لبنان بين المحاور: ديبلوماسيّة التوازُن في شرقِ أوسط يَتَغَيَّر

مايكل يونغ*

استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيرًا الرئيس اللبناني جوزيف عون في واشنطن، في زيارةٍ فُسِّرت على أنها تندرج ضمن مساعي عون للحصول على دعم أميركي في المفاوضات التي يخوضها لبنان مع إسرائيل. وما إن عاد إلى بيروت حتى توجّه إلى تركيا، فيما تشير تقارير إلى أنَّ المملكة العربية السعودية قد تكون محطته الإقليمية المقبلة.

وتوحي هذه الحركة الديبلوماسية بأنَّ عون يسعى إلى تنويع قنوات التواصل الإقليمية والدولية، في وقتٍ حذّره منتقدوه من مخاطر وضع الرهان اللبناني كله في سلة إدارة ترامب. لكن المسألة تتجاوز خيارات الرئيس وحده، إذ تكشف أيضًا تبايُنًا في الطريقة التي تدير بها الدولة اللبنانية وكبار مسؤوليها ــ عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري ــ السياسة الخارجية، وفي موقع الديناميكيات الإقليمية ضمن حسابات كل منهم.

وقبل زيارة عون إلى تركيا بفترة وجيزة، كان سلام قد زار أنقرة بدوره، بعد زيارة قام بها نائب رئيس الحكومة طارق متري في حزيران (يونيو)، التقى خلالها نائب الرئيس التركي جودت يلماز ورئيس الاستخبارات إبراهيم كالين. وفي المقابل، يبقى بري محطة ثابتة في اتصالات المسؤولين الأجانب، الذين يتعاملون معه باعتباره طرفًا رئيسيًا في قنوات الحوار مع “حزب الله”.

ومهما تكن الفوائد التي يمكن أن يجنيها لبنان من تطوير سياسة خارجية متنوّعة، فإنَّ تعدُّد المسارات بهذا الشكل قد يعطي انطباعًا بسياسة خارجية مجزَّأة. ويكمن جُزءٌ من تفسير ذلك في إصرار عون على أن يكون المحرِّك الرئيسي للسياسة الخارجية اللبنانية، إذ همّش الرئيس وزير الخارجية يوسف رجي إلى حد كبير، فيما لم يبذل الأخير جهدًا يُذكر لصياغة دور مستقل وفاعل لنفسه على هذا الصعيد.

غير أنَّ هذا النظام المعقّد، على الرغم مما يكشفه من تعدد مراكز التواصل الخارجي، يتيح للبنان في الوقت نفسه هامشًا أوسع لاعتماد مقاربة أكثر توازنًا وتعددية في علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية. وتزداد أهمية هذا الهامش في بيئة إقليمية آخذة في التشكُّل وتزداد تعقيدًا، مع بروز تكتلات وقوى تسعى إلى تعزيز مواقعها ونفوذها.

ومن هذه الزاوية، يصبح التوازن أكثر من مجرد خيار ديبلوماسي؛ فهو ما يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة للحفاظ على مساحة حركة بين القوى والتكتلات المتنافسة، والحؤول دون تمكّن دولة واحدة، أو مجموعة من الدول، من فرض هيمنتها على الجميع.

وتجلّى هذا المشهد الكلاسيكي لتوازن القوى بوضوح الأسبوع الماضي مع توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. فعلى الرغم من تقديمها باعتبارها اتفاقية للدفاع المتبادل، فإنَّ هدفها الحقيقي يتجاوز الجانب العسكري إلى البُعدِ السياسي: وضع حجر الأساس لتحالف دولي يشكّل ثقلًا موازنًا للطموحات الإيرانية والإسرائيلية الرامية إلى فرض الهيمنة على المنطقة، ولا سيما في ظل تزايد احتمالات تراجع الانخراط الأميركي فيها. وهي، وفق تعبير المحلل السعودي هشام الغنام، تأكيد أنَّ “أمن المنطقة هو مسؤولية عربية وإسلامية في المقام الأول”.

ولم تكن قراءة القادة اللبنانيين لتأثير هذه التحولات الإقليمية على مستقبل البلاد واحدة في السابق. فنبيه بري ظل دائمًا شديد الحساسية تجاه الديناميكيات الإقليمية، فيما يدرك نواف سلام، وهو سني، أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع الدول العربية الكبرى في المنطقة. لكن سلام احتاج إلى وقت أطول للتعامل مع تركيا، بعدما رفض في البداية دعوات عدة لزيارتها، معتبرًا أنَّ التوقيت لم يكن مناسبًا.

ومع ذلك، يتمتع سلام بميزة الاستفادة من مشورة شخصيات ذات خبرة واسعة في الشؤون الإقليمية والديبلوماسية. فقد اضطلع كل من نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الثقافة غسان سلامة بأدوار ديبلوماسية مهمة مع الأمم المتحدة، ويتمتعان بمعرفة واسعة بالمنطقة واستعداد للمخاطرة في التعامل مع قضاياها. كما إنهما أقل تمسُّكًا بمركزية العلاقات اللبنانية مع واشنطن، من دون أن يعني ذلك أنهما معاديان للولايات المتحدة، وهو ما يجعلهما أكثر استعدادًا للتفكير خارج الأطر التقليدية.

أما الرئيس عون، فتولى منصبه وهو يبدو أقل إدراكًا للتحوُّلات الجارية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، ربما انطلاقًا من اعتقاد يشاركه فيه عدد من السياسيين اللبنانيين بأنَّ الولايات المتحدة تمثّل طوق النجاة للبلاد. ولم يكن ذلك مستغربًا بالنظر إلى أنَّ المؤسسة التي ترأسها سابقًا، أي الجيش اللبناني، اعتمدت بدرجة كبيرة على المساعدات والتدريب الأميركيين.

وكان من نتائج ذلك أنَّ عون احتاج إلى وقت أطول من سلام للتعامل مع واحدة من أهم قضايا السياسة الخارجية اللبنانية، وهي العلاقة مع سوريا. ونظرًا إلى أنَّ الجيش اللبناني خاض في آب (أغسطس) 2017 مواجهات ضد جماعات سورية متطرفة، من بينها الجماعة التي كان يقودها سابقًا الرئيس السوري أحمد الشرع، فقد يكون من الطبيعي أن يتحرّك عون بحذر وببطء في هذا الملف.

لكن حالة التخبُّط الأولي التي طبعت أداء كل من عون وسلام في مواءمة سياسات لبنان مع الأولويات والتحوّلات الإقليمية تبدو وقد تغيرت مع مرور الوقت. فقد التقى كلاهما خلال الأشهر الأخيرة عددًا كبيرًا من المبعوثين الإقليميين، ما أتاح لهما فهمًا أكبر للطريقة التي ينبغي للبنان أن يحدد بها موقعه في البيئة الجديدة.

ويبدو أنَّ ثمة إجماعًا يتبلور بين الرؤساء الثلاثة (عون، بري وسلام) على أنَّ أي خطوات تتضمن مفاوضات سلام مع إسرائيل، بما يدفع لبنان نحو دائرة النفوذ الإسرائيلي، قد تقود في المقابل إلى عزله عن الأطراف العربية والإقليمية الفاعلة التي تتمتع بنفوذ كبير داخل البلاد. وهي معادلة تضع السياسة الخارجية اللبنانية أمام ضرورة الموازنة بين مساراتها المختلفة بدل الارتهان لمسار واحد.

وقبل أشهر عدة، وتحديدًا قبل اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كان عون أكثر انفتاحًا على فكرة إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل. لكنه تراجع لاحقًا عن هذا الموقف، ليعيد لبنان التأكيد على التزامه بمبادرة السلام العربية للعام 2002، التي تشترط قبول إسرائيل بقيام دولة فلسطينية أولًا كشرط مسبق لتحقيق السلام.

وفي ضوء هذه التحوّلات، يبدو أنَّ القادة اللبنانيين الثلاثة يميلون إلى توافقٍ متزايد على أنَّ مصلحة لبنان تكمن في تجنّب الانقسام تحت وطأة التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى. ويقتضي ذلك الحفاظ على علاقات قوية مع الدول العربية والإسلامية الرئيسية، والابتعاد عن الانخراط في الفلك الإسرائيلي، بما يتيح للبنان النأي بنفسه، قدر الإمكان، عن التوترات والصراعات الإقليمية.

فالسيادة اللبنانية كانت دائمًا مفهومًا نسبيًا، بحُكم موقع البلاد وتشابك أوضاعها الداخلية مع محيطها الإقليمي. لكن لبنان سيكون الخاسر الأكبر إذا اختار الانحياز إلى أحد أطراف صراع إقليمي لا يمتلك فيه سوى قدرة محدودة على التأثير في مساره أو نتائجه.

ومن هنا، يصبح الانفتاح على مختلف الأطراف، مع الحفاظ على هامش للمناورة بينها، أكثر من مجرد خيار في إدارة السياسة الخارجية. إنه النهج الأكثر منطقية وجدوى لبلد يحتاج، وسط إعادة تشكّل موازين القوى في المنطقة، إلى حماية مصالحه وتجنّب أن يتحوّل مجددًا إلى ساحة لصراعات الآخرين.

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى