
هنري زغيب*
سنة 1999 نال الصحافي راي )ريمون) بونِر (Raymond Bonner) جائزة “بوليتْزِر” على تحقيقاته الصحافية الجريئَة في عدد من الصحف الأَميركية تغطيةً جبهاتٍ ساخنةً وخطرة. ومن يومها اتَّسع اسمُه أَكثر في الأُسرة الصحافية. سوى أَنه، بعد عمْر من المراسلة والتغطيات الميدانية الخطرة والجريئة، راح تدريجًا ينسحب من الوسط الصحافي، وينصرف إِلى حياته الأَدبية، هو الذي حبُّه الكتابَ غلَب كتابتَه الصحافية. وبلغ به هذا الحبُّ أَن غادر الولايات المتحدة إِلى أُستراليا ليُنشئَ مكتبةً ومقهى أَدبيَّا يستقبل فيه قرَّاءً وأُدباء يعْقد معهم حلقات فكرية وثقافية كانت تستقطب جمهورًا أَوسعَ فأَوسعَ حتى بلغَت شُهرتُه قوسًا عالَميًّا.
“البوليتْزِر”
أَبدأُ بالجائزة. ما هي جائزة “بوليتْزِر”؟ تأَسَّسَت سنة 1917 بناءً على وصية الناشر الصحافي الهنغاري الأَميركي جوزف بوليتْزِر (1847-1911). حقَّق من مجموع مؤَسساته الصحافية ثروةً أَوصى بها بعده لمستحقِّي الجائزة، تمنحُها سنويًا جامعة كولومبيا (نيويورك) في 13 فرعًا صحافيًّا وأَدبيًّا، مكافِئَةً مرشَّحين في قطاعات الصحافة والإِنجاز الأَدبي والتأْليف الموسيقي. وهي اليوم أَرقى جائزة شرَفيَّة في هذه القطاعات.
راي (ريمون) بونِر محامٍ ومؤَلف وصحافي. بنى شهرتَه تباعًا في مقالاته لدى “نيويورك تايمز” و”نيويوركر” وملحق “نيويورك الأَدبي”. نال جائزة “إِيْمي” على فيلم وثائقي قصير عن برنامج وكالة الاستخبارات الأَميركية لتحقيقات انفجار 11 أَيلول/سبتمبر 2001.
هو
وُلد سنة 1942 في مدينة سانت لويس (ولاية مينيسوتا)، ودرس في ثانويتها حتى سنة 1960. نال إِجازة المحاماة سنة 1967 من كلية الحقوق من جامعة ستانفورد، والتحق سنة 1968 بجهاز البحرية الأَميركية محاميًا. وبهذه المهمة سافر مع فريق من هذا الجهاز إِلى فيتْنام. ثم التحق محاميًا بمكتب المحامي (من والدَين لبنانيَّيْن) رالف نادر لحماية المستهلك، وتمرَّس بهذا الشأْن العام، فأَسَّس مكتبًا لحماية المستهلكين في سان فرنسيسكو. ودرَّس الحقوق لدى جامعة كاليفورنيا في مدينة ديفيس، وأَسس مكتبًا لحماية حقوق الفقراء والمعوَزين.
انتقل إِلى الصحافة محررًا في “نيويورك تايمز” ومراسلًا. وكان أَول سبَق صحافي حقَّقه إِبان الحرب الأَهلية في السَلفادور، باختراقه صعوبات الوصول لتغطية مجزرة رهيبة في مدينة موزوتِّي التي تم فيها قتْلُ 900 مواطن معظمهم من النساء والأَطفال والعُجّز، ارتكبها فصيل من الجيش يومَي 11 و12 كانون الأَول/ديسمبر 1981. وكان ذلك بتسهيلٍ من “حزب التحرير الوطني” اليساريّ الذي سهَّل له الوصول، بعد شهر من المجزرة، إِلى المدينة المنكوبة. وصدر تحقيقه في “نيويورك تايمز” يوم 27 كانون الثاني/يناير 1982، مندِّدًا بإِطاحة حقوق الإِنسان.
النجاح السيِّئُ المصير
سوى أَن نجاح سبَقِه الصحافي كان شُؤْمًا عليه، لأَن إِدارة الرئيس ريغان رأَت في التغطية مبالَغة تُضِرُّ بالحُكْم. فالحكومة الأَميركية كانت داعمةً حكْم السلفادور اليميني، وتَمُدُّه بقوات عسكرية لتدمير “حزب التحرير الوطني” اليساري. والقوة الضاربة التي ارتكبَت المجزرة كانت تلقَّت تدريباتها لدى القواعد العسكرية في الولايات المتحدة، وتتلقَّى توجيهاتها من المدرِّبين العسكريين المقيمين في السَلفادور.
استقال ولم ينقطع
نتيجة ذاك الوضع السياسي والعسكري، كان من إِدارة “نيويورك تايمز” أَن فصَلَت راي بونر عن قسم التحقيقات والمراسلات. استدعَتْه من السَلفادور ونَقَلَتْه إِلى القسم الاقتصادي، فلم يقبَل به، وقدَّم استقالته من الجريدة. إِنما لاحقًا عاد يمدُّها بمقالات وتحقيقات وتغطيات متفرقة، منها: مجزرة راوندا (1994) والحرب في البوسنة (1995). وبقي يراسل “نيويوركر” (1988 إِلى 1992)، ويكتب لها تغطيات من البيرو وإِندونيسيا والكويت وكردستان. وبين 1988 و2007 تنقَّل إِلى نيروبي ووارسو وفيينا وجاكارتا، وراسل “نيويورك تايمز” و”الإِيكونوميست” و”الغارديان” وسواها.
هدية التقاعُد: مقهى أَدبي
عند بلوغه سنَّ التقاعُد، لم يشأْ أَن يتقاعد بصفته صحافيًّا، بعد كل ما مرَّ به من تغطيات معارك ومجازر ومخاطر على حدود الجبهات المتحاربة. لذا قرَّر التخلِّي عن قلمه الصحافي والانصراف إِلى… الكتاب، فانتقَل وزوجته إِلى أُستراليا يتقاعد فيها. وهناك اشترى مكتبةً مهمَلَة، سرعانَ ما حوَّلها مقهى أَدبيًّا، أَخَذ يستقبل فيه قرَّاءً وأُدباء يعقدُ معهم حلقات فكرية وثقافية كانت تستقطب جمهورًا أَوسعَ فأَوسعَ حتى بلغَت شُهرتُه قوسًا عالَميًّا.
كيف كان ذلك؟ وماذا عن المكتبة و”المقهى الأَدبي”؟
هذا ما أَعرضُه في القسم الآخَر من هذا المقال.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
