أيُّ مُستقبلٍ للتعاوُن بين ضفَّتَي المتوسِّط؟

الدكتور ناصيف حتّي*

فرضت الجغرافيا، عبر التاريخ، نوعًا من الترابط العضوي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، تعزّز تدريجًا بفعل تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية بين العالمين العربي والأوروبي. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التداخل مجرّد تفاعل ظرفي بين جوارين متقابلين، بل تحوّل إلى شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل، وإن بدرجات متفاوتة تبعًا للملفات والمرحلة التاريخية. ومن هنا، اكتسب التعاون المتوسطي طابعًا مؤسساتيًا متعدد الأطراف، تُرجم في مبادرات واتفاقات وأطر شراكة مختلفة هدفت إلى تنظيم العلاقة بين الضفتين وإدارة مصالحهما المشتركة.

غير أن الحديث عن واقع هذه العلاقة اليوم لا يمكن فصله عن التحوّلات العميقة التي تشهدها أوروبا نفسها، ويدفعنا إلى إدراج الملاحظات التالية:

أوّلًا، الاتحاد الأوروبي، الذي شكّل لعقود النموذج الأكثر نجاحًا في بناء تكتلات إقليمية قائمة على التعاون المؤسساتي بين الدول، يواجه اليوم أزمة متعددة الأبعاد تطاول أسس مشروعه السياسي والاقتصادي والأمني. وتظهر هذه التحديات بوضوح في تعثر بناء سياسة دفاعية وأمنية أوروبية مشتركة، وفي العجز عن بلورة مواقف موحدة وفعالة تجاه القضايا الدولية الكبرى التي تواجه القارة.

ولا تقل الأزمة الاقتصادية خطورة عن المأزق السياسي. فقد شهدت الاقتصادات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في قدرتها التنافسية الصناعية، مع انتقال أجزاء واسعة من الثقل الصناعي العالمي نحو الصين بصورة خاصة. وزاد من حدة هذا التراجع الانكشاف الأوروبي الكبير على أزمة الطاقة، بما حملته من تداعيات اقتصادية واجتماعية أثقلت كاهل الحكومات والمجتمعات الأوروبية على حد سواء.

ثانيًا، تشهد منطقة الشرق الأوسط تحوّلات عميقة لا تقل خطورة وتعقيدًا. فالإقليم يبدو اليوم محاصرًا داخل مثلث ممتد من الأزمات والحروب، يبدأ من الخليج العربي، مرورًا بالبحر الأحمر، وصولًا إلى شرق المتوسط. ورُغم اختلاف جذور هذه الصراعات وخلفياتها المحلية، فإنها لم تَعُد أزمات منفصلة يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض، بل تحوّلت إلى ساحاتٍ مترابطة سياسيًا واستراتيجيًا، تتداخل فيها حسابات الدول مع نفوذ الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود.

كما إنَّ احتواء أي أزمة بات مرتبطًا، بدرجاتٍ متفاوتة، بمسار الأزمات الأخرى، في ظل تداخل التحالفات والتضامنات السياسية والعقائدية بين عدد من الأطراف الإقليمية، سواء كانت دولًا أو فاعلين غير دولتيين. فالتوتر في الخليج ينعكس على أمن البحر الأحمر، وما يجري في شرق المتوسط يتقاطع مع حسابات الصراع الإقليمي الأوسع، الأمر الذي يجعل المنطقة بأسرها أقرب إلى منظومة أزمات مترابطة منها إلى ملفات منفصلة.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال “اليوم التالي” بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في المنطقة: أيُّ نظامٍ إقليمي سيتشكّل بعد هذه الحروب والتحوّلات؟ وهل ستقود مرحلة الاستنزاف الحالية إلى إعادة بناء توازنات أكثر استقرارًا، أم أنَّ الشرق الأوسط يتجه نحو نموذجٍ دائم من الفوضى والسيولة الاستراتيجية؟

فالخشية لا تقتصر على استمرار النزاعات، بل تمتد إلى احتمال تراجع القواعد التقليدية الناظمة للعلاقات بين الدول، لمصلحة منطق التدخُّل المستمر في شؤون الآخرين، سواء تحت عناوين المشاريع الجيوسياسية الكبرى أو باسم الهويات والانتماءات العقائدية العابرة للحدود.

ثالثًا، يشهدُ الدور الأوروبي التقليدي في شرق وجنوب المتوسط تراجعًا واضحًا، ليس فقط من حيث الحضور السياسي، بل أيضًا من حيث القدرة على التأثير الفعلي في احتواء النزاعات وإدارة الأزمات وتسوية الخلافات التي لطالما انعكست تداعياتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الضفة الأوروبية للمتوسط. فالأزمات التي تنفجر في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل تمتد آثارها إلى أوروبا عبر ملفات الهجرة والطاقة والأمن والاستقرار الاجتماعي، وإن بدرجات متفاوتة تبعًا لطبيعة كل أزمة وتوقيتها.

ومع ذلك، تبدو أوروبا اليوم أقل قدرة على لعب الدور الذي أدته تاريخيًا في محيطها المتوسطي، سواء بسبب انشغالاتها الداخلية المتراكمة أو نتيجة تراجع هامش استقلاليتها الاستراتيجية داخل التحالف الغربي. وفي هذا السياق، تتزايد مؤشرات التباعد داخل “البيت الأطلسي” نفسه، مع اتساع الهوة بين المقاربتين الأميركية والأوروبية تجاه عدد من الملفات الدولية.

ويعود ذلك، بدرجة كبيرة، إلى تصاعد النزعة الأحادية في السياسات الأميركية خلال السنوات الأخيرة، مقابل عجز أوروبي واضح عن بلورة موقف موحَّد قادر على موازنة هذا التوجه أو التأثير فيه بصورة فعالة. وقد بدأت هذه الاختلافات تظهر بصورة أكثر وضوحًا على امتداد خط الأزمات الدولية، من إيران إلى أوكرانيا، حيث تتباين أولويات الطرفين، كما تختلف رؤيتهما لطبيعة الأدوار المطلوبة من الحلفاء، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.

فبينما تميلُ واشنطن إلى مقاربة أكثر صدامية وحسمًا في إدارة الصراعات، تبدو أوروبا أكثر حساسية تجاه كلفة المواجهات المفتوحة وتداعياتها المباشرة على استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية، الأمر الذي يضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار متزايد التعقيد في مرحلة تشهد إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى الدولية والإقليمية.

رابعًا، يندرج “ميثاق المتوسط” الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على انطلاق الشراكة الأورومتوسطية المعروفة بـ”مسار برشلونة”، ضمن محاولة أوروبية لإعادة صياغة رؤية جديدة للتعاون الإقليمي. ولا تقتصر هذه المقاربة على دول الشراكة المتوسطية التقليدية، بل تمتد أيضًا إلى دول الخليج العربية، ودول أفريقيا جنوب الصحراء، ودول غرب البلقان. ويعكس الميثاق توجهًا أوروبيًا نحو اعتماد مقاربة أكثر واقعية وتدرُّجًا، تستفيد من إخفاقات وتجارب العقود الماضية في بناء شراكات أوسع وأكثر فاعلية. غير أنَّ تحويل هذه الرؤية من إطار نظري إلى سياسات عملية سيبقى مرتبطًا بقدرة أوروبا على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تعترضها.

خامسًا، تقوم الرؤية الأوروبية الجديدة على توسيع إطار الشراكة الإقليمية عبر ضمِّ عددٍ أكبر من الدول ضمن “النادي التعاوني”، مع اعتماد صيغ أكثر مرونة لتحقيق أهداف التعاون. وتشمل هذه المقاربة ملفات التعليم والتثقيف، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، إلى جانب التعاون في مواجهة الهجرة غير القانونية والإرهاب.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دورٍ أوروبي أكثر فاعلية في معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع إلى الهجرة، سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو اجتماعية، عبر تعزيز التعاون مع “دول الجنوب” والمساهمة في دعم مسارات التنمية والاستقرار فيها. فنجاح هذه الشراكة يتطلب، عمليًا، أن تساعد أوروبا في “تصدير” جزء من الحلول إلى هذه الدول، بدل الاكتفاء بـ”استيراد” تداعيات أزماتها.

كما يفترض هذا التعاون اعتماد مقاربات أكثر واقعية ومرونة، تقوم على مبدَإِ “التعاون متعدد السرعات”، بما يسمح للدول الأكثر جاهزية بالمضي أسرع في بعض مجالات التعاون، إلى جانب مفهوم “الهندسة المتغيّرة” الذي يتيح تطوير الشراكات بحسب قدرات وخصوصيات كل دولة وقطاع.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى