كلفةُ الحرب والمغامرات كارثية… هل تنجو الدولة؟

إبراهيم حيدر*

التحذيرات من حربٍ إسرائيلية استباقية على لبنان، والأولوية الدولية لحسم سلاح “حزب الله”، على ارتباط وثيق بما يجري في المنطقة. وإذا كانت الدول تترقب تطوّرات المشهد الإيراني ومدى انعكاساته على أوضاعها، سلمًا أو حربًا، فإنه لم يَعُد خافيًا أنَّ كلَّ الملفات باتت متَّصلة بعضها ببعض، حتى تلك المتعلقة بالشؤون الداخلية لكل دولة، انطلاقًا من وجهة أميركية تهدف إلى تغيير وجه المنطقة.

الملفُّ الإيراني بات يُطبَّق على الوضع العام، ما دام الرئيس الأميركي دونالد ترامب مُصِرًّا على تغيير النظام في إيران، أو إضعافه، وينسحب الأمر على “فيتوات” أميركية على دولٍ أخرى بما فيها العراق الذي تريد واشنطن شخصية لرئاسة حكومته تواصل التفاهم معها، لا تكون موالية لإيران. وإذا كان ما يجري في سوريا يرضي الأميركيين كنموذج بين الدول التي تعاني توترات داخلية، فإنَّ لبنان الذي ينتظر تطورات الإقليم، سيكون الأكثر تأثُّرًا بتداعيات الحدث الإيراني، في حال الاتفاق أو الحرب، فإما أن يكون عُرضةً لتصعيدٍ إسرائيلي مفتوح ضد “حزب الله”، وإما أنَّ أيَّ اتفاق سيُعيد ترتيب الوضع اللبناني وفق توازنات جديدة تريدها الولايات المتحدة مدخلًا للتفاوض مع إسرائيل والتوصُّل إلى اتفاقات تضمن أمنها وقد تكون على شاكلة نموذج التفاوض السوري.

إسرائيل تستغل الجمود اللبناني الراهن، لفرضِ أمرٍ واقع جنوبًا وسط إصرار أميركي على لبنان للتفاوض المباشر والتوصُّل إلى اتفاقات أمنية وسياسية واقتصادية. لكنّ ما بات واضحًا أنَّ حكومة لبنان مُقيَّدة في ظل الانقسام الداخلي، والخلاف الذي علّق السير بخطة حصر السلاح بيد الدولة في مرحلتها الثانية، فيما “حزب الله” يضع شروطًا تتجاوز في مضمونها وضع لبنان رابطًا مصير البلد كله بالوضع الإيراني.

في الواقع، ليست خطة حصر السلاح بيد الدولة مسألة تفصيلية، فهي مؤشّر في مضمونها السياسي لتحوّلات الوضع اللبناني، إذ إنَّ “حزب الله” لا يستطيع أن يستمرَّ في مغامراته وسط التهديد الإسرائيلي المستمر، ولا يمكنه جرّ لبنان إلى حروب كارثية بعد كل ما تعرّض له البلد خلال حرب الـ66 يومًا من دمار وتهجير وضربات كبيرة.

تستثمر إسرائيل الاختلال في موازين القوى لفرض وقائع سياسية وأمنية وتُواصل احتلال النقاط الخمس وأكثر، فيما تغالب الحكومة الوضع الداخلي نحو صفقات بين المكوّنات قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات النيابية. وما يُطرح من تطبيقٍ لاتفاق الطائف من دون رؤية تسمح بحل المشكلات البنيوية للبلد، وتحصين لبنان وتجنيبه أي ارتدادات الحدث الإيراني، وحمايته من أيِّ حرب إسرائيلية محتملة، لا يخرج لبنان من المراوحة في حلقة مفرغة وسط التضارب بين السلطات، والخلافات حول السلاح، ما يثير تساؤلات حول تركيبة النظام السياسي المعلّقة بالخارج، وكيف تُدار وفق توازنات تنظِّم الصراعات وتفجّرها متى استدعت الحاجة.

وفي ظلِّ الضغوط الأميركية المتواصلة لسحب السلاح، لا يمكن أن تبقى الملفات مجمَّدة في انتظار نتائج المفاوضات، إذ إنَّ السلاح لا ينفصل عن التصعيد بين إيران وأميركا. فإذا كانت التقديرات تشير إلى أنَّ لبنان لن يبقى في منأى عن الحرب، بل سيكون مشمولًا بها، سواء من ناحية التهديدات الإسرائيلية التي تشكك في المسار الذي تعتمده الدولة لسحب السلاح، أو من احتمال دخول “حزب الله” في إسناد إيران، إذ لا يمكن التكهُّن بما إذا كان الحزب سيُقدِم على مغامرة إسناد انتحارية جديدة أو لا، فإنَّ الكلفة التي سيدفعها لبنان ستكون مضاعفة، حتى إنها ستحدد مصير البلد في المرحلة المقبلة.

  • الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
  • يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى