كيف تحمي نفسك من الإصابة بالسرطان؟

لم يعد السرطان قدرًا محتومًا كما كان يُعتَقَد، بل أصبحَ في جُزءٍ كبيرٍ منه مرضًا يُمكِنُ الوقاية منه بالعلم والمعرفة والسياسات الصحّية السليمة. وهذه السطور محاولة لتسليط الضوء، بمناسبة اليوم العالمي للسرطان، على ما يملكه الإنسان اليوم من أدوات حقيقية لحماية حياته وصحّته.

خلية واحدة شاذّة قد تكون الشرارة الأولى، لكن الوقاية والمعرفة قادرتان على إيقاف السلسلة قبل أن تبدأ.

الدكتور فيليب سالم*

سألني صديقٌ قبل أيام: ماذا ستَكتُب هذا العام بمناسبة اليوم العالمي للسرطان، الذي يُصادِفُ في الرابع من شباط (فبراير)؟ فقلتُ له: ماذا تحبُّ أن تعرفَ عن هذا المرض؟ أجابني بهدوءٍ صادق: لا أُريدُ الخوضَ في تفاصيل السرطان، بل أودُّ أن أعرفَ كيف أحمي نفسي من الإصابة به. عندها أدركتُ أنَّ هذا السؤال هو بيت القصيد، وأنَّ ما سيأتي هو جوابي له… ولغيره.

في العلوم الطبية، يُختَصر الكثير من الحقائق بالمثل القائل: “درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”، أي أنَّ الوقاية تتقدّم دائمًا على العلاج. وربما يَستغربُ البعض إذا علمَ أنَّ المعارف العلمية المتوافرة اليوم تُتيحُ الوقاية من نحو 75% من الأمراض السرطانية. وتشيرُ الدراسات والأبحاث إلى أنَّ التدخين مسؤولٌ وحده عن قرابة 30% من هذه الحالات، فيما تعودُ نسبةٌ مُماثلة إلى الالتهابات الجرثومية المُزمنة، وتُعزى النسبة المُتبقّية، أي نحو 15%، إلى أسبابٍ أُخرى معروفة وقابلة للحدِّ منها. إنَّ السيطرة على هذه العوامل ليست أمرًا نظريًا، بل هدفًا واقعيًا يُمكنُ بلوغه عبر اعتمادِ سياساتٍ صحّية حديثة، قائمة على الوقاية، والتوعية، والتدخّل المُبكِر.

التدخين

يُعدّ التدخين، بجميع أشكاله، من أخطر السلوكيات المُؤذية للصحّة، ولا يوجدُ نوعٌ واحدٌ منه يُمكِنُ اعتباره آمنًا. فسواء كان التدخين عبر السجائر التقليدية، أو السيجار، أو النرجيلة، أو وسائل التدخين الإلكتروني، فإنَّ الضررَ الصحي يبقى قائمًا ومُؤكَّدًا. ولا يقتصرُ هذا الضرر على المُدخِّن نفسه، بل يمتدُّ إلى مَن يُحيطون به عبر ما يُعرَف بالتدخين السلبي، ما يجعلُ تجنُّب الأماكن التي يُسمَحُ فيها بالتدخين ضرورةً صحّية لا خيارًا.

وفي مجال التثقيف الصحي، يبرزُ توجُّهٌ أكثر فاعلية يتمثّل في التركيز على حماية غير المُدخّنين، ولا سيّما الأجيال الناشئة، بدل الاكتفاء بمحاولة تغيير سلوك المُدخّنين. ومن هنا تبرزُ أهمّية إدراج برامج تربوية منظّمة في المدارس الابتدائية، تُعنى بالتثقيف الصحي عمومًا، وبمخاطر التدخين على وجه الخصوص. فغَرسُ الوعي في سنٍّ مُبكِرة يُعَدُّ السلاحَ الأنجع في مواجهة هذه العادة القاتلة. ويجدرُ التذكير بأنَّ آثارَ التدخين لا تقتصرُ على زيادة خطر الإصابة بالسرطان، بل تشملُ أيضًا أمراض القلب والرئتين، إلى جانبِ طيفٍ واسعٍ من المشكلات الصحّية الخطيرة الأخرى.

الإلتهابات الجرثومية المُزمنة

تُعَدُّ الالتهابات الجرثومية المُزمنة سببًا رئيسًا آخر في نشوء عدد من الأمراض السرطانية. وقد كنتُ واحدًا من أوائل الباحثين الذين توصّلوا، في سبعينيات القرن الماضي، إلى أنّ الالتهابات الجرثومية المتكرّرة التي تُصيب الأمعاء يمكن، إذا أُهمِلت ولم تُعالَج في مراحلها المبكرة، أن تتطوّر إلى أنواع مختلفة من السرطان. والأهمّ في هذه النتائج أنّ المعالجة المبكرة والفعّالة لهذه الالتهابات باستخدام المضادات الحيوية تؤدي إلى الشفاء التام، وبالتالي إلى الوقاية من التحوّل السرطاني.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، أثبتت الأبحاث أنَّ سرطان عنق الرحم لدى النساء يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالالتهابات المتكرّرة الناتجة عن فيروس من عائلة الهربس، المعروف اليوم بفيروس الورم الحليمي البشري  (HPV). وقد شكّل تطوير لقاح فعّال ضد هذا الفيروس نقلة نوعية في الوقاية، إذ بات بالإمكان الحدّ من تطوّر هذه الالتهابات إلى سرطان. ومن هنا، تبرز ضرورة اعتماد سياسات صحّية واضحة في جميع دول العالم تضمن توفير لقاح ((HPV لكلّ أنثى تتراوح أعمارها بين 10 و30 سنة، نظرًا لقدرته على الوقاية من سرطان عنق الرحم بنسبة تصل إلى 85%.

وينطبق المبدأ نفسه على سرطان الكبد، الذي ينشأ في كثير من الحالات نتيجة التهاب مزمن بفيروس التهاب الكبد من نوع “Hepatitis B“. ومع توفّر لقاح فعّال ضد هذا الفيروس، أصبحت الوقاية من هذا النوع من السرطان مُمكنة وواقعية. وتجدرُ الإشارة إلى أنَّ سرطان الكبد يشهد انتشارًا واسعًا في منطقة الخليج العربي والمملكة العربية السعودية، ما يستدعي اعتماد سياسات صحّية صارمة تفرض التلقيح الشامل للحدّ من هذا الخطر.

أما سرطان المعدة، فقد شكّل اكتشاف العلاقة بينه وبين جرثومة المعدة (Helicobacter pylori) محطة مفصلية في الطب الحديث. فقد أثبت الطبيبان، من جامعة سيدني، المتخصّصان في أمراض الجهاز الهضمي، باري مارشال وروبن وارن، أنّ الالتهاب المزمن الناتج عن هذه الجرثومة، إذا لم يُعالَج، قد يتطوّر إلى سرطان المعدة، كما قد يسبّب القرحة الهضمية. وقد تُوِّجَ هذا الاكتشاف بمنح جائزة نوبل في الطب عام 2005 لهذين الباحثين، تأكيدًا على الأهمية البالغة للعلاج المبكر في الوقاية من السرطان.

وفي السياق نفسه، يُعدّ سرطان المثانة من أكثر السرطانات انتشارًا في مصر، ويرتبط بشكل وثيق بالالتهابات المزمنة الناتجة عن الإصابة بداء البلهارسيا، وهو مرض طفيلي ينتقل عبر استخدام مياه نهر النيل. وللحدّ من هذا النوع من السرطان، لا بدّ من اعتماد سياسة صحّية وطنية صارمة تُركّز على الكشف المبكر عن هذه الالتهابات ومعالجتها قبل أن تتطوّر إلى مرض سرطاني.

تؤكّد هذه الشواهد العلمية مجتمعة أنّ الوقاية من السرطان ليست حلمًا بعيد المنال، بل خيارًا ممكنًا يستند إلى المعرفة، والعلاج المبكر، ووضع سياسات صحّية قائمة على العلم.

عوامل أخرى

خلاصةُ القول إنَّ القضاء على التدخين، إلى جانب التشخيص المبكر والمعالجة الفعّالة للالتهابات الجرثومية، يُتيحُ لنا الوقاية مما يقارب 60% من الأمراض السرطانية. أمّا النسبة المتبقية، أي نحو 15%، فتعودُ إلى مجموعة عوامل أخرى متعدّدة ومعروفة يمكن الحدّ من تأثيرها عبر سياسات وقائية واضحة.

أولى هذه العوامل التعرّض المفرط لأشعّة الشمس، ولا سيّما الأشعّة فوق البنفسجية، التي تُعدّ سببًا رئيسًا لسرطان الجلد. ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد سياسات صحّية صارمة في الدول التي ترتفع فيها معدّلات هذا النوع من السرطان، بهدف تنظيم وسائل الوقاية من التعرّض الضارّ لهذه الأشعّة. وفي هذا السياق، لا بدّ من التوقّف عند العيادات والمراكز التي تستخدم الأشعّة فوق البنفسجية لأغراضٍ تجميلية، كإكساب البشرة لونًا أكثر سمرة. فهذه الممارسات تستوجب وضع ضوابط ومعايير صحّية دقيقة، وأن تبقى هذه المراكز تحت رقابة دائمة من الجهات الصحّية المختصّة.

العامل الثاني يتمثّل في الاستهلاك المفرط للكحول، الذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطانات الفم والمريء، ويُعدّ سببًا رئيسًا لسرطان الكبد. ورُغمَ أنَّ كمياتٍ محدودة من الكحول قد لا تُحدِثُ ضررًا فوريًا، فإنَّ الإفراطَ في تناولها يُشكّلُ خطرًا جسيمًا على الصحّة. ويزداد هذا الخطر بشكلٍ ملحوظ عندما يقترن شرب الكحول بالتدخين، إذ يتضاعف احتمال الإصابة بالسرطان عند اجتماع هذين العاملين.

أما العامل الثالث فهو السمنة، التي ثبتَ علميًا وجود علاقة وثيقة بينها وبين ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان. ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على وزنٍ صحّي من خلال تبنّي نمط حياةٍ متوازن. ويبدأ ذلك بتنظيم النظام الغذائي، عبر التقليل من كميات الطعام المتناولة، وزيادة النشاط البدني، إذ تلعب الرياضة دورًا أساسيًا لا في تعزيز الصحّة الجسدية فحسب، بل أيضًا في دعم الصحّة النفسية والعقلية.

كما يُنصَح بالحدّ من استهلاك الأطعمة المصنّعة والمعلّبة، في ظلّ وجود شبهات علمية متزايدة حول دور بعض المواد المضافة والكيماويات المستخدمة فيها في ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان. ويُفضَّل العودة إلى الغذاء الطبيعي قدر الإمكان، الخالي من الإضافات الصناعية. أمّا ما يُتداوَل من شائعات حول ارتباط استهلاك السكر بحدوث السرطان، فلا يستند إلى دليلٍ علمي واضح حتى اليوم، ولا تؤيّده الدراسات الطبية الموثوقة.

يُضاف إلى هذه العوامل خطر التعرّض المكثّف لمادّة الأسبستوس، وهي مادّة استُخدِمَت على نطاقٍ واسعٍ في قطاع البناء، وتبيّن علميًا ارتباطها الوثيق بأنواعٍ خطيرة من السرطان. ومن هنا تأتي النصيحة الأساسية بضرورة التأكّد، قبل السكن في أيِّ منزل، من خلوّه من نسب مرتفعة من هذه المادّة. ويجدر التشديد على أنّ اجتماع التعرّض للأسبستوس مع التدخين يرفع بشكلٍ كبير خطر الإصابة بسرطان غشاء الرئة، المعروف ب”ورم المتوسطة”  (Mesothelioma)، وهو من أكثر السرطانات شراسة وصعوبة في العلاج.

وفي إطار الوقاية، لا يمكن إغفال أهمية الفحص الطبّي الدوري، أو ما يُعرف بال”check-up“. فمن وجهة نظر علمية وإنسانية، تُعدّ العناية بالصحّة أعظم هدية يمكن للإنسان أن يقدّمها لنفسه. إنَّ تخصيصَ يومٍ واحد في السنة لزيارة الطبيب وإجراء الفحوص اللازمة قد يقي من مشكلات صحّية جسيمة، أو يتيح اكتشافها في مراحلها الأولى حيث تكون فرص العلاج أفضل. ومن المؤسف أن ينشغل كثيرون بتفاصيل الحياة اليومية، فيما يُهملون أثمن ما يملكون: صحّتهم. فاحترامُ الجسد هو الأساس الذي يسبق أيَّ شكلٍ آخر من أشكال الاحترام.

ونعودُ لنؤكّد أنَّ الحقَّ الأسمى للإنسان هو الحق في الحياة، ولا يتحقّق هذا الحق إلّا من خلال ضمان الحق في الصحّة، وعلى نحوٍ أخصّ الحق في الوقاية من الأمراض. فآلاف البشر يفقدون حياتهم يوميًا ليس لغياب العلاج فحسب، بل لغياب السياسات الوقائية، أو لعدم توفّر الموارد، أو لقصور الأنظمة في احترام الإنسان وحقّه في الحياة. ومن هذا المنطلق، نطالب، وسنظلّ نطالب، بتحديث شرعة حقوق الإنسان بحيث يُكرَّس الحق في الحياة بوصفه الحق الأول والمقدّس، والذي تتفرّع عنه سائر الحقوق. فلا عار على أمّة أشدّ من أن يموتَ إنسانٌ فيها لأنَّ الوقاية لم تكن متاحة، أو لأنَّ العلاجَ كان حكرًا على القادرين.

مباركٌ مَن وَهَبَ الحياة، ومباركٌ مَن يَصونُها ويَحتَرِمُها.

Exit mobile version