الهويّة اللبنانية في قلبِ نيويورك

هنري زغيب*

أَمَّا واللغطُ في نيويورك انتهى بإِزالة اللوحة السوداء حدَّ النُصْب الغريب العجيب، وكان عليها أَنَّ أَعضاء “الرابطة القلمية” هم “سوريون” تجمَّعوا مع نهاية القرن التاسع عشر في حيٍّ من أَسفل مانهاتان سُمِّيَ “سورية الصُغرى”، فالشكْر في إِزالة اللوحة المغلوطة وتصحيحها، يعود إِلى تحرُّكٍ سريعٍ بمراسَلَةٍ من وزير الثقافة إِلى وزير الخارجية، ومنه إِلى سفيرتنا في واشنطن فالقنصل اللبناني العام في نيويورك، بعدما انفجرَت الاعتراضات الشعبية على ما كان في تلك اللوحة التعريفية المغلوطة السوداء من تَعَامٍ، جهلًا أَو عمدًا، عن الهوية الحقيقية لأَعضاء “الرابطة القلمية”.

محور الموضوع هنا: “التعامي عن الهوية”. فعبارة “سورية الصُغرى” تُطلَق مثلُها على حيٍّ آخر من مانهاتن سُمِّيَ “إِيطاليا الصغرى”، وهي تسمية ذات طابع تجاري بحت، لأَن في الحي دكاكينَ ومحالَّ ومؤسساتٍ تجاريةً صغرى لمهاجرين جاؤُوا من إِيطاليا وتجمَّعوا في ذاك الحي العتيق. تمامًا كما تجمَّع في تلك البقعة من مانهاتن لبنانيون وسوريون وفلسطينيون ذَوو دكاكينَ ومحالَّ ومؤَسساتٍ شاع اصطلاحًا شعبيًّا أَنها “سورية الصُغرى”، لأَن أُولئك المهاجرين هرَبوا من التسمية التركية إِبَّان السَلطنة العثمانية في بلادنا عهدذاك، بدليل ما جاء في بطاقة جبران الأَميركية الرسمية لدائرة الهجرة من أَنَّ بلد المنشأ هو تركيا لأَنه، حين دخَل في 25 حزيران (يونيو) 1895 من بوابة الهجرة في إِيليس آيلند، كانت أَوراقه الثبُوتية صادرة عن السلطنة العثمانية.

هذا الواقع التاريخي صحيح عهدذاك. واللبنانيون الْهاجروا فترتئذٍ، بما عانوه تحت الجور التركي من تلك السلطة العثمانية، رفضوا التتريك وتجمَّعوا في تلك الناحية من مانهاتن، لا كسوريين بمفهوم الدولة، بل كانت تسمية تجارية اصطلاحية شعبية لأُولئِك المهاجرين اللبنانيين الْكانوا في معظمهم من جبل لبنان، إِنما لم يكًن لجبل لبنان عهدئذ كيان رسمي دولي تصدر عنه بطاقات رسمية.

هذا هو اللغط أَحدثَتْه تلك اللوحة المعدنية التعريفية، ولا دخْلَ لبلدية نيويورك التي أَعطت، مشكورةً، قطعة الأَرض لإِقامة ذاك النُصْب الهجين، بل اللومُ على “جمعية شارع واشنطن التاريخية”، ورئيستها ليندا جاكوب، لأَنها هي التي تولَّت المعلومات على اللوحة السوداء. كان يجب أَن تراجع القنصلية اللبنانية العامة في نيويورك قبل وضْع النص المغلوط على اللوحة المغلوطة.

أَمَّا والأَمر انتهى، واللوحةُ أُزيلت للتصحيح، فسيقرأُ النصَّ الصحيحَ سياحٌ يمرُّون بالنُصْب، ويقرأُون أَسماء لبنانيين أُدباء شكَّلوا “الرابطة القلمية” الأُولى سنة 1916 قبل الحرب، ثم صيغَتَها اللاحقة سنة 1920 بعد الحرب، فكانوا مناراتِ التجديد في أَدب اللغة العربية، ومن فجرهم اللبناني أَشرقت شمسُ النهضة الْما زالت حتى اليوم علامةً ساطعةً في تاريخ الأَدب.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى