ال”هارب” يحكي بين أنامل سلمى صابر: ديتيرزدورف يعودُ إلى الحياة في القاهرة

في أمسيةٍ حملت ال”هارب” إلى واجهة السرد الموسيقي، قدّمت السوليست المصرية سلمى صابر كونشِرتو للمؤلف النمساوي كارل فون ديتيرزدورف مع أوركسترا القاهرة السيمفوني بقيادة المايسترا الألمانية “روزويتا هينتز”. وقد جاء الأداء بوصفه حكاية موسيقية أعادت لل”هارب” حضوره ودفأه الكلاسيكي.

ال”هارب” يحكي بين أنامل سلمى صابر، لا بوصفه آلة نقر، بل كصوتٍ سرديٍّ يقود الحكاية.

عمار مروة*

على خلاف عازفي البيانو والكمان وال”تشيلّو” وبقية آلات النفخ والإيقاع، يواجه عازفو آلة ال”هارب” (HARP) المحترفون حول العالم —وغالبيتهم من النساء— إشكالية مُزمنة تتمثل في الفقر النسبي لل”ريبيرتوار” العالمي المؤلَّف خصيصًا لهذه الآلة، إذا ما قورن بما حظيت به الآلات الأخرى عبر تاريخ الموسيقى الكلاسيكية.

ويكفي التذكير بأنَّ مؤلفًا كلاسيكيًا غزير الإنتاج مثل موزارت لم يترك لل”هارب” سوى كونشرتو واحد فقط، جاء في سياقِ حاجةٍ مادية، وبتكليفٍ مدفوع من إحدى الأميرات. وحتى هذا العمل لم يُكتب لل”هارب” منفردًا، بل تقاسم بطولته مع آلة الفلوت في ما عُرف لاحقًا بـ”الدوبل كونشرتو”، حيث كان النصيب الأوفر من حيث الثراء والتنوع من حصة الفلوت على حساب ال”هارب”.

ولا يقتصر الأمر على هذه الحالة الاستثنائية؛ إذ إنَّ الغالبية الساحقة من المؤلفين لم يكتبوا لل”هارب” كونشرتو ولا حتى سوناتا واحدة. ورُغمَ أنَّ أسبابَ هذه الظاهرة متعددة، وترتبطُ بطبيعة الآلة نفسها وتاريخ تطوّر صناعتها —ولا سيما نظام الدوّاسات السبع المُستَخدَم لتبديل الأنصاف اللحنية— فإنَّ جانبًا آخر منها يعود إلى صعوبة استيعاب خصائصها التعبيرية واللونية. فالصوت المتقطع لل”هارب”، وحدود رنينه، وأثره الخاص في صدى المرافقة الهارمونية، كثيرًا ما دفعت المؤلفين إلى التعامل معه بوصفه آلة نقر مُعقَّدة ومحدودة الجرس، لا كعالمٍ تعبيري مستقل بذاته.

من المفيد تأجيل الخوض التفصيلي في هذه الأسباب التقنية والفنية إلى مقال مستقل، إذ إنها لا تشكّل محور هذا النص. غير أنَّ الإشارة العابرة إليها تبقى ضرورية هنا، بوصفها مدخلًا لفهم بعض النتائج التي سنعود إليها لاحقًا.

وانطلاقًا مما سبق ذكره عن معاناة عازفي ال”هارب” عالميًا من ندرة المؤلفات المكتوبة خصيصًا لآلتهم، يُحسَنُ التوقُّف عند حالة المؤلف النمساوي كارل ديتيرزدورف، المعروف بصداقته الوثيقة وقربه الفني من اثنين من أبرز أعلام عصره، جوزيف هايدن وفولفغانغ أماديوس موزارت، اللذين جمعته بهما علاقة مودة واحترام متبادل. ومع ذلك، فإنَّ المفارقة اللافتة تكمن في أنَّ ديتيرزدورف، كما هايدن وموزارت، لم يكتب —وللأسف— أي كونشرتو مخصص لل”هارب”، رُغمَ غزارة إنتاجه الاستثنائية.

فديتيرزدورف ترك خلفه إرثًا موسيقيًا ضخمًا شمل نحو 120 سيمفونية، و45 أوبرا، إضافةً إلى عددٍ كبير من الأعمال الدينية ومؤلفات موسيقى الحجرة، فضلًا عن كونه من القلائل الذين حالفهم الحظ في إكمال كتابة سيرتهم الذاتية قبل وفاتهم، إذ أنجزها قبل يومين فقط من رحيله.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: كيف وُلدت إذًا كونشِرتو ال”هارب” التي نتناولها في هذا المقال؟

العمل المقصود هو كونشرتو ال”هارب” في مقام “لا الكبير” (LA Major) لكارل ديتيرزدورف، الذي تؤديه اليوم السوليست المصرية سلمى صابر، ويُعَدُّ من أشهر الأعمال المُتداوَلة في “ريبرتوار” القيثارة المعاصر. غير أنَّ آراءَ الباحثين في تراث المؤلف تشيرُ إلى أنَّ هذا الكونشرتو ليس مُؤلَّفًا في الأصل لل”هارب”، بل هو نسخة مُعدّلة عن كونشرتو كُتِبَ أساسًا لل”هاربسيكورد”.

ويُقدَّم هذا العمل على نطاقٍ واسع وفق توزيعٍ موسيقي يعود إلى القرن العشرين، مستند إلى واحدة من خمس “كونشيرتات” أصلية ألّفها ديتيرزدورف لل”هاربسيكورد”، ويُرجَّح أنَّ تاريخها يعود إلى نحو العام 1779. ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه النسخة هي المُعتَمَدة لدى الأوركسترات في مختلف أنحاء العالم، وتُنسب في توزيعها إلى كارل هيرمان بيليني.

ويرى المتخصّصون بتاريخ الموسيقى في تلك الحقبة أنَّ المناخَ العام لهذا العمل يبدو وكأنه حلقةُ وصلٍ بين أناقة وخفة موسيقى منتصف القرن الثامن عشر من جهة، والأسلوب الكلاسيكي الأكثر قوة ووضوحًا لدى موزارت من جهة أخرى.

وأخيرًا، لا بدَّ من الإشارة إلى حقيقة أنَّ غالبية عازفي الهارب في العالم اليوم تميلُ إلى اختيار مجموعة محددة من كونشرتات الهارب المعروفة عالميًا، باعتبارها أعمالًا مرجعية تُتيحُ لهم إبرازَ قدراتهم التقنية والتعبيرية، في ظلِّ محدودية الريبرتوار المُتاح لهذه الآلة.

يأتي هذا الكونشرتو تحديدًا ضمن تلك القلّة المُنتقاة من الأعمال التي يعتمد عليها عازفو ال”هارب” عالميًا، إذ تسبقه من حيث الأهمية كونشرتو موزارت، ويليه كونشرتو هايدن— وهو الآخر عمل أُعيدت صياغته انطلاقًا من كونشرتو لل”هاربسيكورد”— ثم يأتي كونشرتو بوالديو، فكونشرتو ال”هارب” الوحيد الذي كتبه خواكين رودريغو. وبعد هذه الأعمال، لا يبقى سوى عددٍ محدود جدًا من المؤلفات التي لا تحضر جميعها في الذاكرة بالضرورة.

من هنا، تكتسب كونشرتو كارل ديتيرزدورف أهمية خاصة لدى عازفي ال”هارب” المٌتعطّشين لتجربة قالب الكونشرتو بوصفه مساحةً لعرض قدراتهم التقنية والتعبيرية. فهذا العمل يُتيحُ لهم إبراز براعتهم في التعامل مع إمكانات الآلة اللونية وتعدُّد أصواتها، ضمنَ سردٍ ميلودي واضح يُعَدُّ جوهر هذا القالب وهدفه الأساسي. هنا، لا يكون السعي مُوَجَّهًا نحو تعقيدٍ هارموني أو بناءٍ فكري مركّب كما في التأليف المعاصر، بل نحو تطوير الميلودي من الداخل، بوصفه بطلًا أوحد يدور حوله النسيج الموسيقي، قبل أيِّ تشعُّبٍ بوليفوني أو تفصيلٍ هارموني لاحق.

وفي هذه النسخة المصرية، دخلت المايسترا “روزويتا هينتز” (Roswitha Heintze) عالم القيادة بحذرٍ محسوب. بدت كأمٍّ يقظة، تتابع تفاعل أبنائها —عازفي الأوركسترا— بعينٍ راعية، وتقودهم بتروٍّ بالغ، إلى حدٍّ يجعلك تشعر أنها تعاملت حتى مع التمبو بروية تتجاوز الخوف التقليدي من الزمن الموسيقي نفسه.

كان تركيزها مُوَجَّهًا إلى الداخل أكثر من أيِّ اعتبارٍ خارجي؛ إلى دقة تفاصيل السرد الموسيقي الذي تقاسمته مع السوليست سلمى صابر، ليُملَى على العازفين بروح واحدة. بهذا “الإملاء” الفني، أُُعيدَ تشكيل روح الكونشرتو بعناية، وطُوِّعت بنيته الكلاسيكية القياسية لعبور الزمن عبر حركاته الثلاث. وقد فعلتا ذلك بمرونة فنية أفسحت المجال لتمبو خاص دافئ، نشأ من داخل تسلسل الميلوديات نفسها، مُوازيًا للتمبو العام للعمل، وكأنه كلمة سر مشتركة بين قيادة رعوية وعزف أنثوي هادئ.

دخلت سلمى والمايسترا هذا الفضاء بخفر وهدوء حذر، لتتطور العلاقة الموسيقية بينهما تدريجًا، لمصلحة روح ال”سولو” في تفاعله مع الكتلة الأوركسترالية. هذا التفاعل ارتقى بمستوى الأداء المشترك، وفرض حضوره على تفاصيل السكور بسلاسة واقتدار، من دون افتعال أو استعراض زائد.

في كثيرٍ من اللحظات، كان الإحساس طاغيًا بأنهما تشاركتا كل شيء: من الإمساك بالزمن الموسيقي، إلى نسج السرد الميلودي في أدق تفاصيله، في تواطؤٍ جمالي انعكس على مُجمل العازفين. هؤلاء بدورهم تجاوبوا مع هذا النفس الواحد، وبالرهافة الميلودية نفسها التي حملت السرد الداخلي للعمل، لتُروى بوليفونيته الأوركسترالية الخفيفة بهدوء هارموني ساحر.

تجاوبت الأوركسترا مع روح السرد، وكأنها تُردّدُ صدى التناغم العام في بناء هذه الرواية “الكونشرتاتية” ذات الهوى الموسيقي ذي الهوية “النمساوية – الإيطالية”، تلك الهوية التي طبعت، بإيطاليتها الخاصة، موسيقيي فيينا في تلك الحقبة.

جاءت الحركة الأولى بسرعة أليغرو مولتو بافتتاحية خفيفة، حلّقت فيها الميلوديات كأنها سربُ طيورٍ يقترب من الأفق البعيد. تلقّت السوليست سلمى صابر هذا التحليق بسيولة لحنية لافتة، منحت الألحان حجمها الطبيعي، ضمن لعبة التقريب والتبعيد التي أبرزتها بثبات في مواجهة تحدّي إعطاء الأبعاد المشهدية حقّها الصوتي داخل بانوراما الكونشرتو العامة.

هذا التوازن جعلها تقف بثقة بين القوة والذوق المتروّي، مستعرضة إمكانات الرشاقة والصدق في التعامل مع تعدُّد الميلوديات، وهي تبني نسيجًا موسيقيًا غير معقّد، لكنه بالغ الوضوح والشفافية. هنا، بدأ ال”هارب” يتحوّل إلى حكواتي بين أصابعها، يروي بإسهاب بلغة بسيطة ومباشرة، ليستريح في حوار دائم مع الأوركسترا.

بدت كأنها تؤدي صلاة موسيقية تتطلّب تركيزًا عاليًا في النقاء والاتزان، حيث إنَّ أيَّ مبالغة قد تُخرِجُ العمل عن روحه الكلاسيكية. انتظمت الرواية على لسان ال”هارب”، فيما راحت الأوركسترا تردد أصداءها الهارمونية بتفاصيل دقيقة، ليشعر المستمع وكأنه يشاهد عرضًا أوركستراليًا يفسح المجال للسوليست مرارًا للدخول منفردة، فتبدو تارةً كعصفورة، قبل أن تتحول في الحركة الثانية — لارغيتو—  إلى فراشة لا تكترث لأيِّ تفصيلٍ خارج روح السرد.

في هذه الحركة، تغيّر طابع صوت ال”هارب” إلى هوية غنائية هادئة، تتحكّمُ فيها بنَفَس طويل قادر على تثبيت اللون الصوتي بتعبير داخلي بلا إفراط. بدت الموسيقى وكأنها تُهمَس أكثر مما تُقال أحيانًا، وتبوح أكثر مما تُخفي أحيانًا أخرى. عزفت سلمى كما لو أنها تغني موّالًا وجدانيًا داخليًا، تتأمله في الروح ال”كونشرتاتية” التي تسعى، بغنائيتها، إلى الاقتراب من شكل الأغنية المنفردة، ما أوجد تبايُنًا بطيئًا ومعبّرًا مع طبيعة الحركة الأولى التي سبقتها.

ومع الحركة الثالثة، روندو أليغريتو، تعود السوليست لتتحول إلى شيءٍ مختلف تمامًا. بروح عزف متحركة، بدت كأنها تنزلق من حالة تأمُّلية إلى خفّة نَسَمية رشيقة، تنثر عبارات الألحان بسخاء وأناقة، محافظة على أسلوب الغالانت الخاص بهذا الكونشرتو. هنا، أظهرت الجانب المرح للعمل بخفة ظل وطاقة إيجابية واضحة، تجلّت في حركة الأصابع وقوة النقر على الأوتار.

فعلت ذلك بروحٍ تتحدى إغراء السهولة، محافظة على الخفة والابتسامة الموسيقية حتى آخر نغمة في سردها. ومن المفيد التذكير بأنَّ هذا الكونشرتو يتميّز بحركةٍ تفاعلية مستمرة بين اليدين، لا تكاد تتوقف، ضمن دوائر موسيقية مُتداخلة تتطلّب مستوى عاليًا من التحكُّم التقني. وقد استطاعت سلمى ضبط هذه المتطلبات بقوة ورشاقة قاربت الكمال، إلى حدٍّ قد يثير غيرة وإعجاب عازفي ال”هارب” المُتخصّصين الكبار.

يُعد هذا الكونشرتو واحدًا من الأعمال المحببة إلى قلوب عازفي القيثارة في مختلف أنحاء العالم، على الرغم من حقيقة أنه —كما أسلفنا— لم يُؤلَّف في الأصل لل”هارب”، إذ إن كارل ديتيرزدورف لم يكتب في مسيرته أي كونشرتو مخصص لهذه الآلة. وعليه، سيبقى هذا العمل الجميل نسخة معدّلة، استُلّت من إحدى كونشرتاته الخمس المكتوبة لل”هاربسيكورد”، وأُعيد توجيهها لاحقًا نحو ال”هارب”، لتجد طريقها إلى ريبرتوار هذه الآلة العطشى دائمًا إلى أعمال كبرى.

وفي سياق هذه التحولات، قام الموزع الموسيقي الهولندي “جوس فان دو براك” (Jos van de Braak) لاحقًا بإعداد توزيع جديد للحركة الأولى من هذا الكونشرتو، خصّ به ال”هارب” وفرقة نفخ، في مثالٍ إضافي على مرونة هذا العمل وقابليته لإعادة التشكيل ضمن قوالب مختلفة.

إنَّ العودة إلى التأكيد على هذه الحقيقة ليست تكرارًا مجانيًا، بل محاولة لتسليط الضوء على ضرورة تفرضها الحاجة الفنية، وتحديدًا في ما يتعلق بضعف الريبرتوار الخاص ببعض الآلات. فإعادة كتابة القوالب، أو تكييفها، تصبح أحيانًا خيارًا إبداعيًا مشروعًا، بل وحتميًا، عندما تسعى آلة ما إلى الاستعانة بأخرى لتعويض هذا النقص، وفتح آفاق تعبيرية جديدة أمام عازفيها.

كانت أمسية جميلة بكل المقاييس، حملتنا إليها أوركسترا القاهرة بحماسة واضحة من جميع أعضائها، وعلى رأسهم السوليست سلمى صابر، والمايسترا الألمانية “روزويتا هينتز”، إلى جانب عازف الأوبوا حسين رمضان، في لقاء موسيقي أكد أنَّ العمل الكلاسيكي، مهما كانت جذوره أو تحوّلاته، يظل قادراً على الحياة والتجدد حين يُقدَّم بصدق وحساسية فنية عالية.

Exit mobile version