ذاكرة النبطية أَقوى وأَبقى من القصف
هنري زغيب*
كأَنَّما لم يكْتَفِ هذا العدوُّ الوحشُ بما دمَّر في جنوبنا الغالي من بيوت، وما رمَّد من أَراضٍ، وهجَّرَ من أَهالينا هناك، حتى رشَّ على بقْعةٍ من أَرضنا الـمُبيدَ العُشْبي “غلايفوسات” (glyphosate) مغْتالًا كلَّ ولادة نباتية وبيئية ومائية وحيوانية وبشرية، في حقْدٍ هولاكي نيروني فاقع.
سوى أَنه يقتل اللحظة الحاضرة ولا يقتل لحظات الذاكرة. والذاكرة زادُنا للجيل الجديد كي يعرف أَنه سليلُ شعبٍ عنيدٍ في تمسُّكه بأَرضه وإِرثه وتُراثه والبقاء…. من هذا البقاء في حفْظ التراث: علبةٌ أَنيقةُ الإِخراج، عنوانُها: “تُراثياتُ النبطيَّة”، من سلسلة “النبطية ذاكرة وتراث”. تضمُّ 24 بطاقةً بريديةً، على وجه كلٍّ منها صورةُ بيتٍ أَو مَعْلَمٍ من النبطية، وعلى الوجه الآخر نُبذةٌ عنه وعن أَهله. وهذا عملٌ رساليٌّ نبيلٌ وَثَّقه شاعر الفوتوغرافيا الصحافي الزميل كامل جابر، بما له من موهبةٍ نادرةٍ في التقاط حسِّ الصورة قبل الصورة.
بعضُ البطاقات صورٌ بكاميرا كامل جابر، وبعضُها الآخَر لوحاتٌ بريشات: صادق جمعة ومصطفى جرادي وهشام طقش وتمَّام غندور ورحاب غندور وزاهد قبيسي ومنى حمزة وخولة الطفيلي ومحمد سعيد شكَرون وسنيَّة فرَّان وصفاء بدر الدين ومي جعفر ورفيف عواضة، جميعُها تشكِّل ما سمَّاه كامل جابر “كتاب البطاقات”.
في تقديمه هذه المجموعةَ التذكارية، ذكَر كامل أَنَّ الاعتداءَ التدميريَّ على مواقعَ ومبانٍ تراثيّةٍ في أَحياء النبطية الجميلة، شوَّهَ العمارة التراثيّة في المدينة، وعُمْرُ بعضِها تجاوز 100 سنة. وهي نتاجُ ميسورين من أَبناء النبطية، هاجروا نحو أَفريقيا وأَميركا اللاتينيّة وغيرها، وعادوا برَساميل بَنَوا بها منازلهم العريقة، وأَسَّسُوا مصالحَهم من محالَّ ومصانعَ تلاصقَت على أَنقاض خاناتٍ وعقودٍ كان يبيت فيها روَّادُ السوق تجارًا من فلسطين وسوريا أَيامَ كانوا كلَّ يوم اثنين يقصدون سوقَ النبطية الأُسبوعيَّ الشهير.
ويَذْكر كامل جابر تعديلات كثيرة على تلك المباني أَشكالًا ومداخل. لكنَّها حافظَت على طرازٍ موحَّد، ثم استُبدلَت أَبوابُها الخشبيَّة الضخمة بأَبواب حديدية، خصوصًا بعدما أَخذَت المدينة تتعرَّض للقصف الإِسرائيليّ منذ 1974، بغاراتٍ أَدَّت لاحقًا إِلى تدمير عددٍ من البيوت العتيقة واحتراقها. ولم تَنْجُ متاجرُ السوق ودكاكينُه من القذائف والهدم والاشتعال جرَّاء القذائف الحارقة. وكانت قاصمةً غاراتُ العدوِّ ليلة 12 تشرين الأَوَّل/أكتوبر 2024 بالقضاء على معظم البيوت والمتاجر، وتدمير الوسَط التجاريّ بكامله.
ذاكَ دمارُ الحجَر. لكنَّ كامل جابر في “كتاب البطاقات” أَعاد ذاكرةَ النبطية صُوَرًا لا تُدمَّر، فتبقى في بال الأَجيال المتعاقبة ولو صُوَرًا. وكم من تراثٍ اندثَر منذ سنوات، ولنا منه اليوم صورٌ باقية على السنوات.
هكذا نفتح كتاب كامل جابر، ونَزور في البطاقات البريدية بيوتَ حسن نصار وسعيد شاهين ومحمد الفضل وبهجت ميرزا وحسن محمد شمس وكمال كمال وحسين عباس خريزات ومحسن شميساني وعادل أَحمد الصبَّاح وعلي توفيق قدوح ومحمد حسن سلمان الصبَّاح وتوفيق شاهين ومندلونَ آل البيطار وساحةَ النبطية وسوقَها التجاري والسرايَ العثماني وحيَّ السراي وعمارةَ السوق ومدرسةَ أَبو صالح وبيوتًا متواضعةً منتثرةً في الأَحياء والشوارع والدساكر.
شكرًا كامل جابر على “كتاب البطاقات”. سيبقى شهادةً على أَنَّ النبطية باقيةٌ ذاكرةً نابضةً في جيل اليوم وكلِّ جيل. فالعدوُّ يغتال الـمَعالم ولا يَقتُل ذاكرتها… ومَن يقتلُ عصفورًا لا يقتلُ الربيع. ولبنان، كلُّ لبنان، ربيعٌ دائمٌ حتى في الأَربعة الفصول.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



