في مقدمة الشخصيات التي تطالب “حماس” بالإفراج عنها في أي صفقة مستقبلية لتبادل الأسرى.

ويحاول البرغوثي تحويل هذا الرصيد إلى مشروع لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي. فقد أفادت تقارير بأنه اقترح إعادة جمع حركة “فتح” الرسمية مع التيارات التي انشقت عنها خلال العقدين الماضيين بفعل عمليات الفصل والصراعات الداخلية على النفوذ. كما نقل مقربون منه عزمه خوض الانتخابات الرئاسية العام المقبل من داخل سجنه، سواء نجحت جهود توحيد الحركة أم تعثرت.

لكن طريق البرغوثي لن يكون خاليًا من المنافسين. ففي الجهة المقابلة يبرز محمد دحلان، الذي يتحرّك بحرية أكبر ولا يخفي طموحاته السياسية. وكان دحلان أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في “فتح” بقطاع غزة قبل أن تسيطر عليه “حماس” عام 2007، ثم فُصل من الحركة عام 2011. ومنذ ذلك الحين، أعاد بناء موقعه الإقليمي، وأصبح مستشارًا مقربًا من الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبمرور السنوات، بنى دحلان شبكة واسعة من العلاقات جعلته واحدًا من أكثر الشخصيات الفلسطينية اتصالًا بالأطراف الإقليمية والدولية، رغم أنه لا يشغل منصبًا رسميًا في السلطة الفلسطينية. ويقول دحلان ومساعدوه إنهم أجروا اتصالات مباشرة مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره، خلال المحادثات المتعلقة بنزع سلاح “حماس”. كما أفادت تقارير بأنه التقى رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” في أيار (مايو).

الأكثر دلالة، مع ذلك، هو التحرك الذي يقوده تياره المنشق عن “فتح”، المعروف باسم “تيار الإصلاح الديموقراطي”، لتشكيل تحالف انتخابي أوسع. فقد بدأ التيار محادثات جدية مع عدد من الفصائل الفلسطينية بشأن خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة، بينها “حماس” و”الجهاد الإسلامي” ومجموعات يسارية، في تقارب لافت بين قوى فرَّقتها سابقًا خصومات سياسية وأمنية عميقة.

يعكس هذا التقارب حسابات متبادلة أكثر منه تقاربًا إيديولوجيًا. فـ”حماس”، التي وافقت على نزع سلاحها وإنهاء إدارتها لقطاع غزة، تحتاج إلى صيغةٍ تُتيحُ لها الاحتفاظ بحضورٍ سياسي مؤثّر بعد التخلّي عن قوتها العسكرية. ومن هذه الزاوية، قد يوفّر التحالف مع دحلان، بما يمتلكه من قنوات اتصال مع الأميركيين والإسرائيليين والإماراتيين، منفذًا إلى النظام السياسي الجديد من دون خروج الحركة بالكامل من المعادلة.

في المقابل، يمنح مثل هذا التحالف دحلان فرصة للعودة إلى النظام السياسي الفلسطيني الذي أُقصي منه رسميًا، مستفيدًا من القاعدة الشعبية التي لا تزال “حماس” تحتفظ بها رغم ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب المدمرة مع إسرائيل. ويشير أحد استطلاعات الرأي الحديثة إلى أنَّ تأييد الحركة لا يزال في حدود 24 في المئة.

بهذا المعنى، لا يسعى دحلان فقط إلى استعادة موقعه داخل الساحة الفلسطينية، بل إلى تقديم نفسه أيضًا منافسًا للبرغوثي ونموذجًا مختلفًا للقيادة: شخصية سياسية براغماتية تمتلك قنوات مع إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية، وقادرة في الوقت نفسه على تجاوز بعض الانقسامات الإيديولوجية الفلسطينية. وإذا مضت الانتخابات فعلًا، فقد تتحول المنافسة بذلك من مجرد اقتراع مؤجل منذ عقدين إلى معركة على شكل القيادة الفلسطينية التي ستخرج من حرب غزة وعلى طبيعة النظام السياسي الذي سيليها.

انتخابات رهينة إسرائيل والحرب

مع ذلك، تبقى الانتخابات الفلسطينية نفسها معلّقة على تطورات سياسية تجري في الجانب الإسرائيلي، حيث يُفترض أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول (أكتوبر). وتشير استطلاعات الرأي إلى منافسة حادة بين حزب “ياشار” الوسطي، بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، وحزب “الليكود” بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. لكن الاختلاف بين الرجلين لا يبدو كبيرًا عندما يتعلق الأمر بمستقبل القضية الفلسطينية؛ فآيزنكوت، الذي يخوض حملته أمام مجتمع لا يزال تحت وطأة صدمة هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استبعد هو الآخر قيام دولة فلسطينية في ظل أي حكومة يرأسها.

سيجد الفائز في الانتخابات الإسرائيلية نفسه أمام مجموعة من الملفات التي ترتبط مباشرة بإمكان إجراء الاقتراع الفلسطيني ومستقبل العملية السياسية برمتها. فهناك ضغوط دولية للإفراج عن أموال السلطة الفلسطينية المحتجزة، والسماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمشاركة في الانتخابات، واستكمال الانسحاب من قطاع غزة. وهي قضايا تتجاوز طابعها الإجرائي، لأنها تمسُّ الشروط التي يمكن في ظلها إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب.

حتى الآن، لا يُظهِر أيُّ من المنافسين الإسرائيليين المحتملين استعدادًا لتبنّي “حل الدولتين”، الذي لا تزال السلطة الفلسطينية ومعظم القوى السياسية الفلسطينية تتمسك به، ولو على المستوى الرسمي. وهذا يعني أنَّ الانتخابات الفلسطينية، إذا أُجريت، قد تفرز قيادة جديدة أو تعيد ترتيب موازين القوى الداخلية من دون أن يتغير بالضرورة الإطار الإسرائيلي الذي يقيّد قدرتها على التحرك.

ثم إنَّ إجراء الانتخابات في موعدها ليس أمرًا محسومًا أصلًا. فالعقبات السياسية واللوجستية كبيرة إلى درجة تترك الباب مفتوحًا أمام احتمال إلغائها مرة أخرى، كما حدث عام 2021. ولم تعلن إسرائيل بعد ما إذا كانت ستسمح بالتصويت في القدس الشرقية، وهي المسألة التي استخدمها عباس سابقًا لتبرير تأجيل الانتخابات. ومع التحول الحاد في المزاج الإسرائيلي ضد فكرة الدولة الفلسطينية منذ هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، تبدو إمكانية الحصول على موافقة إسرائيلية أكثر تعقيدًا.

ولا تبدو الظروف في الضفة الغربية أكثر ملاءمة. فقد أدى تصاعد عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الحركة إلى جعل التنقل بين المدن والبلدات الفلسطينية بالغ الصعوبة، وهو ما يطرح تساؤلات عملية حول إمكان تنظيم حملة انتخابية حقيقية وضمان وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

أما في غزة، فالمعضلة أشد قسوة. فالحرب، وإن تراجعت حدتها، لم تنتهِ تمامًا، بعدما خلّفت أكثر من 73 ألف قتيل ودمّرت الجزء الأكبر من الوحدات السكنية في القطاع. ومن المفترض نظريًا أن يشارك سكان غزة في الانتخابات، لكن ملايين الفلسطينيين هناك يعيشون واقعًا تكون فيه الأولوية اليومية لتأمين الغذاء والمأوى ومقومات البقاء.

لهذا تبدو المفارقة الفلسطينية صارخة: ثمة محاولة لإحياء الحياة السياسية في اللحظة نفسها التي تكاد فيها الشروط المادية والسياسية اللازمة لممارستها تكون غائبة. فالانتخابات قد تفتح الباب أمام تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وإعادة تشكيل القيادة بعد عقدين من الجمود، لكنها تبقى رهينة الاحتلال والانقسام والحرب، فضلًا عن قرار عباس نفسه بالمضي فيها حتى النهاية.

وإذا وصلت العملية إلى صناديق الاقتراع فعلًا، فلن يكون السؤال الأهم مَن سيفوز فحسب، بل ما إذا كانت الانتخابات قادرة على إنتاج نظام سياسي فلسطيني أكثر شرعية وقدرة على التعامل مع اليوم التالي للحرب. أما إذا أُلغيت مرة أخرى، فقد تتحول الخطوة التي أُريد لها أن تكون عنوانًا للإصلاح إلى دليل إضافي على عمق الأزمة التي يعانيها النظام السياسي الفلسطيني.

  • الفاضل إبراهيم هو كاتب ومحلل سياسي يغطي شؤون السياسة في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع تركيز خاص على السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى