المهرجانات ليست المعيار
هنري زغيب*
ما زالت وسائلُ الإِعلام ووسائطُ التواصل الإِلكتروني تُطالعنا بإِعلان المهرجانات الصيفية إِلغاءَ برامجها لهذا الصيف. وهذا طبعًا تدبيرٌ حكيمٌ من مسؤُولي المهرجانات، لدَرءِ الخطَر عن جمهورها، ولاحتساب ما قد يَستجدُّ أَمنيًّا في البلادِ الْما زالت واقفةً تترنَّحُ على حدِّ الخطر.
وغالبًا ما يرافقُ خبرَ الإِلغاء تعليقٌ آسفٌ على ضَعف المقاومة الثقافية بغياب المهرجانات الفنية. لست أَنفي هذا الواقع، لكنه جُزءٌ بسيطٌ من مقاومة ثقافية جدِّية تقوم بها جهات خاصة ومدنية، في قطاعات عدَّة ومناسبات مختلفة، تُثْبت حيويةَ الشعب اللبناني في مواجهة الأَخطار. وهي حيويةٌ ديناميةٌ تعكِس ما في شعبنا من نبْضٍ حيٍّ لا يني ولا يتوقف، مهما انهالت صواعق، وأَيًّا يكُن جنون الرياح. ويغبِطُ أَنَّ عددًا كبيرًا من الاحتفالات النبيلة كان دعمًا شعبَنا المنكوبَ في الجنوب.
غير أَنَّ الذي لا يغبِط، ما يُعطى على معظم الشاشات من حيِّزٍ قليلٍ بخيلٍ ضئيلٍ للنشاط الثقافي، في كمشة ثوانٍ تبلُغ دقيقةً أَو أَقَلّ، فيما أَيُّ حديثٍ لواحد من “بيت بو سياسة” يُعطى له الهواءُ دقائقَ مملَّة متشدِّقةً جوفاء ليَدلق فيها تصريحًا لا يَهمُّ أَحدًا ولا يُصَدِّقُه أَحد.
المقاومة الثقافية، كي تنتشرَ وتتعمَّم، يلزمها الإِعلام المسؤُول الداعم كي تُفيدَ وتحفِّزَ الآخرين على العمل للبنان الإِبداع والقيَم، وهي المساحةُ المضيئةُ وسط عتمةِ أَخبار الأَمن والسياسة والتصاريح السياسية.
ومع انتشار حلَقات الـ”توك شو” (Talk Show) على شاشات “التلافيز”، وانتشار منصَّات البودكاست (Podcast)وتطبيقاتها على الشاشات الهاتفية المحمولة، نادرًا ما يعمدُ مقدِّموها إِلى تغطية حدثٍ ثقافيٍّ أَو تظاهرةٍ ثقافية، بل يَغرَقون ويُغرِقون مُشاهديهم بحواراتٍ مع أَشخاص “بيت بو سياسة”، أَو مع أَهل الغناء من الدرجة الرابعة وما دون.
إِذًا: غيابُ المهرجانات الصيفية ليس معيارًا لغياب المقاومة الثقافية. ولا هي حفلات الأَغاني وامتلاء المطاعم بها. المقاومة الثقافية هي بعِنادِ الاستمرار في كلِّ تحركٍ ثقافيٍّ، لأَنه هو الأَبقى والأَرقى والأَنقى، وهو الذي يتواصلُ في الزمان، حين على حفافي الوقت الآتي يتساقطُ كلُّ نشاطٍ سياسيٍّ آنيٍّ عابرٍ، لأَنه يبدأُ زائلًا من لحظة حُدُوثه.
ووجهُ لبنانَ الدائمِ في الزمان كان، ولا يَزال، وسيبقى في كلِّ حدثٍ أَو احتفالٍ ثقافيٍّ يُنَصِّعُ صورةَ لبنانَ الإِبداع في ذاكرة المستقبل.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



