نيويورك تتذكَّر “الرابطة القلمية” بعد 110 سنوات

هنري زغيب*

بعد 110 سنوات على ولادة الصيغة الأُولى لـ”الرابطة القلمية” في نيويورك سنة 1916، احتفَت بلدية نيويورك الخميس الأَسبق بتدشين نُصبٍ معدنـيٍّ، تَشكيلُه كلمة “القلَم”، وإِلى جانبه لوحةٌ معدنيةٌ إِيضاحيةٌ تحمل نصًّا عنوانُه “القلَم: شعراء في الحديقة العامة”.

البادرة قامت بها “جمعية شارع واشنطن التاريخية” في “ساحة إِليزابيت بُرغُر”، نحو أَسفل مانهاتن، لدى حيٍّ كان في أَواخر القرن التاسع عشر يُدعى “سورية الصُغرى”، لأَنَّ فيه تجمَّعَ فَتْرَتَئِذٍ مهاجرون جاء أَكثرُهم من جبل لبنان، وقليلُهم من بعض المدن السورية.

النُصب حاضرٌ مكانًا لكنه غائبٌ زمانًا. صحيح أَنَّ المكان بين عامَي 1880 و1900 جمَع آباء النهضة الأَدبية المهجرية. لكنَّ الزمان عام 2026 لم يعُد صحيحًا فيه أَنهم “سوريون”، بالتسمية الْكانت رائجةً تاريخيًّا في نهاية القرن التاسع عشر. ففي اللوحة المعدنية السوداء حدَّ النُصب، أَقوالٌ من اللبنانيين: الريحاني ونعيمة وجبران وأَبي ماضي وعفيفة كرم، ومن نَدرة حداد ونسيب عريضة المهاجرَيْن من حمص. وجاء في اللوحة ذاتها أَنهم جميعًا “شعراء سوريون أَصدروا مجلَّات وصحُفًا، وشكَّلوا ما سُمِّيَ الرابطة القلمية”.

أَفتح أَمامي بطاقةَ تسجيلٍ رسميةً من دائرة الهجرة الأَميركية، وأَقرأُ فيها ما يلي: التاريخ: 12 أَيلول/سبتمبر 1918 – الاسم: جبران خليل جبران – البلد الأَصلي: تركيا”. فهل هذا يُبرر اعتبارَنا جبران تركيًّا؟

أَعودُ إِلى النُصب، وهو من عمَل التشكيلية المغربية الأَصل سارة أُوهادو، صنَّعتْه بالأُسلوب التجريدي، وحَوله مقاعدُ على مساندها أَقوالٌ من “الرابطيين” شكَّلتْها بحجارة صغيرة من الفسيفساء بطريقة تجريدية جدًّا تتعذَّر معها قراءةُ تلك الأَقوال وأَسماءِ أَصحابها. وواضح أَن تلك المغربية لم تقرأْ أُولئك المهجريين ولا تعرف شيئًا عنهم وعن أَجوائهم.

طبعًا أَنا أَعي التسمياتِ وتَـمَوقُعَها في التاريخ. لكنَّ هذا النُصب ليس درسًا في التاريخ. ويُفترضُ أَن يحمل هويةَ الشعراء اليوم لا الموسومةَ عصرئذٍ. وإِذ الحديقةُ مفتوحةٌ للأَميركيين اليوم، وللسيَّاح اليوم، وللزوَّار اليوم، سيقرأُون أَسماء الشعراء في غير هويتهم اليوم، وسيمضون من زيارتهم وفي ظنهم أَنَّ أُولئك الشعراء ما زالوا حتى اليوم على هويتهم المذكورةِ حدَّ النُصب. يعني: لن يعرفوا أَنَّ الريحاني خطَّ بقلْبه كتابَه “قلب لبنان”، وأَنَّ نعيمه يرى في شَخروبه وبسكنتاهُ أَجملَ مكان في العالم، وأَنَّ أَبو ماضي هتَف: “وطنَ النُجوم أَنا هنا… لِلَّهِ سِرٌّ فيكَ يا لُبنانُ لَم يُعلَن لَنا”، وأَنَّ جبران غادَر هذا العالَم وهو يُصلِّي: “لو لم يكُن لبنانُ وطني، لاتَّخذْتُ لبنانَ وطني”.

وإِنَّ في هذه الهوية اللبنانية الساطعة من آباء النهضة المهجرية، ما يكفي ليَكونَ هذا النُصب وَصمةً مغلوطةً في المكان، لأَنه اعتبر الزمان ما زال متوقفًا عند أَواخر القرن التاسع عشر.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:  www.henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى