كيفَ تُعيدُ الحربُ الإيرانية تشكيلَ التحالفات في جنوبِ القوقاز؟

لم تقتصر تداعيات الحرب الإيرانية على الشرق الأوسط، بل امتدّت إلى جنوب القوقاز، حيث تتسارع إعادة رسم التحالفات وممرات النفوذ والطاقة. وبين تراجع روسيا وإيران وصعود تركيا وأذربيجان، تدخل المنطقة مرحلة جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود نزاع ناغورنو كاراباخ.

الرئيس دونالد ترامب يجمع رئيس حكومة أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس أذربيجان إلهام علييف في البيت الأبيض.

جوناثان فينتون-هارفي*

أعادت الحرب الإيرانية خلط موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط، لكن تداعياتها لم تقتصر على ساحات المواجهة المباشرة، بل امتدت أيضًا إلى جنوب القوقاز، حيث تتسارع تحوّلاتٌ جيوسياسية بدأت تتبلور منذ حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020. ففي ذلك العام، نجحت أذربيجان، بدعم عسكري وسياسي تركي، في كسر الجمود الطويل مع أرمينيا واستعادة أجزاء واسعة من الإقليم المتنازَع عليه، قبل أن تُحكِم سيطرتها الكاملة على ناغورنو كاراباخ ذي الغالبية الأرمنية في عام 2023، منهيةً فعليًا أحد أكثر النزاعات تجمّدًا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي.

ومنذ ذلك الحين، دخلت أرمينيا مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، عبر توسيع انفتاحها على الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل تراجع الثقة بروسيا التي لطالما شكّلت الضامن الأمني والشريك الاقتصادي الأهم ليريفان. وقد ازداد هذا التحوُّل وضوحًا مع انشغال موسكو بحرب أوكرانيا وتراجع قدرتها على فرض نفوذها التقليدي في جنوب القوقاز. واليوم، ومع انخراط إيران في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ، حيث تتحرك قوى إقليمية ودولية، في مقدمتها واشنطن وأنقرة والاتحاد الأوروبي، لملء الفراغ الجيوسياسي المتزايد.

وفي هذا السياق، برزت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، كطرفٍ يسعى إلى رعاية اتفاق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان، ليس فقط لإنهاء النزاع التاريخي بين البلدين، بل أيضًا لربط التسوية بمشروع اقتصادي-استراتيجي أوسع يحمل اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP). وترى واشنطن في هذا المشروع فرصة لإعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والنقل في جنوب القوقاز، من خلال إنشاء ممر متعدد الوسائط يمتد لمسافة 25 ميلًا عبر جنوب أرمينيا، ليربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني ذي الحكم الذاتي، المحاط بكلٍّ من أرمينيا وإيران وتركيا.

ولا تقتصر أهمية هذا الممر على البُعد الثنائي بين باكو وناخيتشيفان، بل تتجاوزه إلى كونه جُزءًا من مشروعٍ أوسع يُعرف بـ”الممر الأوسط”، وهو شبكة نقل عابرة لبحر قزوين تربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر أذربيجان وتركيا. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، يُنظَرُ إلى هذا المسار باعتباره بديلًا استراتيجيًا لكل من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية وطرق العبور الروسية التي تراجعت أهميتها بفعل الحرب والعقوبات الغربية، ما يمنح جنوب القوقاز موقعًا متقدمًا في المنافسة الدولية على طرق التجارة والنفوذ بين آسيا وأوروبا.

لكن هذا الانخراط الأميركي المتزايد في جنوب القوقاز لا يقتصر على رعاية تسوية سياسية أو مشروع اقتصادي عابر للحدود، بل يدفع المنطقة بأكملها نحو مرحلة إعادة تنظيم استراتيجية سريعة، تتفاوت فيها المكاسب والمخاطر بين الأطراف المعنية. وفي قلب هذه التحوّلات، تبدو أرمينيا الطرف الأكثر تعرُّضًا للضغوط، بعدما تقلّص هامش مناورتها الإقليمي بصورة حادة نتيجة خسارتها العسكرية في ناغورنو كاراباخ وتراجع المظلة الروسية التي اعتمدت عليها لعقود.

مُعضِلة باشينيان

تواجه الحكومة الأرمينية، بقيادة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا منذ استقلال البلاد. فمنذ تموز (يوليو) 2025، حين رعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقاءً بين باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بهدف دفع المفاوضات الثنائية نحو اتفاق سلام نهائي، ثم الإعلان بعد ذلك بشهر عن إطلاق مبادرة “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP)، بدأت يريفان تسريع عملية إعادة تموضعها السياسي والديبلوماسي باتجاه الغرب.

ويحاول باشينيان من خلال هذا التحوُّل إعادة صياغة موقع أرمينيا الخارجي، عبر توثيق علاقاتها بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع الانفتاح الحذر على كلٍّ من أذربيجان وتركيا. غير أنَّ هذا التوجه يواجه تحديات داخلية متزايدة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط القومية والمعارضة السياسية قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 حزيران (يونيو). ولهذا، يقدّم باشينيان مشروعه السياسي تحت عنوان “أجندة أرمينيا الحقيقية”، باعتباره خيارًا براغماتيًا يهدف إلى إخراج البلاد من تداعيات هزيمة كاراباخ عام 2023، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

وفي محاولة لتعزيز شرعية هذا المسار، يركّز باشينيان على المكاسب التي حققتها أرمينيا من تقاربها مع الغرب خلال السنوات الأخيرة. فهو يشير إلى استثمارات الاتحاد الأوروبي، التي بلغت 2.5 مليار يورو منذ عام 2021 لتطوير البنية التحتية والربط الإقليمي، إضافة إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية بين بروكسل ويريفان في أواخر عام 2025، فضلًا عن سلسلة اللقاءات رفيعة المستوى مع قادة أوروبيين وأميركيين. وبالنسبة إلى القيادة الأرمينية، تشكل هذه الخطوات دليلًا على أنَّ فكَّ الارتباط التدريجي بروسيا والانفتاح على الغرب يمكن أن يوفّرا لأرمينيا مكاسب اقتصادية وديبلوماسية تعوّض جُزئيًا خسائرها الجيوسياسية الأخيرة.

لكن هذا التحوُّل الاستراتيجي الذي يقوده باشينيان لا يحظى بإجماع داخلي، بل يثير انقسامات حادة داخل الساحة السياسية الأرمينية. فخصومه، وفي مقدمتهم التيار الموالي لروسيا بقيادة الرئيس السابق روبرت كوتشاريان، إلى جانب قوى قومية وانتقامية متعددة، يرون في التوجه نحو الغرب مغامرة خطيرة قد تدفع أرمينيا إلى خسارة شريكها التاريخي الوحيد من دون الحصول على ضمانات أمنية فعلية من الولايات المتحدة أو أوروبا. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإنَّ فكَّ الارتباط التدريجي بموسكو يأتي في توقيتٍ بالغ الحساسية، بينما لا تزال البلاد تواجه تداعيات هزيمتها العسكرية وتعيش في بيئة إقليمية غير مستقرة.

في المقابل، يدافع باشينيان عن خياره باعتباره استجابة واقعية لتحوُّلات ميزان القوى في المنطقة، مؤكدًا أنَّ الاستمرار في الاعتماد الكامل على روسيا لم يعد خيارًا مضمونًا بعد ما تعتبره يريفان تخلّيًا روسيًا عنها خلال أزمة ناغورنو كاراباخ. ومن هذا المنطلق، تواصل أرمينيا إعادة تموضعها تدريجًا: فهي توسع تعاونها العسكري مع فرنسا عبر صفقات تسليح جديدة، وتعمّق اندماجها السياسي والاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، كما جمّدت فعليًا مشاركتها النشطة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها موسكو.

وقد عكست العلاقات الروسية-الأرمينية هذا التوتر المتصاعد خلال اللقاء الذي جمع باشينيان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في الأول من نيسان (أبريل). ورُغمَ أنَّ الاجتماع لم يُنتج تفاهمات ملموسة بشأن مستقبل العلاقة بين البلدين، فإنه ساهم في احتواء التوتر مؤقتًا ومنح باشينيان هامشًا من الاستقرار السياسي قبل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في حزيران (يونيو).

غير أنَّ البُعدَ الأكثر حساسية في سياسة باشينيان الخارجية يبقى مرتبطًا بمحاولته فتح صفحة جديدة مع كلٍّ من أذربيجان وتركيا، وهي خطوة تواجه رفضًا واسعًا داخل قطاعات من المجتمع الأرميني. فهزيمة ناغورنو كاراباخ عام 2023، أو “أرتساخ” بحسب التسمية الأرمنية، لا تزال تمثل جرحًا وطنيًا مفتوحًا، خصوصًا بعد نزوح السكان الأرمن بالكامل من الإقليم واستمرار الاتهامات لأذربيجان بتدمير المعالم الثقافية والتراثية الأرمنية هناك.

ويزداد الجدل الداخلي تعقيدًا بسبب مقاربة باشينيان للعلاقة مع تركيا، إذ يسعى إلى فصل ملف إنكار أنقرة للإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 عن مسار تطبيع العلاقات الثنائية. ويرى كثير من الأرمن في هذا الفصل تنازلًا عن إحدى القضايا المؤسسة للهوية الوطنية الأرمينية، فيما يعتبره منتقدو باشينيان دليلًا إضافيًا على سياسة “الاستسلام” أمام الضغوط الإقليمية. أما أنصاره، فيقدّمون هذه الخطوات بوصفها تعبيرًا عن براغماتية سياسية تفرضها الوقائع الجديدة في المنطقة وتراجع الخيارات المتاحة أمام أرمينيا.

وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات البرلمانية المقبلة أهمية تتجاوز بعدها الداخلي التقليدي، إذ تبدو أشبه باستفتاء سياسي على مستقبل توجهات أرمينيا الاستراتيجية: بين مَن يدعو إلى التكيّف مع موازين القوى الجديدة والانفتاح على الغرب والجوار الإقليمي، ومَن يرى أنَّ هذا المسار يأتي على حساب الأمن والذاكرة الوطنية والعلاقات التاريخية مع روسيا.

ضعف نفوذ روسيا وإيران

ويعكس تمكّن باشينيان من زيارة موسكو وفق شروطه السياسية الخاصة، ثم مغادرتها من دون تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بتوجّه أرمينيا نحو الغرب، حجم التراجع الذي أصاب النفوذ الروسي في جنوب القوقاز خلال السنوات الأخيرة. فموسكو، التي كانت حتى وقت قريب اللاعب المهيمن على التوازنات الإقليمية، لم تعد تمتلك القدرة نفسها على فرض خياراتها على حلفائها التقليديين. ويتجلّى ذلك أيضًا في التراجع الحاد في حجم التجارة بين أرمينيا وروسيا خلال العام الماضي، بعدما فقدت موسكو دورها السابق كقناة رئيسة لمرور البضائع الملتفّة على العقوبات الغربية.

ومع ذلك، لا تزال روسيا تحتفظ بأدوات ضغط مؤثرة داخل الساحة الأرمينية. فقبيل الانتخابات البرلمانية، مارست موسكو ضغوطًا اقتصادية وسياسية على حكومة باشينيان، كما دعمت قوى المعارضة الموالية لها، وفي مقدمتها التيار المرتبط بالرئيس السابق روبرت كوتشاريان. ولم يتردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التلميح إلى احتمال مواجهة أرمينيا “سيناريو أوكرانيا” إذا مضت بعيدًا في طموحاتها الأوروبية. لكن خلف هذه التهديدات، تبرز حقيقة أوسع: روسيا لم تعد قوة صاعدة في جنوب القوقاز، بل قوة تحاول إدارة تراجع نفوذها بأقل الخسائر الممكنة.

ويُعدّ الحسم النهائي لنزاع ناغورنو كاراباخ أحد أبرز المؤشرات إلى هذا التراجع، إذ فقدت موسكو إحدى أهم أدواتها التقليدية للضغط والمناورة بين أرمينيا وأذربيجان. كما ساهمت الحرب المستمرة في أوكرانيا في استنزاف القدرات العسكرية والسياسية الروسية، ما قلّص قدرة الكرملين على فرض توازناته السابقة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي.

وفي موازاة ذلك، تعرضت العلاقة بين موسكو وباكو لاهتزاز إضافي بعد حادثة إسقاط طائرة تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية بصاروخ روسي في كانون الأول (ديسمبر) 2024، وهي أزمة شكّلت ضربة جديدة لصورة روسيا الإقليمية. ومنذ ذلك الحين، بات الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أكثر جرأة في تقديم بلاده باعتبارها “قوة متوسطة” قادرة على المناورة بين روسيا وتركيا والغرب، وهو خطاب كان يُعدّ محفوفًا بالمخاطر قبل اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022.

وقد تجلّى هذا التحوُّل بوضوح في اللقاء الذي جمع علييف بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أواخر نيسان (أبريل)، حيث وقّع الجانبان ست اتفاقيات تعاون في مجالي الدفاع والطاقة. وشملت الاتفاقيات مشاريع للإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، في تطوُّر يرتبط مباشرة بتداعيات الحرب الإيرانية، بعدما تعرضت الأراضي الأذربيجانية خلال المواجهة لضربات صاروخية إيرانية. وإلى جانب البُعد العسكري، تمنح اتفاقيات الطاقة مع كييف أذربيجان أوراق نفوذ إضافية تسمح لها بتحدي الهيمنة الروسية التقليدية على مسارات الطاقة والنقل في المنطقة.

كما تركت الحرب الإيرانية تأثيرًا مباشرًا على موقع طهران في جنوب القوقاز. فإيران، التي لعبت تاريخيًا دور موازن للنفوذ التركي-الأذربيجاني، شكّلت في الوقت نفسه شريكًا اقتصاديًا حيويًا لأرمينيا وممرًا بديلًا يخفف من عزلتها الجغرافية عبر تركيا وأذربيجان. إلّا أنَّ انخراط طهران في صراعها الحالي مع الولايات المتحدة وإسرائيل يهدد بإضعاف قدرتها على الحفاظ على هذا الدور، وقدرتها كذلك على فرض خطوطها الحمراء تجاه تنامي النفوذ التركي والأذربيجاني في المنطقة.

وفي ذروة التصعيد الإقليمي الصيف الماضي، ذهب مسؤول إيراني رفيع إلى حد التحذير من أنَّ مشروع “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP) قد يتحوّل إلى “مقبرة لمرتزقة دونالد ترامب”، في إشارة إلى رفض طهران لأيِّ ترتيبات إقليمية تُضعِفُ نفوذها في جنوب القوقاز. غير أنَّ إيران، المُنهَكة بفعل الحرب والعقوبات والضغوط العسكرية، قد لا تمتلك اليوم القدرة نفسها على تعطيل المشروع أو فرض خطوطها الحمراء كما فعلت في السابق.

ويحمل هذا التحوُّل تداعيات مباشرة على أرمينيا، التي لطالما استخدمت علاقتها بإيران بوصفها ورقة توازن في مواجهة الضغوط التركية والأذربيجانية. فإضعاف الدور الإيراني قد يحرم يريفان من أحد أهم منافذها الاقتصادية والاستراتيجية البديلة، ويُقلّص خياراتها في ما يتعلق بمسارات النقل والطاقة، الأمر الذي قد يدفعها أكثر نحو المحور الغربي. وفي حال استمر تراجع النفوذ الإيراني في جنوب القوقاز، فقد تجد أرمينيا نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات إضافية بشأن مشروع “تريب”، وهي تنازلات ربما كانت سترفضها في ظروف إقليمية مختلفة.

لحظة تركيا وأذربيجان

في المقابل، تبدو تركيا من أبرز المستفيدين من إعادة تشكيل التوازنات في جنوب القوقاز منذ عام 2023. فأنقرة تحركت بسرعة لملء الفراغ الذي خلّفه التراجع الروسي، مستندة إلى شبكة البنية التحتية التي بنتها خلال العقد الماضي، وفي مقدمتها خط سكة حديد باكو-تبليسي-كارس وخط أنابيب الغاز “تاناب”، اللذان دخلا الخدمة في عامي 2017 و2019. وتسعى تركيا اليوم إلى توسيع هذه الشبكة وتحويلها إلى ممر استراتيجي متكامل يربط آسيا الوسطى بأوروبا، مع تموضع أنقرة بوصفها البوابة النهائية والمركز اللوجستي الرئيس لهذا المسار.

وفي هذا السياق، بدأت تركيا في آب (أغسطس) 2025 تنفيذ مشروع خط سكة حديد كارس-إغدير-ديلوجو، الذي يُفترَض أن يتصل مباشرة بممر “تريب” عند اكتماله، بما يسمح بإعادة إنشاء طريق بري متصل من آسيا الوسطى إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، متجاوزًا كلًا من إيران والمسار الجورجي الأقل استقرارًا.

ولم تُخفِ أنقرة حماسها للمشروع. ففي كانون الثاني (يناير) 2026، وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مشروع “تريب” بأنه عنصر محوري في “الممر الأوسط”، معتبرًا أنَّ المشروع يعزز موقع تركيا كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وبحر قزوين وجنوب القوقاز. كما بدأت أنقرة تُروِّج للممر الأوسط بوصفه بديلًا محتملًا من مضيق هرمز لنقل الطاقة والسلع الآتية من الخليج، في محاولة لتحويل تركيا إلى مركز عبور إقليمي لا غنى عنه.

وبالنسبة إلى القيادة التركية، لا يمثل “تريب” مجرد مشروع اقتصادي، بل امتدادًا لبنية استراتيجية عملت أنقرة على بنائها تدريجًا لسنوات. كما إنَّ استعداد إدارة ترامب لمنح تركيا دورًا أوسع في إدارة التوازنات الإقليمية —وهو ما يظهر أيضًا في ملفات أخرى مثل سوريا— يجعل المشروع نقطة تقاطع واضحة بين المصالح الأميركية والتركية.

أما أذربيجان، فتبدو بدورها في موقع متقدم للاستفادة من التحوّلات الجارية. فقد نجح الرئيس إلهام علييف، عبر سياسة متعددة المحاور، في الحفاظ على توازن دقيق بين موسكو وأنقرة وبروكسل وواشنطن، ما حوّل باكو إلى لاعبٍ يصعب تجاوزه في البنية الإقليمية الجديدة. ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل العلاقات المتنامية بين أذربيجان وأوروبا في قطاع الطاقة، وهي العلاقات التي تعززت منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، ومن المتوقع أن يمنحها مشروع “تريب” إطارًا مؤسساتيًا واستراتيجيًا أكثر رسوخًا.

مقامرة أرمينيا

ورُغمَ الضغوط الجيوسياسية التي تواجهها أرمينيا، فإنَّ الأداء الاقتصادي للبلاد خلال السنوات الأخيرة يُقدّم صورةً أكثر تعقيدًا من مجرّد سردية التراجع الاستراتيجي. فقد سجّل الاقتصاد الأرميني معدل نمو سنوي بلغ في المتوسط 8.1% بين عامي 2021 و2025، مقارنةً بنحو 3.4% فقط في أذربيجان، ما يشير إلى أنَّ يريفان لا تزال تمتلك قدرًا من القدرة على التكيّف والصمود يفوق ما توحي به خسائرها السياسية والعسكرية. ويمنح هذا الزخم الاقتصادي الحكومة الأرمينية هامشًا إضافيًا للاستمرار في الانخراط بمشروع “تريب” والمراهنة على العوائد التجارية والاستثمارية التي قد تنتج عنه.

غير أنَّ هذه المكاسب الاقتصادية المحتملة لا تلغي المُعضِلة الأساسية التي تواجه أرمينيا. فبمجرّد اكتمال البنية التحتية الخاصة بالممر، قد تجد يريفان نفسها في موقع الطرف التابع أكثر من الشريك المتكافئ، خصوصًا إذا باتت خطوط النقل والطاقة الجديدة تخدم بصورة أساسية المصالح التركية والأذربيجانية والغربية. كما إنَّ جُزءًا كبيرًا من الرأي العام الأرميني لا يزال ينظر بريبة إلى التنازلات التي قدمها باشينيان تجاه باكو وأنقرة، في ظلِّ غياب ضمانات أمنية واضحة من الولايات المتحدة أو أوروبا يمكن أن تُعوِّضَ فقدان المظلّة الروسية التقليدية.

ومن هنا، تكتسب الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 حزيران (يونيو) أهمية تتجاوز الحسابات الحزبية الداخلية، إذ قد تُشكّل اختبارًا حاسمًا لمدى استعداد الأرمن لقبول هذه المقايضة بين الانفتاح الاقتصادي والتنازلات الجيوسياسية. ففوز باشينيان، وهو السيناريو الذي يرجحه معظم المراقبين، سيعني على الأرجح استمرار المسار الحالي وتعزيز انخراط أرمينيا في الترتيبات الإقليمية الجديدة. أما وصول المعارضة إلى السلطة، فقد يؤدي إلى إبطاء مشروع “تريب” أو إعادة النظر فيه، بما يهدد البنية الإقليمية الناشئة التي يجري العمل على ترسيخها منذ سنوات.

ومع ذلك، حتى في حال استمرار المشروع، فإنَّ “تريب” سيظل يواجه تحديات أمنية وجيوسياسية معقدة، من بينها احتمالات التخريب أو التصعيد من جانب روسيا وإيران، وهما القوتان اللتان يستهدف المشروع عمليًا تقليص نفوذهما في جنوب القوقاز ومسارات التجارة الإقليمية.

ورُغمَ هذه المخاطر، تبدو المؤشرات العامة في صالح استمرار تشكُّل نظامٍ إقليمي جديد يتمحور حول “الممر الأوسط” والبنية الاستراتيجية المدعومة من تركيا والغرب. فالفراغ الذي خلّفه تراجع الدورَين الروسي والإيراني بات حقيقة جيوسياسية يصعب عكسها في المدى المنظور. وبالتالي، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان هذا الفراغ سيُملَأ، بل مَن ستكون له القدرة على صياغة قواعد النظام الجديد، وما إذا كانت الدول الأصغر، وفي مقدمتها أرمينيا، ستتمكّن من الحفاظ على قدرٍ من الاستقلالية داخله، أم ستتحوّل إلى مجرّد ممرات ضمن خرائط النفوذ التي ترسمها القوى الكبرى.

  • جوناثان فينتون-هارفي هو صحافي ومحلل سياسي بريطاني، تركز أعماله بشكل أساسي على شؤون مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى القضايا الجيوسياسية والاقتصادية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى