من تحالف الخوف إلى تحالف المصلحة: كيف يتغيَّر مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين؟

لم تعد التحالفات تُبنى على الهوية أو الخوف من عدوٍّ مشترك وحدهما. ففي عالمٍ تتشابك فيه المصالح والمخاطر، باتت الدول تبحث عن شراكات تحمي سيادتها وتخدم استراتيجياتها الوطنية في آنٍ واحد.

حين تتقاطع المصالح، يصبح التعاون جسرًا بين السيادة الوطنية والأمن المشترك.

الدكتور داود رجب البلوشي*

لم يعد السؤال الذي يواجه العالم العربي، والخليج خصوصًا، هو لماذا لم تتحقق الوحدة العربية، أو لماذا لم تتحوّل المؤسسات الإقليمية إلى اتحادات سياسية وعسكرية متكاملة. ربما أصبح السؤال الأكثر واقعية: هل ما زلنا ننظر إلى التحالف بمفهوم القرن العشرين، بينما تغيّر مفهوم التحالف نفسه؟

فالتحوّلات التي يشهدها العالم، وما يجري في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب، تشير إلى أنَّ الدول تُعيدُ النظر في معنى الأمن، وفي طبيعة الحليف، وفي العلاقة بين السيادة الوطنية والمصلحة المشتركة. والترتيبات الأمنية والدفاعية الجديدة في المنطقة تُقدّمُ نموذجًا يستحق التأمّل: فالدول التي تستطيع التعاون في حماية ممر بحري، أو في الدفاع والطاقة والاستثمار، ليست بالضرورة جُزءًا من تكتل سياسي واحد، ولا تحتاج إلى الاتفاق على جميع القضايا الإقليمية والدولية. قد تختلف في ملفٍّ وتتعاون في آخر، وهذا لا يعني بالضرورة تناقضًا في سياساتها؛ ربما يعني أن مفهوم التحالف نفسه بدأ يتغير.

من تحالف الهوية إلى تحالف المصلحة

خلال جُزءٍ كبير من القرن العشرين، ارتبطت التحالفات بالهوية السياسية والإيديولوجية أو بوجودِ عدوٍّ مشترك. كان العالم مُنقسمًا بين رأسمالية وشيوعية، وشرق وغرب، ودول تدور في المجال الأميركي وأخرى ترتبط بالاتحاد السوفياتي. وانعكس ذلك على العالم العربي، حيث ظهرت القومية العربية ومشروعات الوحدة، فيما كانت الدول العربية تبني في الوقت نفسه مؤسساتها الوطنية وعلاقاتها وتحالفاتها الخاصة.

ثم جاءت الحروب العربية-الإسرائيلية، والثورة الإيرانية، والحرب العراقية-الإيرانية، وغزو الكويت، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وحرب العراق، و”الربيع العربي”، والأزمات في ليبيا وسوريا واليمن والسودان، والخلاف الخليجي، وصولًا إلى التحوّلات الأخيرة في الخليج والبحر الأحمر. كل مرحلة أضافت إلى الدولة العربية تجربة جديدة، وكل تجربة تركت ذاكرة أسهمت في تشكيل مفهومها للأمن. لكن الدول لم تعش التجربة نفسها، ولذلك لم تتشكّل لديها بالضرورة الرؤية نفسها للخطر.

فالكويت لا تستطيع فصل جانب من تفكيرها الأمني عن تجربة الثاني من آب (أغسطس) 1990، وقطر لا تستطيع تجاهل تجربة الأزمة الخليجية في 2017. وتحمل الجزائر ذاكرة الاستعمار وحرب التحرير وتجربة العنف الداخلي، فيما تحمل مصر تجربتها مع الحروب العربية-الإسرائيلية وقناة السويس وموقعها بين أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر. وينظر المغرب إلى أمنه من خلال موقعه وعلاقاته الأوروبية والأفريقية وقضية الصحراء، فيما تشكلت خيارات تونس بفعل حجمها وموقعها وتحوّلاتها الداخلية.

وفي الخليج، قد تنظر البحرين إلى إيران من زاوية تختلف عن نظرة سلطنة عُمان إليها، بينما تحمل السعودية اعتبارات ترتبط بحجمها وموقعها ومكانتها وتجاربها مع الحروب والصواريخ والهجمات على منشآت الطاقة. أما عُمان، فقد بنت جانبًا مهمًا من تجربتها الحديثة على استقلال القرار والحوار وتجنب الانخراط الحاد في المحاور.

ولا ينبغي أن نحكم على هذه الاختلافات باعتبارها أنانية وطنية أو فشلًا في التضامن. فالدولة الحديثة مسؤولة أولًا أمام مواطنيها: عن أمنهم واستقرارهم واقتصادهم وغذائهم ومائهم وصحتهم وتعليمهم وفرص العمل ومستقبل الأجيال المقبلة. ومن الطبيعي أن تنطلق سياستها الخارجية من هذه المسؤولية. فالمصلحة الوطنية ليست نقيضًا للتعاون؛ بل هي نقطة البداية فيه.

والدولة العربية الحالية، مهما اختلفنا حول تاريخ نشأتها وحدودها، أصبحت حقيقة سياسية وقانونية وسيادية، لها مؤسسات ومواطنون واقتصاد ومصالح وطنية. والمواطن اليوم لا يسأل فقط عن تاريخ الحدود التي يعيش داخلها، بل يسأل دولته عن أمنه ومستوى معيشته ومستقبل أبنائه. ومن هنا أصبحت السيادة والمصلحة الوطنية والاستقرار الداخلي والتنمية عناصر أساسية في صناعة القرار.

لكن الاعتراف بالدولة الوطنية لا يعني تجاهل التاريخ. فالذاكرة ضرورية، والدولة التي لا تتعلم من تاريخها مُعرّضة لتكرار أخطائه. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل التجربة التاريخية إلى سردية ثابتة لا تتغير حتى عندما يتغير العالم. فما كان مناسبًا في 1970 ليس بالضرورة مناسبًا في 1990، وما كان ضروريًا في 1990 قد لا يكون كافيًا في 2026. والحليف الذي كان ضروريًا في مرحلة قد تبقى أهميته، لكن تتغيّر وظيفته، والخصم الذي كان يُنظر إليه من زاوية واحدة قد تفرض الجغرافيا والاقتصاد التعامل معه من زوايا متعددة.

التاريخ ينبغي أن يعلّم الدولة، لا أن يحكم مستقبلها.

من هنا أيضًا ربما يكون من الخطَإِ قياس نجاح العمل العربي بمدى استعداد الدولة للتنازل عن أولوياتها الوطنية لمصلحة مشروعٍ أكبر. فالجامعة العربية تأسست في عالمٍ مختلف عن عالم اليوم، وتعاقبت مشروعات الوحدة، وقامت الوحدة المصرية-السورية ثم انتهت، وتعثر اتحاد المغرب العربي، فيما تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

وقد حقق مجلس التعاون الكثير في مجالات متعددة، لكنه لم يُلغِ الدولة الوطنية، ولم يكن من الواقعي أن يفعل ذلك. فالسعودية ليست عُمان، والكويت ليست قطر، وقطر ليست الإمارات أو البحرين. لكل دولة حجمها وجغرافيتها واقتصادها وذاكرتها وتحالفاتها ومصالح مواطنيها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: لماذا لم تصبح هذه الدول دولة واحدة في سياستها؟ بل: في أي مصالح تستطيع هذه الدول أن تعمل معًا، مع احتفاظ كل منها باستراتيجيتها الوطنية؟

السيادة ليست عائقًا أمام التعاون

تقدم السياسة السعودية مثالًا مهمًا على هذا التحوّل. فالسعودية عضو رئيسي في مجلس التعاون، ولها علاقة أمنية تاريخية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه وسعت علاقاتها مع الصين وروسيا، وطوّرت الحوار مع إيران، وعززت علاقاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا، ودخلت في ترتيبات أمنية وبحرية جديدة.

ولا ينبغي بالضرورة قراءة هذه المسارات بوصفها تناقضًا. فالسعودية تتحرّك وفق استراتيجيتها الوطنية كما تراها في بيئة دولية متغيّرة: مجلس التعاون يخدم مجموعة من المصالح، والعلاقة بالولايات المتحدة تخدم مصالح أخرى، والتعاون مع الصين له أبعاد اقتصادية وتكنولوجية، والعلاقة مع باكستان وتركيا لها حسابات دفاعية واستراتيجية، والحوار مع إيران يرتبط بحقيقة جغرافية وأمنية لا يمكن تجاهلها، فيما يخدم التعاون البحري أمن التجارة والممرات.

ليست القضية، إذن، البحث عن تحالف واحد يفعل كل شيء، بل بناء شبكة من الشراكات تخدم الاستراتيجية الوطنية في مجالات مختلفة. وهذا ليس حكرًا على السعودية، بل اتجاه يمكن رؤيته بدرجات مختلفة في دول كثيرة.

وهنا ينبغي إعادة النظر في مفهوم شائع يرى في تمسك الدول بسيادتها عائقًا أمام العمل الجماعي. ربما تكون المسألة معكوسة. فالدولة لن تدخل في تعاون طويل الأمد إذا شعرت بأنه ينتقص من قدرتها على حماية مصالح مواطنيها، أما إذا اكتشفت أنَّ التعاون يزيد قدرتها على تحقيق هذه المصالح، فإنَّ السيادة نفسها تصبح دافعًا للتعاون.

المطلوب ليس أن تتنازل الدولة عن مصلحتها لمصلحة الإقليم، بل أن تكتشف أنَّ جُزءًا من مصلحتها الوطنية لا يمكن تحقيقه إلّا من خلال استقرار الإقليم. فالأمن المشترك لا ينبغي أن يُبنى على حساب السيادة؛ بل يمكن أن يولد من داخل السيادة نفسها.

وهذا فرق أساسي في فهم التعاون الحديث. فليس المطلوب إلغاء الاستراتيجيات الوطنية لمصلحة استراتيجية واحدة، وإنما إيجاد المجالات التي تجعل التعاون نفسه جُزءًا من نجاح تلك الاستراتيجيات. وحين تدرك الدولة أنَّ أمن جيرانها واستقرارهم يخدمان جانبًا من أمنها واقتصادها، تتحول المصلحة المشتركة من شعارٍ سياسي إلى حسابٍ وطني مباشر.

حين يتغيّر معنى الأمن والقوة

لكن التحوُّل لا يتعلق بمفهوم التحالف وحده، بل بمفهوم الأمن أيضًا. لقد تغيّر العالم، فيما لم تتغير حاجات الإنسان الأساسية كثيرًا. فمنذ بداية الاجتماع البشري، بحث الإنسان عن الماء والغذاء والأمن والطريق ومصدر الطاقة الذي يسمح له بالبقاء. وما زال يفعل ذلك اليوم، لكن الأدوات تغيّرت.

البئر أصبحت محطة تحلية، ومخزن الحبوب أصبح سلسلة إمداد عالمية، وطريق القافلة أصبح مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، ومصدر النار أصبح النفط والغاز والكهرباء والطاقة النووية والمتجددة، فيما أصبحت المعرفة مرتبطة بالتكنولوجيا والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والبيانات.

لم يتغير مفهوم البقاء، بل الذي تغيّر هو أدواته.

ولهذا لم يعد الأمن العسكري وحده قادرًا على تعريف أمن الدولة. فما قيمة الدبابة إذا انقطعت المياه؟ وما قيمة الصاروخ إذا تعطلت شبكة الكهرباء؟ وما قدرة الدولة على الصمود إذا توقفت موانئها أو انقطعت عنها سلاسل الغذاء والدواء؟

لقد أصبح الماء والغذاء والطاقة والتكنولوجيا والبيانات والممر البحري جزءًا من مفهوم الأمن القومي نفسه.

وتظهر أهمية ذلك بوضوح في مضيق هرمز والبحر الأحمر. فاضطراب الملاحة لا يعني النفط وحده؛ إنه يعني أيضًا الغاز والبتروكيماويات والأسمدة والغذاء والشحن والتأمين والصناعة والأسعار وسلاسل الإمداد. وقد يبدأ الحدث في الخليج أو البحر الأحمر، لكن أثره يصل إلى مصنع في آسيا، ومزرعة في أفريقيا، وسوق في أوروبا.

وهنا تظهر مفارقة مهمة. فدول الخليج والعراق وإيران تملك مجتمعة واحدًا من أهم تجمّعات الطاقة في العالم، والمنطقة العربية تشرف على بعض أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، فيما تمتلك دول الخليج رؤوس أموال وصناديق سيادية وموانئ وشركات لوجستية وبنية أساسية متقدمة. أي أنَّ العالم يحتاج إلى استقرار المنطقة لكي يعمل جزء مهم من اقتصاده.

والسؤال هنا ليس فقط كيف تحمي المنطقة هذه الموارد والممرات، بل كيف يمكن تحويل حاجة العالم إلى استقرارها إلى مصلحة مشتركة لدول المنطقة نفسها؟

حتى مفهوم القوة يحتاج إلى مراجعة. ففي التصوّر التقليدي، كانت الدولة الأقوى هي الأكثر قدرة على الاستغناء عن الآخرين. لكن الاقتصاد العالمي الحديث يعمل بطريقة مختلفة. ربما تكون الدولة الأقوى اليوم هي التي لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها.

فالصين تحتاج إلى الطاقة والأسواق، والخليج يحتاج إلى التكنولوجيا والغذاء وسلاسل التوريد، وأوروبا تحتاج إلى الطاقة والتجارة والممرات الآمنة، والدول الزراعية تحتاج إلى الأسمدة والطاقة والمياه، ومنتجو الأسمدة يحتاجون إلى الغاز والموانئ والأسواق والنقل. والولايات المتحدة، رغم قدراتها الهائلة، جزء من هذه الشبكة أيضًا.

القوة، إذن، ليست فقط في امتلاك المورد، بل في الموقع الذي تحتله الدولة داخل شبكة الاعتماد المتبادل. وهذا يعيد تعريف الاستقلال نفسه. فالاستقلال الحديث ليس أن تستطيع العيش من دون الآخرين، بل أن تكون علاقتك بهم متوازنة بحيث يحتاجون إلى استقرارك بقدر حاجتك إلى استقرارهم.

من واقعية الخوف إلى واقعية المصلحة

ربما كانت إحدى مشكلات القرن العشرين أننا جعلنا التعاون مشروطًا بالاتفاق السياسي؛ أردنا موقفًا واحدًا قبل أن نبني مصلحة واحدة. لكن القرن الحادي والعشرين قد يقترح طريقًا آخر.

ليس مطلوبًا أن تتطابق الاستراتيجية السعودية مع العُمانية، ولا الإماراتية مع القطرية، ولا المصرية مع الجزائرية أو المغربية. السؤال ليس كيف نلغي الاختلاف بينها، بل: أين تتقاطع؟

سنجد الماء والغذاء والطاقة وحرية الملاحة والموانئ والكهرباء والدواء والتكنولوجيا والبيانات والاستثمار والاستقرار الاقتصادي. وهذه المساحات لا تحتاج إلى تطابق سياسي كامل، بل إلى إدراك أنَّ تحقيق جزء من المصلحة الوطنية لكل دولة أصبح مرتبطًا باستقرار الدولة الأخرى.

ومن هنا يمكن قراءة تطوُّر مفهوم التحالف نفسه. فقد مرَّ العالم العربي بمرحلة كان منطقها يقول: أنا معك لأنك مني. وهذا هو تحالف الهوية. ثم جاءت الحروب والانقسامات والاستقطابات، وأصبح المنطق في كثير من الأحيان: أنا معك لأنني أخاف من خصمك. وهذا هو تحالف الخوف.

أما العالم الذي يتشكل اليوم، فقد يدفع الدولة نحو منطق ثالث: أنا أتعاون معك لأنَّ التعاون معك يُحقق جُزءًا من استراتيجيتي الوطنية، كما يحقق جُزءًا من استراتيجيتك. وهذا هو تحالف المصلحة الاستراتيجية.

ولا يحتاج هذا التحالف إلى اتفاق الأطراف على كل شيء. فالدول التي تتعاون في حماية باب المندب ليست مطالبة بتوحيد سياساتها الخارجية، والدول التي تتعاون في الطاقة لا تحتاج إلى الاتفاق على جميع قضايا المنطقة، والتعاون في الأمن الغذائي لا يتطلب تحالفًا عسكريًا. ويمكن لدول تختلف سياسيًا أن تتفق على حماية الملاحة أو الكهرباء أو المياه أو سلاسل الإمداد.

وهنا لا يصبح الاختلاف نهاية التعاون، بل يصبح التعاون ممكنًا رغم الاختلاف.

ولا يعني ذلك نهاية التحالفات القديمة. فحلف شمال الأطلسي (الناتو) لن يختفي غدًا، ومجلس التعاون لن يفقد أهميته لأنَّ ترتيبات أخرى ظهرت، والشراكات التاريخية لن تنتهي لمجرّد أنَّ الدول توسع علاقاتها مع قوى جديدة. الذي يتغيّر هو الاعتقاد بأنَّ الدولة تحتاج إلى تحالف واحد شامل يحدد جميع أصدقائها وخصومها ومصالحها.

العالم يتجه إلى قدر أكبر من تعدّد الشراكات: دفاع هنا، وأمن بحري هناك، وطاقة مع طرف، وتكنولوجيا مع آخر، واستثمار مع ثالث، وحوار سياسي مع رابع. وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن التحالفات القديمة، بل ربما يعني أنَّ الاستراتيجية الوطنية أصبحت أكبر من أن يحتويها تحالف واحد.

وبالنسبة إلى العالم العربي، قد يعني ذلك أننا بحاجة إلى التوقف عن قياس نجاح العمل المشترك بمقياس القرن الماضي. فعدم قيام وحدة سياسية لا يعني فشل التعاون، واختلاف السياسة الخارجية لا يعني غياب المصلحة المشتركة، وتمسّك الدولة بسيادتها ليس دليلًا على الأنانية.

لكن التحدي الجديد هو أن تُدركَ الدولة أنَّ بعض وظائفها الأساسية لم يعد مُمكنًا إنجازها داخل الحدود وحدها. فالماء والغذاء والطاقة والتكنولوجيا والبيانات والممرات وسلاسل الإمداد تربط مصالح الدول بعضها ببعض، والسفينة التي تعبر هرمز أو باب المندب قد تحمل مصالح عشرات الدول في الوقت نفسه.

وهنا تصبح السيادة أكثر قوة عندما تعرف الدولة أين تحتاج إلى الآخرين، وأين يحتاج الآخرون إليها.

ربما لا تحتاج المنطقة إلى التخلص من اختلافاتها، ولا إلى محو ذاكرتها، ولا إلى إعادة إنتاج مشروعات الوحدة القديمة. المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تنتقل من سرديات الخوف إلى واقعية المصلحة.

فالخوف كان ولا يزال جُزءًا من السياسة، لكن التحالف الذي يقوم فقط على الخوف يبقى مرتبطًا باستمرار العدو. أما التحالف الذي يقوم على المصلحة فيرتبط باستمرار الحاجة. والعدو قد يتغيّر، لكن الماء سيبقى ضرورة، والغذاء سيبقى ضرورة، والطاقة والتجارة ستبقيان ضرورتين، والتكنولوجيا ستزداد أهمية.

وهكذا ربما لم تكن المشكلة أنَّ الدول العربية لم تستطع أن تتحد. ربما كان السؤال نفسه غير مناسب لعصرنا.

السؤال ليس: كيف نجعل الدول تتخلى عن جزء من استراتيجياتها الوطنية لكي تعمل معًا؟ بل: كيف نجعل العمل معًا جزءًا من نجاح الاستراتيجية الوطنية لكل دولة؟

وهنا يتغيّر معنى التحالف: من تحالف الهوية، إلى تحالف الخوف، ثم إلى تحالف المصلحة الاستراتيجية. ولعلَّ هذا هو التحوُّل الذي يفرضه القرن الحادي والعشرون.

فالإنسان ما زال يبحث عن الأشياء نفسها التي بحث عنها منذ آلاف السنين: الماء والغذاء والطاقة والأمن والطريق. لكن الأدوات تغيرت، والدولة تغيرت، والعالم تغير، ولذلك ينبغي أن يتغير مفهوم التحالف أيضًا.

فلم تعد قوة التحالف في مقدار ما تتنازل عنه الدولة من سيادتها، بل في مقدار ما تستطيع أن تحققه من استراتيجيتها الوطنية بالتعاون مع الآخرين.

ومن هنا ربما تبدأ المعادلة الجديدة للأمن العربي: سيادة وطنية أقوى، ومصالح وطنية واضحة، وتعاون إقليمي يجعل نجاح الجار جُزءًا من نجاح الدولة، لا تهديدًا له.

  • الدكتور داود رجب البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى