كيفَ يَبتلعُ “المُرَكَّبُ العسكري” الديموقراطية الأميركية؟

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

منذ بواكير استقلالها، لم تنفصل الولايات المتحدة عن مسار الحروب، إذ خاضت ما يزيد على 400 نزاع عسكري. غير أنَّ التحوُّلَ الأكثر دلالة وقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين ارتفعت وتيرة الانخراط العسكري بشكلٍ لافت لتبلغ، وفق تقديراتٍ صادمة، نحو ثلاث حروب سنويًا. هذا المعدل لا يعكسُ توتّرًا أمنيًا عارضًا، بل يكشف عن بنية اقتصادية صُمِّمَت لتقتات على الصراع، حيث تُعلَنُ الحربُ أوّلًا، ثم تُصاغُ مبرّراتها لاحقًا ضمن سردياتٍ سياسية وإعلامية مُحكَمة.

في هذا السياق لم يعد الجيش الأميركي مجرد “زبون” يشتري العتاد، بل تحوّل إلى مكوّنٍ عضوي داخل شبكة معقدة، تتشابك فيها مصالح الصناعة الثقيلة والمؤسسة العسكرية، ومختبرات البحث والتطوير. هذا هو “المُرَكَّبُ الصناعي العسكري” (Military-Industrial Complex)، المصطلح الذي حذّر منه الرئيس دوايت أيزنهاور في خطاب وداعه الشهير، إدراكًا منه لخطورة تغوُّل هذه المنظومة. ومع مرور الوقت تجاوز هذا المُرَكَّب حدود حماية الدولة ليقوم بـ”هندسة” النشاط الصناعي والذكاء البشري لخدمة عمليات التدمير؛ فالسلاحُ أصبح هو الغاية، والحروب هي الوسيلة لضمان استمرار دوران المصانع.

في صلب هذا المسار، تبرز ما تُعرَف بـ”الكينزية العسكرية” بوصفها أداة لتحفيز الاقتصاد، حيث جرى تحوير أفكار الاقتصادي الإنكليزي “جون ماينارد كينز” من سياقها الأصلي القائم على تنشيط الطلب عبر الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة، إلى توظيفها في تضخيم الإنفاق العسكري وتوسيع الترسانات. وبهذا التحوير، لم تعد الدولة تضخ الأموال في مشاريع مدنية منتجة، بل في صناعاتٍ ترتبط جوهريًا بمنطق الصراع.

ضمن هذا الإطار، يُستدعى مفهوم “التدمير الخلاق” لكن في بُعده المادي الصرف، حيث تتحوّل الحرب إلى أداةٍ لإعادة إنعاش الاقتصاد عند اقترابه من الركود، وكأنها “جرعة إنعاش” تضخ الحياة في جسد النظام. هكذا، تحلُّ المدافع محل المدارس، وتتحوّل الميزانية الدفاعية إلى ما يشبه الثقب الأسود الذي يبتلع موارد التنمية، وهو ما يسلط الضوء على مفارقة لافتة تتمثل في تراجع جودة البنى التحتية في الولايات المتحدة مُقارنةً بنظيراتها في دول صناعية أخرى، رُغم ضخامة الإنفاق العام.

ويرتكز هذا النظام على تحالف عضوي يُعرف بـ “المثلث المُحرَّم”، حيث تتشابك مصالح شركات السلاح التي تزداد ربحيتها باستدامة الحروب، مع الدور المحوري لمراكز الفكر(Think Tanks) وعلى رأسها “مؤسسة راند” (RAND Corporation) التي تصيغ النظريات الاستراتيجية لتبرير الميزانيات الضخمة وتوجيه القرار السياسي وفق أجندة المموِّل، ومدد الجهاز المصرفي في “وول ستريت” الذي يغذي هذه الدورة ماليًا.

وبالتوازي مع ذلك، تعرضت آلية اتخاذ القرار في واشنطن لاختراق منهجي عبر ظاهرة “الباب الدوّار” (Revolving Door)؛ حيث ينتقل كبار الجنرالات ومسؤولو الدفاع للعمل كأعضاء مجالس إدارة في شركات السلاح فور تقاعدهم، بينما ينتقل مديرو تلك الشركات لتولي مناصب سياسية رفيعة. هذا التداخل جعل لشركات السلاح “مندوبين” مباشرين داخل أروقة التشريع، يوجهون الميزانيات عبر “لوبيات” الضغط وتمويل الحملات الانتخابية. وبذلك، سقط نظام “الضوابط والروادع” (Checks and Balances)  سيرًا لهذه “الكارتيلات”، ولم يعد صانع القرار يمثل إرادة الناخبين، بل أصبح أداة لضمان تدفق العقود العسكرية، لتصبح الديموقراطية مجرد واجهة براقة لنظام تقوده مصالح السلاح.

لقد وصل النظام إلى مرحلة لم يعد فيها الاقتصاد أداة لتيسير حياة البشر، بل غاية لتحقيق الربح عبر الأنقاض. الإنتاجية هي المعيار الوحيد، أما الخسائر البشرية فليست إلا “إحصائيات” تُعزز قيمة الأسهم وتكسر حدة تناقص معدلات الربح تاريخيًا.

في الختام، تواجه الولايات المتحدة اليوم أزمة بنيوية وجودية؛ فالمحرك الذي يدير اقتصادها هو نفسه الذي ينهش قيمها الديموقراطية ويدمر بنيتها المدنية. إنَّ الاعتماد على “محرك التخريب” كقاعدة للنمو يضع أميركا أمام تساؤل حتمي: هل يمكن لنظام جعل من التدمير عقيدته وأساس استقراره المالي أن ينجو من تبعات هذا النهج في المدى الطويل؟

  • الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعية وباحثة سياسيّة لبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى