الجزائر… نجاحٌ رقابي وأزمة اقتصادية
رُغمَ خروج الجزائر من “القائمة الرمادية” واستعادتها جانبًا من الثقة الدولية، فإنَّ التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي تكشف أنَّ الإصلاح الحقيقي لا يزال مؤجَّلًا، وأن الاقتصاد يبقى أسير الريع النفطي والاختلالات البنيوية.

أمين أيوب*
استقبلت الجزائر قرار شطبها من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF) في حزيران (يونيو) 2025 بوصفه إنجازًا ديبلوماسيًا ورقابيًا يعكس تحسُّنًا في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما عزز إشادة صندوق النقد الدولي بالإصلاحات التي نفذتها السلطات الجزائرية هذا الانطباع، مانحًا النظام دفعة من الشرعية الدولية بعد سنوات من التدقيق والرقابة. لكن، خلف هذا النجاح الظاهري، حمل التقرير نفسه رسائل أقل تفاؤلًا؛ إذ كشف عن اختلالات بنيوية عميقة في إدارة الاقتصاد الكلي، لتبرز مفارقة لافتة بين التقدُّم في الامتثال للمعايير المالية الدولية واستمرار السياسات الاقتصادية التي تُهدّد الاستقرار على المديين المتوسط والطويل.
وجاء رفع اسم الجزائر من القائمة الرمادية بعد سلسلة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية الهادفة إلى مواءمة المنظومة المالية الوطنية مع المعايير الدولية. فقد شددت السلطات القيود على التعاملات النقدية، وحظّرت استخدام الأموال النقدية في شراء العقارات والمركبات الجديدة، وعززت الرقابة على الودائع المصرفية، بالتوازي مع حملات أمنية استهدفت شبكات الاقتصاد الموازي. كما يواصل البرلمان مناقشة تعديلات إضافية على قوانين مكافحة غسل الأموال بهدف ترسيخ هذه الإصلاحات. ورغم أنَّ هذه الإجراءات أسهمت في استعادة جُزءٍ من الثقة الدولية، فإنها لم تعالج جوهر الأزمة الاقتصادية، التي لا تزال تتمثل في هشاشة النمو واستمرار الاعتماد على الإنفاق العام والريع النفطي.
وتكشف ملاحظات صندوق النقد الدولي، الصادرة في ختام مشاورات “المادة الرابعة”، حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الجزائري. فقد دعا رئيس بعثة الصندوق، شارالامبوس تسانغاريديس، إلى تبنّي إصلاحات مالية شاملة تُعيدُ الانضباط إلى المالية العامة وتعزّز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، محذّرًا من التآكل المتسارع لهوامش الأمان المالية والخارجية. وكان أكثر ما لفت الانتباه مطالبة الصندوق بوقف اللجوء إلى التمويل النقدي لعجز الموازنة، وهي السياسة التي سبق للرئيس عبد المجيد تبون أن انتقدها، لكنها لا تزال حاضرة في إدارة الاقتصاد. ورُغمَ تحقيق الاقتصاد نموًا بلغ 3.9 في المئة خلال عام 2025 بفضل الإنفاق والاستثمارات الحكومية، فإنَّ هذا الأداء يخفي اختلالات مالية متفاقمة، أبرزها عجز في الموازنة يناهز 10.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين العام إلى نحو 52.1 في المئة من الناتج، مدفوعًا بتحويلات استثنائية من المؤسسات العامة والبنك المركزي.
وبذلك، تبدو الجزائر أمام مفارقة واضحة؛ فهي تحقق تقدمًا في الامتثال للمعايير المالية الدولية، لكنها لا تزال عاجزة عن الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة، يقوم على الإنتاجية والتنويع بدلًا من الاعتماد على العائدات النفطية والتمويل النقدي، وهو ما يضع نجاحها التنظيمي أمام اختبار اقتصادي أكثر تعقيدًا في السنوات المقبلة.
اقتصاد رهينة النفط
ويعود هذا الاختلال المالي، في جوهره، إلى استمرار النموذج الريعي الذي يقوم عليه الاقتصاد الجزائري، حيث تظلُّ عائدات النفط والغاز المصدر الرئيس لتمويل الإنفاق الحكومي. وتكشف موازنة عام 2026 حجم هذا الاعتماد؛ إذ رصدت الحكومة أكثر من خمسة مليارات دولار لتمويل منظومة واسعة من الدعم تشمل الطاقة والحليب والسكر وزيت الطهي، إلى جانب الإنفاق السخي على قطاعي الصحة والتعليم العام. وبينما يساهم هذا النموذج في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي على المدى القصير، فإنه يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. صحيح أنَّ الارتفاع المؤقت في أسعار النفط، بفعل التوترات الإقليمية، وفّرَ متنفَّسًا محدودًا للخزينة، إلّا أنَّ استقرار الأسعار لاحقًا عند نحو 72 دولارًا للبرميل أعاد المخاطر إلى الواجهة، خصوصًا أنَّ هذا المستوى لا يبتعد كثيرًا عن السعر المرجعي الذي بُنيت عليه تقديرات الموازنة، ما يُقلّص هامش المناورة أمام أيِّ تراجع محتمل في الأسواق العالمية.
ومن هذا المنطلق، يحذر صندوق النقد الدولي من أنَّ استمرار العجز عند مستوياته الحالية يهدد الاستدامة المالية ويزيد الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية، فضلًا عن تسارع وتيرة تراكم الدين العام. ولا تقتصر مصادر القلق على تقلّب أسعار النفط وحدها، بل تمتد إلى التشابك الوثيق بين الدولة والشركات العامة والبنوك الحكومية، وهو ما يحدُّ من كفاءة تخصيص الموارد ويُضعفُ قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. وفي المقابل، لا يزال الحديث الرسمي عن تنويع الاقتصاد يتقدّم بوتيرة أسرع من الإصلاحات الفعلية على الأرض. فالقطاع الخاص، الذي يُفترض أن يقود عملية التحوُّل الاقتصادي، ما زال يصطدم بعقبات مُزمِنة، في مقدمتها البيروقراطية المعقدة، والفساد، وغياب بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ. ولهذا شدد خبراء صندوق النقد الدولي على أنَّ الخروج من “القائمة الرمادية” يمثّل خطوةً إيجابية، لكنه لن يترجم إلى مكاسب اقتصادية مستدامة ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تفسح المجال أمام نموٍّ يقوده الاستثمار والإنتاج، لا الإنفاق الحكومي وحده.
الإصلاح المؤجل
وتعكس هذه المُعضِلة طبيعة النموذج السياسي الذي يحكم الاقتصاد الجزائري، حيث تتقدّم اعتبارات السيطرة السياسية على متطلبات الإصلاح الاقتصادي. فاستمرار هيمنة القطاع العام، ومحدودية الشفافية في صنع القرار، واعتماد حملات مكافحة الفساد بصورة انتقائية، غالبًا ما يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك بعض شبكات الاقتصاد الموازي ومصادرة مبالغ كبيرة من الأموال المتداولة خارج المنظومة الرسمية، فإنَّ هذه الإجراءات تبدو أقرب إلى المعالجة الأمنية منها إلى الإصلاح المؤسسي. فالشبكات الاقتصادية المرتبطة بمراكز النفوذ داخل الدولة لا تزال تحتفظ بمواقعها، في ظلِّ غياب إصلاحات تعزز المنافسة، وتكافؤ الفرص، واستقلالية المؤسسات، وهي الشروط التي لا غنى عنها لبناء اقتصادٍ أكثر ديناميكية واستدامة.
ويعود هذا الاختلال المالي، في جوهره، إلى استمرار النموذج الريعي الذي يقوم عليه الاقتصاد الجزائري، حيث تظل عائدات النفط والغاز المصدر الرئيس لتمويل الإنفاق الحكومي. وتكشف موازنة عام 2026 حجم هذا الاعتماد؛ إذ رصدت الحكومة أكثر من خمسة مليارات دولار لتمويل منظومة واسعة من الدعم تشمل الطاقة والحليب والسكر وزيت الطهي، إلى جانب الإنفاق السخي على قطاعي الصحة والتعليم العام. وبينما يساهم هذا النموذج في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي على المدى القصير، فإنه يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. صحيح أنَّ الارتفاع المؤقت في أسعار النفط، بفعل التوترات الإقليمية، وفّرَ متنفسًا محدودًا للخزينة، إلّا أنَّ استقرار الأسعار لاحقًا عند نحو 72 دولارًا للبرميل أعاد المخاطر إلى الواجهة، خصوصًا أنَّ هذا المستوى لا يبتعد كثيرًا من السعر المرجعي الذي بُنيت عليه تقديرات الموازنة، ما يقلّص هامش المناورة أمام أيِّ تراجُعٍ مُحتَمَل في الأسواق العالمية.
ومن هذا المنطلق، يحذّر صندوق النقد الدولي من أنَّ استمرار العجز عند مستوياته الحالية يهدد الاستدامة المالية ويزيد الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية، فضلًا عن تسارع وتيرة تراكم الدين العام. ولا تقتصر مصادر القلق على تقلّب أسعار النفط وحدها، بل تمتد إلى التشابك الوثيق بين الدولة والشركات العامة والبنوك الحكومية، وهو ما يحد من كفاءة تخصيص الموارد ويضعف قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. وفي المقابل، لا يزال الحديث الرسمي عن تنويع الاقتصاد يتقدّم بوتيرة أسرع من الإصلاحات الفعلية على الأرض. فالقطاع الخاص، الذي يُفترض أن يقود عملية التحوّل الاقتصادي، ما زال يصطدم بعقبات مزمنة، في مقدمتها البيروقراطية المعقدة، والفساد، وغياب بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ. ولهذا شدّد خبراء صندوق النقد الدولي على أنَّ الخروج من “القائمة الرمادية” يمثل خطوة إيجابية، لكنه لن يترجم إلى مكاسب اقتصادية مستدامة ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تفسح المجال أمام نموٍّ يقوده الاستثمار والإنتاج، لا الإنفاق الحكومي وحده.
وتعكس هذه المعضلة طبيعة النموذج السياسي الذي يحكم الاقتصاد الجزائري، حيث تتقدم اعتبارات السيطرة السياسية على متطلبات الإصلاح الاقتصادي. فاستمرار هيمنة القطاع العام، ومحدودية الشفافية في صنع القرار، واعتماد حملات مكافحة الفساد بصورة انتقائية، غالبًا ما يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك بعض شبكات الاقتصاد الموازي ومصادرة مبالغ كبيرة من الأموال المتداولة خارج المنظومة الرسمية، فإنَّ هذه الإجراءات تبدو أقرب إلى المعالجة الأمنية منها إلى الإصلاح المؤسسي. فالشبكات الاقتصادية المرتبطة بمراكز النفوذ داخل الدولة لا تزال تحتفظ بمواقعها، في ظلِّ غياب إصلاحات تعزز المنافسة، وتكافؤ الفرص، واستقلالية المؤسسات، وهي الشروط التي لا غنى عنها لبناء اقتصاد أكثر ديناميكية واستدامة.
- أمين أيوب كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي مغربي.. تركز كتاباته على الإسلام السياسي والجهاد وإسرائيل وسياسة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على: @amineayoubx




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.