بفضْل هذه المرأَة، إِسمي هنري
هنري زغيب*
يومها كانت أُمي تزور عمَّتي في عَلْوَةٍ هادئةٍ من زوق مكايل.. وكنتُ أَنا جَنينَها البكْر في شهري السابع.. وبين لَحظتَيْن من صمْت، صدَر من البيت المجاور صوتُ امرأَة تنادي: “يا هنري، تعال إِلى الغداء”..
هنري؟؟ لم تكُن أُمي سمعَتْ بهذا الاسم، هي الْكانت ستخضَع لنظام القبيلة أَن يُسَمَّى بكْرُها بِاسْم جدِّه: الياس.. الْتَفَتَتْ إِلى أَبي: “سمعْتَ هذا الاسم”؟ طبعًا سَمِع، هو الـمُدَرِّس الْكان مُطَّلعًا على تاريخ فرنسا وملوكها.. وقبل أَن يُجيبَ رَشَقَتْهُ أُمي بأُمنية: “إِن كان في بطني صبيّ، أُحبُّ أَن أُسمِّيه هنري”. ابتلعَ أَبي نظامَ القبيلة ونظرةَ شقيقته (عمَّتي)، وأَجاب بشَفَةٍ واحدة: “ان شالله”..
ويوم ولادتي في المستشفى الفرنسي مساءَ الخميس 9 كانون الأَول/ديسمبر 1948 (عشية تَبَنِّي الأُمم المتحدة “الإِعلان العالَمي لحقوق الإِنسان – 10 كانون الأَول)، كان اسمي جاهزًا: “هنري”.. وكبرتُ، لا علْم لي بمناسبة اسمي، سوى أَن أُمي أَحبَّتْهُ حتى خَلَعَتْهُ مُؤَنَّثًا على شقيقتي هنريات عند ولادتها..
مرَّت من سنواتي ثماني عشرة.. وذات عصر سأَلني أَبي أَن أُوصلَه إِلى بيت “الست ليلي” في زوق مكايل.. على الباب، بادرها أَبي بعد التحية: “وين هنري؟ بعدو مسافر”؟.. وارتججتُ في هزَّةً استعادية: بيت عمتي كان حدَّ هذا البيت قبل أَن تنتقل إِلى آخَر.. ومن شرفة بيتها سمعَتْ أُمي اسم “هنري”.. إِذًا تلك المرأَة كانت “الست ليلي”، فأَدركتُ أَنها هي “ليلى”، المرأَة التي كتَبَ فيها الياس أَبو شبكة آخِر كتابَين له (وربما الأَجمل): “نداء القلب” (1944) و”إِلى الأَبد” (1945).. كنتُ مَشْوقًا عن بُعدٍ إِلى التعرُّفِ بها، وها هي أَمامي!
ما إِن بادرْتُها بقصةٍ من طفولتي جعلَتْني أَتعلَّقُ بالياس أَبو شبكة وأَعرفُهُ سيرةً وشِعرًا، حتى التقى “تَعَلُّقَانا” منذ ذاك اليوم.. فهمَتْ أَنني عارفٌ بقصة حبِّهما المجنون، وفهمْتُ أَنني أَمام عاشقةٍ، إِن وثِقَتْ بي قد أَنالُ منها تفاصيلَ ما زالت مكتومةً من سيرة حُبِّهما، تشْرح ظُروفًا حياتيَّة لولادة بعض الأَبيات الـمُرَمَّزة في قصائد أَبو شبكة..
وهذا بالضبط ما حصل.. وثِقَتْ بي كما بلا أَحدٍ قبلي، ورُحْتُ أَتردَّد عليها باستمرار، فتعطيني النسختَين الخاصتَين بها من “نداء القلب” و”إِلى الأَبد”، وتبتسِم: “إِقرأْ”.. وأَروح أَقْرأُ، فإِذا خلْف معظم القصائد قصةٌ تسرُدها لي مكانًا وظروفًا، وأَنا أُدوِّنُ، نهِمًا إِلى مزيد، حتى تجمَّع لديَّ مخزونٌ ظهرَ أَكثَرُهُ في كتابي “الياس أَبو شبكة: من الذكرى إِلى الذاكرة”.. قلتُ “أَكثره” لأَنَّ تفاصيل أُخرى رَوَتْها لي سأَلَتْني أَلَّا أَنشُرَها، فلَم..
حين بدأَ رئيس بلدية الزوق نهاد نوفل يستجمع الأَغراض الخاصة والأَوراق والمتروكات ليؤَسِّس متحف الياس أَبو شبكة، كنتُ غالبًا أَصطحبُ “الست ليلي” لتُتابع إِنشاء المتحف في البيت الذي شهد ولادة قصائد الحب من الياس إِلى ليلى، وما كان يصاحب القصائد من قصص خاصة بينهما رَوَتْها لي، وظروف صعبة ومناسبات عاشقة، بما يمكن، لو يتوفَّر، أَن يُشكِّل نسيج قصة حب لاهب مجنون ناء به شباب أَبو شبكة فانطفأَ في الثالثة والأَربعين وهو في أَجيج النار التي أَحرَقَتْهُ في عاصفة حب غير عادي..
هو هذا فضْل هذه المرأَة على اسمي، وهي هذه خيوط من قصتي مع أَبو شبكة: أَن أَحمل اسمي بفضل امرأَة نادَت به ابنها هنري، وأَن تكون هذه المرأَة هي “ليلى” حبيبة الشاعر الأَقرب إِلى قلبي وسيرتي ومسيرتي، وأَن يكون توفي (27 كانون الثاني/يناير 1947) في المستشفى ذاته الذي وُلدتُ فيه بَعد أَشهُر، وأَن أَكون خَلَدْتُ سحاباتٍ من عمري في زيارة “الست ليلي” أَقطف منها منعطفات من قصة حب عاصف خلَّدَهُ الياس أَبو شبكة بأَعذب الشعر وأَصدقه:
ويا شعراء الأَرض ما أَصدقَ الندى إِذا ابتسمَت ليلى وما أَكذَب الورَقْ
فيا أُذْنُ لا تَخدَعْكِ في القول بهجةٌ ويا شِعْر عَلِّمْ: أَعذبُ الشِعر ما صَدَقْ



