الطاقة العالمية… خريطةٌ جديدة في عالمٍ أقلّ ثقة
لم تعد أسواق الطاقة العالمية تُدار بالاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل باتت الجغرافيا السياسية والثقة في أمن الإمدادات تؤديان دورًا متزايدًا في رسم مسارات التجارة والاستثمار. ويعيد هذا التحوُّل تشكيل خريطة الطاقة العالمية، مع تداعيات يُرجَّح أن تمتدَّ آثارها لسنواتٍ طويلة.

فاتح بيرول*
يشهد قطاع الطاقة العالمي تحوُّلات عميقة تُعيدُ رسم خريطة الأسواق ومسارات التجارة الدولية بوتيرةٍ غير مسبوقة. فبعد أشهرٍ من التقلُّبات الحادة التي عصفت بأسواق النفط والغاز، جاء الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، الهادف إلى إعادة فتح مضيق هرمز وترسيخ أُسُسِ سلام دائم، ليبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق العالمية. وقد عكست الأسابيع التي أعقبت الاتفاق مؤشرات مشجعة، تمثلت في زيادة ملحوظة في صادرات النفط والغاز عبر المضيق، ما أسهم في تخفيف جزء من الضغوط التي كانت تُثقل كاهل أسواق الطاقة.
ورُغمَ أنَّ هذه التطوُّرات تمثّل خطوةً إيجابية، فإنها لا تُبدّد بالكامل حالة عدم اليقين التي لا تزال تُخيِّم على المشهد. فقد أعاد تجدُّد تبادل إطلاق النار هذا الأسبوع التذكير بأنَّ الاستقرارَ لا يزال هشًّا، وأنَّ مستقبل المنطقة، وما يرتبط به من تدفُّقات الطاقة، يبقى رهنًا بالتطوُّرات السياسية والعسكرية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
ومع ذلك، فإنَّ مصير هذا الصراع، سواء انتهى بتسوية دائمة أو عاد إلى التصعيد، لن يُغيِّرَ حقيقة أنَّ سوق الطاقة العالمية دخلت بالفعل مرحلة جديدة. فالتحوُّلات التي نشهدها اليوم ليست نتاج الأزمة الحالية وحدها، بل هي نتيجة تراكم آثار صدمتين كبيرتين تعرّضَ لهما نظام إمدادات الطاقة العالمي خلال أقل من خمس سنوات، وهو ما أدّى إلى إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي حكمت تجارة النفط والغاز لعقود.
في مطلع هذا العقد، كان نظام تجارة الطاقة العالمي يقوم على ركيزتين أساسيتين. الأولى تمثلت في العلاقة الوثيقة بين الموارد الضخمة من النفط والغاز في غرب سيبيريا والأسواق الأوروبية التي اعتمدت لسنوات طويلة على الواردات الروسية لتلبية جانب كبير من احتياجاتها. أما الركيزة الثانية، فكانت تقوم على التكامل بين الاحتياطيات الهائلة للطاقة في الشرق الأوسط والطلب المتنامي من الاقتصادات الآسيوية الكبرى، التي أصبحت المحرّك الرئيس لنمو استهلاك الطاقة في العالم.
وقد أثبت هذان المساران التجاريان، على مدى سنوات، قدرةً لافتة على الصمود أمام التوتّرات الجيوسياسية المتكررة. فقد ساد اعتقادٌ واسع بأنهما يتمتّعان بدرجة عالية من الاستقرار، ليس فقط بسبب الاعتبارات السياسية، بل لأنَّ الأسس الاقتصادية التي قام عليها كل منهما كانت قوية بما يكفي لجعل جميع الأطراف المستفيدة حريصة على تجنُّب أي اضطراب قد يهدد استمرار هذه العلاقات التجارية الحيوية.
من منطق السوق إلى منطق الجغرافيا السياسية
بعد نحو خمس سنوات فقط، شهدت هاتان العلاقتان التجاريتان تحوُّلًا جذريًا، رغم أنهما كانتا تبدوان قائمتين على أُسُسٍ اقتصادية راسخة يصعب زعزعتها.
فقد أدى الغزو الروسي لأوكرانيا، وما تبعه من استخدام روسيا لمكانتها كمورّدٍ رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا، إلى دفع الاتحاد الأوروبي نحو الالتزام بالتخلُّص التدريجي والكامل من واردات الغاز الروسي قبل نهاية العقد الحالي.
وفي الوقت نفسه، حوّلت الحرب المرتبطة بإيران مضيق هرمز، الذي كان يمثل ممرًّا مائيًا حيويًا يمرُّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، إلى ممرٍّ بالغ الخطورة، بعدما أحجمت أعداد كبيرة من السفن عن عبوره منذ اندلاع الحرب.
ومن خلال حواراتي مع مسؤولين حكوميين ورؤساء شركات، يتّضح أنَّ الرأي الغالب هو أنه لم يعد من الممكن العودة إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في 28 شباط (فبراير). فبصرف النظر عن مآلات الصراع أو نتائج مفاوضات السلام، بات العالم يدرك أنَّ هذا المضيق يمكن أن يُغلَق في أيِّ وقت، وأنَّ الثقة به بوصفه ممرًا تجاريًا آمنًا ومستقرًّا قد تراجعت بصورة كبيرة.
وتطرح هاتان الصدمتان الكبريان، اللتان وقعتا في عامي 2022 و2026، تحديًا مباشرًا لمبدَإِ “الاعتماد المتبادل” الذي قامت عليه بنية قطاع الطاقة العالمي. فقد ساد الاعتقاد طويلًا بأنَّ تجارة الطاقة تحكمها في المقام الأول الاعتبارات الاقتصادية، إلّا أنَّ تجارة الطاقة، شأنها شأن سلع أخرى، أخذت تتحوّل في عالم اليوم إلى أداةٍ جيوسياسية، يمكن أن تمثل ميزة استراتيجية لبعض الدول، كما قد تتحوّل إلى نقطة ضعف استراتيجية لدول أخرى. وهو تحوُّلٌ عميق ستكون له تداعيات تتجاوز قطاع الطاقة إلى مجالات أوسع.
ولطالما ارتبط قطاع الطاقة بالجيوسياسة، بدرجات متفاوتة، نظرًا إلى دوره المحوري في الاقتصادات الحديثة. غير أنَّ التوسُّع في العولمة والانفتاح المتزايد للأسواق خلال العقود الماضية جعلا الاعتبارات الاقتصادية والتجارية المحرّك الرئيسي لهذا القطاع.
ويُعَدُّ الصعودُ اللافت لصناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين مثالًا واضحًا على الكيفية التي يُمكن أن يُحدث بها الابتكار والمنافسة الاقتصادية تحوّلًا في معالم سوق الطاقة العالمية. فقد انتقلت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط في العالم، وهو الموقع الذي شغلته حتى عام 2013، إلى أحد كبار المصدّرين خلال أقل من عقد. وفي الوقت نفسه، أسهم الانخفاض السريع في تكاليف الألواح الشمسية، والبطاريات، والمركبات الكهربائية، في تعزيز القدرة التنافسية للطاقة النظيفة وتسريع انتشارها على نطاق واسع، الأمر الذي ترك آثارًا واسعة على أنظمة الطاقة في مختلف أنحاء العالم.
إلّا أنَّ ما نشهده اليوم يشير إلى تحوُّلٍ في العوامل التي تُعيدُ تشكيل نظام الطاقة العالمي، إذ أصبحت الاعتبارات الجيوسياسية تؤدي دورًا متزايدًا على حساب العوامل التجارية والاقتصادية. ولا يقتصر هذا التحوُّل على النفط والغاز؛ فقد أظهرت الصين، خلال العام الماضي، قدرتها على توظيف مكانتها المهيمنة في إمدادات المعادن الأرضية النادرة، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في تقنيات الطاقة الحديثة وعدد من الصناعات الاستراتيجية الأخرى، كورقة ضغط في تعاملاتها مع بعض الاقتصادات.
ومن المتوقع أن تكون لهذا التحوُّل تداعيات طويلة الأمد، إذ يتطلب قطاع الطاقة استثمارات رأسمالية ضخمة، ما يجعل قرارات الاستثمار وإقامة الشراكات مبنية بطبيعتها على رؤى طويلة الأجل. وقد دفعت التطوّرات الأخيرة بالفعل العديد من الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها في مجال الطاقة وخططها الاستثمارية.
وفي ظلِّ هذه المراجعات، قد يشهد العالم تعزيزًا لبعض الاتجاهات التي برزت بوضوح عقب أزمة الطاقة العالمية خلال الفترة بين عامي 2021 و2023. فمنذ عام 2021، اتجه الإنفاق الرأسمالي في الدول المستوردة للطاقة بصورة متزايدة نحو المصادر المحلية التي تحدُّ من الاعتماد على واردات الوقود، وهو ما انعكس في تنامي الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، إضافة إلى الفحم في بعض الحالات.
وعندما تنظر الدول إلى الأسواق الدولية لاتخاذ قراراتها بشأن أنواع الوقود والتقنيات التي ستستوردها، أو وجهات استثماراتها، أو حتى طرق التجارة والمورّدين الذين ستعتمد عليهم، فإنَّ الثقة ستصبح أحد أهم العوامل الحاسمة في رسم تلك الخيارات.
الثقة… العملة الجديدة في أسواق الطاقة
وبدلًا من الاكتفاء باختيار الإمدادات الأقل تكلفة، ستبدأ الشركات والدول في احتساب علاوات جديدة للمخاطر الجيوسياسية عند تقييم مصادر التوريد، بما في ذلك الإمدادات التي كانت تُعَدُّ سابقًا خيارات آمنة وموثوقة. ولن يقتصر معيار الاختيار مستقبلًا على السعر وحده، بل سيشمل أيضًا مستوى الموثوقية، وإمكانية التنبؤ باستمرار تدفقات الإمدادات.
وفي الوقت نفسه، ستتجه الدول بصورة متزايدة إلى تنويع خياراتها. ففي الشرق الأوسط، بدأت بالفعل جهود لإيجاد مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق، سواء لنقل الطاقة أو غيرها من السلع، بما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز. وعلى سبيل المثال، تُسرِّع دولة الإمارات العربية المتحدة تنفيذ مشروع إنشاء خطٍّ ثانٍ لنقل النفط إلى ميناء الفجيرة، الواقع خارج المضيق. كما يدرس منتجو النفط في الخليج خيارات أخرى لتقليل الاعتماد عليه، من بينها إنشاء مخزونات نفطية مباشرة في الدول المستوردة.
ولا يقتصر هذا التوجه على الشرق الأوسط؛ إذ يعمل منتجون في مناطق أخرى أيضًا على توسيع نطاق وصولهم إلى الأسواق العالمية. ومن الأمثلة على ذلك الجهود المتجددة في كندا لتطوير البنية التحتية الخاصة بالنفط والغاز الطبيعي المسال، بما يتيح نقل مواردها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
أما من جانب الدول المستهلكة، فستتركز الأولوية على تعزيز مرونة منظومة الإمدادات وقدرتها على الصمود، من خلال الانتقال من نهج “التوريد في الوقت المناسب” (just-in-time) إلى نهج “الاستعداد للطوارئ” (just-in-case). غير أنَّ هذا التحوُّل ينطوي على تكاليف إضافية ومقايضات قد تؤثر في القدرة على تحمّل تكاليف الطاقة.
فإنشاء مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتوفير طاقات احتياطية إضافية، رغم انخفاض معدلات استخدام بعض البنى التحتية الاحتياطية، إلى جانب الاستثمار في المخزونات وغيرها من إجراءات التحوُّط، كلها تدابير تُسهِمُ في تعزيز أمن منظومة الطاقة، لكنها تجعلها في الوقت نفسه أكثر كلفة.
وتجري اليوم عملية إعادة رسم لخريطة الطاقة العالمية، وستكون الثقة المتبادلة بين الدول والشركات أحد العوامل الحاسمة في تشكيل ملامح هذا النظام الجديد. ومع ذلك، يبدو واضحًا أننا بدأنا جميعًا ندفع ثمن العيش في عالم تتراجع فيه مستويات الثقة.
- فاتح بيرول هو المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.