يساري في “داونينغ ستريت”
محمّد قوّاص*
حمل رئيس وزراء بريطانيا الجديد، أندي بيرنهام، خطابًا عقائديًا واعدًا بعث برسالة أمل إلى البلاد. لكن شكل وطبيعة ومضمون ما يعد به الرجل أقلق البريطانيين من أن يكون في مبالغاته التغييرية شعبوية حالمة لا تستوي مع الواقع والوقائع. فالبلد المتخبّط منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016 عرف سبعة رؤساء للوزراء وعدوا كثيرًا وفعلوا كثيرًا من دون تحقيق النجاحات المرجوة.
تغيّرت بريطانيا. لم تعد تلك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. قادتها السياسات الثاتشرية ثم حقبة الطريق الثالث لتوني بلير إلى البحث الدائم عن نفسها داخل عالم جلف شديد التغيُّر عجزت البلاد عن التأقلم معه. دفعها الانحدار الإيديولوجي المرتجل إلى الانخراط في “بريكست تجريبي” تعترف كل استطلاعات الرأي هذه الأيام بأنه كان خطأ فادحًا.
أطاح حزب العمال اليساري بحكم المحافظين اليميني بأغلبية وازنة عام 2024. لم يهضم الناخبون قبل ذلك منح ثقتهم لتوجهات الحزب اليسارية “جدًا” تحت زعامة جيريمي كوربن عام 2019، فأعطوا ثقتهم قبل عامين للحزب بقيادة كير ستارمر. اجتهد الرجل وسعى وحاول، غير أنَّ أداء حكومته كان من السوء بحيث مُنِيَ بهزيمةٍ كبرى في الانتخابات المحلية قبل شهرين أدت إلى الاستنجاد بعمدة مانشستر أندي بيرنهام ليكون زعيمًا للحزب والبلاد.
لا يشبه برنامج الرجل تلك البرامج التقليدية لإدارة البلاد. تقرأ في كلماته عبق وعود تغييرية للنظام السياسي في البلاد ومنظومة إدارة الدولة. حتى إنه لم يعد يرى في لندن مركزًا مقدّسًا للسلطات، وهو ذاهب إلى نقل السلطات إلى المناطق ويخطط لفتح فرع لمركز رئاسة الحكومة في “10 داونينغ ستريت” في مانشستر.
يستند بيرنهام إلى تجربته الناجحة عمدة ثلاث مرات لمنطقة مانشستر الكبرى. في ثنايا تلك المرحلة سلوك يساري المنهج يلامس عمليات تأميم تنهي ثاتشرية جعلت من الخصخصة وانسحاب الدولة إلى الحدود الدنيا من الاقتصاد مدرسة عابرة للحدود. لا تبتعد وعود زعيم البلاد عن المنطق الذي اعتمده العمدة مع فارق أن مانشستر منطقة من ثلاثة ملايين نسمة، فيما 70 مليونًا يسكنون المملكة المتحدة.
قد يسهل الوعد بتوسيع المشاركة لتشمل كافة تيارات حزب العمال، فذلك أمر من شأنه توحيد الحزب وإزالة الخلافات وتجنّب الكوابح الداخلية. ومن السهل الوعد بأن يتمدد التشاور صوب بقية الأحزاب حتى تلك المعارضة منها، غير أنَّ في تلك الوعود طوباوية تتجاهل أنَّ إدارة الحكم ليست عملية خيرية تقودها النوايا الحسنة، بل صراع يفرضه منطق السياسة في ديموقراطية عريقة كبريطانيا.
يتساءل المراقبون عن تلك الموارد المالية التي لم يهتدِ إليها رؤساء حكومات من قبله لتمويل الإصلاحات التي يَعِدُ بها في الاقتصاد والتنمية والعدالة الاجتماعية والأمن والدفاع. ويتساءلون عن قدرة فريقه الوزاري على مجاراة أحلام زعيمه، وهم الذين خبروا قبل ذلك إكراهات الحكم وحدود إمكاناته.
قد يحتاج البلد على نحو عاجل إلى زعيم كارزماتي كبيرنهام يبثّ في الأمة روحًا معنوية عالية ويستخدم من أجل ذلك الفصاحة والكلمات، غير أنَّ ما نفخته الساعات الأولى من آمال سرعان ما قد تكشفه الساعات اللاحقة.
لن يحيد بيرنهام عن سياسة خارجية لبلد نووي يمتلك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي وأصلٍ مؤسس للمنظومة الغربية. لن يتغير موقف لندن في عهده في دعم أوكرانيا ومواجهة روسيا والتقرب من الاتحاد الأوروبي من دون العودة عن ال”بريكست”. سيكمل جهود الحكومة السابقة للانخراط في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع تحوُّل محتمل باتجاه ضخّ ميزانيات في قطاع الدفاع.
سيكون على الرجل إصلاح ما انكسر في علاقات لندن وواشنطن، ولا يبدو ذلك مستحيلًا على الرغم من انتقادات بيرنهام السابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. لم يُبدِ زعيم بريطانيا الجديد أيَّ تحوّل في ديبلوماسية بلاده، في ما عدا استهجانه المبكر لموقف الحكومة السابقة من حرب غزة، فقدم اعتذارًا ووعد بسياسة أخرى.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



