التَطبِيعُ تحتَ الاختبار: لبنان وسوريا في لحظةٍ مَفصَليَّة

بينَ ضغوطِ التطبيع ومخاطر الصراع، يجد لبنان وسوريا نفسيهما أمامَ شرقِ أوسطٍ يُعادُ تشكيله بمنطق النفوذ لا الشراكات. وفي عالمٍ تتقدّمُ فيه القوة على الضمانات، يُصبحُ البحثُ عن توازُنٍ قابلٍ للحياة خيارًا دفاعيًا لا ترفًا سياسيًا.

الوزير يوسف رجّي: الحديث الآن عن التطبيع من المحرمات.

مايكل يونغ*

في السادس من كانون الثاني (يناير) الجاري، كشف الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد في تقريرٍ نشره موقع «أكسيوس» الأميركي عن مبادرةٍ أميركية جديدة طُرِحَت على كلٍّ من سوريا وإسرائيل، تقومُ على صيغةِ اتفاقٍ أمني يتضمّنُ إنشاءَ منطقةٍ اقتصادية مُشتركة على جانبَي الحدود بين البلدين. وجاء هذا الطرح عقبَ ساعاتٍ طويلة من محادثاتٍ غير مُعلَنة عُقِدَت في باريس في اليوم نفسه، حيث اقترحَ الأميركيون أيضًا إنشاءَ “خلية اندماج” ثُلاثية أميركية–إسرائيلية–سورية، مقرّها عمّان، تتولّى الإشرافَ على الوضع الأمني في جنوب سوريا، وتستضيفُ جولاتٍ لاحقة من النقاشات المُتعلّقة بنزع السلاح وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي.

هذا التطوُّر لم يبقَ محصورًا بالساحة السورية، بل سرعان ما انعكس ضغطًا إضافيًا على بيروت، في ظلِّ مساعٍ أميركية–إسرائيلية لدفع لبنان نحو ترتيباتٍ اقتصادية مشابهة، على الرُغم من مُعارضةٍ واضحة من مسؤولين لبنانيين رفيعي المستوى. وبلغ هذا الضغط حدّ اضطرار وزير الخارجية يوسف رجّي، المُقرَّب من حزب “القوات اللبنانية”، المعروف بموقفه العلني المناهض لـ”حزب الله”، إلى تقديم توضيحاتٍ في مقابلة حديثة مع “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، أحد أبرز مراكز الأبحاث الداعمة لتعزيز العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، بعدما طُرِحَ عليه سؤالٌ مباشر حول مسألة التطبيع بين لبنان وإسرائيل.

أجابَ رجّي بوضوحٍ لافت: “لا مجالَ في الوقت الراهن للحديث عن سلامٍ بين لبنان وإسرائيل. هذا الموضوع لا يزالُ من المحرّمات”. وأضاف بنبرةٍ لا تخلو من استغراب: “أنا متفاجئ جدًا من حديث القيادة الإسرائيلية عن مفاوضاتٍ اقتصادية”. أمّا في ما يتعلّق ب”الآلية” (الميكانيزم)، أي اللجنة الخماسية المُوَسّعة المكلّفة مراقبة ومناقشة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المُوَقَّع بين لبنان وإسرائيل عام 2024، فقد كان رجّي أكثر مباشرة، مؤكّدًا أنَّ تعيينَ شخصيةٍ مدنية، ممثّلة بالسفير سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني، لم يكن سوى إجراءٍ شكلي لم يُغيّر شيئًا في جوهر المهمة، التي بقيت، رسميًا وعمليًا، على حالها.

هذا الموقف يعكسُ إدراكًا لبنانيًا واسعًا لغيابِ أيِّ إجماعٍ داخلي حول مسألة التطبيع. فالسيرُ في هذا الاتجاه لن يفضي إلّا إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع، فضلًا عن أنَّ التطبيعَ مع إسرائيل قضيةٌ لا يرغبُ أيُّ مسؤولٍ لبناني في تحمُّلِ عبء الدفاع عنها في مواجهة معارضيه في الداخل. ويعود ذلك أساسًا إلى انتفاء أيِّ أرضيةٍ سياسية أو قانونية للنقاش، في ظلِّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية وغياب اتفاق سلام بين البلدين. رسميًا، لا يزال لبنان مُلتزمًا بمبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تشترط انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي الشروط التي تجاهلتها الولايات المتحدة بالكامل.

لكن، إذا سلّمنا بمنطقٍ يرى في السياسة الدولية ساحةَ صراع إرادات وقوى، كما يُردّد بعض المسؤولين الأميركيين، فإنَّ اللبنانيين يدركون معادلة أخرى يغفل عنها كثيرون خارج المنطقة. ففي الوقت الذي تمارس واشنطن ضغوطًا على بيروت ودمشق لدفعهما نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، تُهمَل التداعيات الجيوسياسية الأوسع لمثل هذا الخيار. فالمنافس الإقليمي الأبرز لإسرائيل في المشرق العربي هو تركيا، التي وسّعت نطاق نفوذها ليشمل الساحة السورية. ومن المنظور التركي، يُنظَرُ إلى أيِّ محاولة لإلحاق سوريا بالمجال الحيوي الإسرائيلي باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، فيما يُعدّ لبنان امتدادًا طبيعيًا لسوريا في الحسابات الأمنية والسياسية. واستقرار سوريا، من هذا المنطلق، يبقى مرتبطًا جُزئيًا باستقرار لبنان. لذا، فإنّ فرضَ مسارٍ يزجّ بلبنان داخل دائرة النفوذ الإسرائيلي قد يمنح تل أبيب قدرةً مؤثّرة على مسار الصراع في سوريا، وهو سيناريو ترى أنقرة أنه خطٌّ أحمر لا يمكن القبول به.

انطلاقًا من هذه الحسابات، جاء الموقف التركي الحاد من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي أبرمها لبنان مؤخرًا مع قبرص. فهذه الاتفاقية لا تمسّ فقط بالحدود البحرية لجمهورية شمال قبرص التركية، بل قد تضع لبنان، في نهاية المطاف، أمامَ ترتيباتٍ تُلزِمه بتصدير احتياطياته من النفط والغاز عبر الدولتين اللتين يتشارك معهما حدودًا بحرية، أي إسرائيل وقبرص. وفي هذا السياق، يبرز احتمال مدّ خط أنابيب يربط الدول الثلاث بالأسواق الأوروبية مرورًا باليونان، في منافسةٍ مباشرة لخط “ترك ستريم” التركي الذي ينقل الغاز إلى بلغاريا. أنقرة، من جهتها، تسعى إلى أن تتدفّق موارد المشرق العربي عبر شبكتها الطاقوية، بما يعزّز موقعها كمحور إقليمي للطاقة يربط آسيا الوسطى وبعض دول الخليج والمشرق العربي بأوروبا.

لهذا السبب، يصعبُ توقّع أن تقف تركيا موقف المتفرّج إذا ما اتجه لبنان ليصبح جُزءًا من فضاءٍ تُهيمن عليه إسرائيل. فما هي خيارات أنقرة في مثل هذا السيناريو؟ أحد الاحتمالات يتمثّل في تحريك نفوذها داخل البيئة السُنّية اللبنانية لمواجهة مسار التطبيع، مع احتمالٍ كبير للتنسيق، ظرفيًا، مع إيران و”حزب الله” ــ على الرغم من التباينات العميقة بين الأطراف الثلاثة، ولا سيما في الملف السوري ــ بهدف تعطيل هذا المسار. ومن الزاوية اللبنانية، لا تبدو هناك أي فائدة من تمزيق البلاد حول اتفاقٍ يفتقر إلى قبول واسع في بيروت، ولا يُرجّح أن ينتج عنه سوى زيادة هشاشة لبنان في مواجهة إسرائيل الأكثر توحّشًا.

في المقابل، يكاد يجمع اللبنانيون على ضرورة نزع سلاح جميع الجهات غير الحكومية وتحييد الحدود الجنوبية. ومن الإنصاف القول إنَّ غالبية اللبنانيين رفضت انخراط “حزب الله” في حرب غزة، وترى في حصر السلاح بيد الدولة خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تكتفي الولايات المتحدة بدعم هذا الخيار، عبر تعزيز ضمانات أمن الحدود مع إسرائيل، بدل الدفع نحو اتفاق أشمل وأكثر إثارة للانقسام داخل لبنان؟

للإجابة، لا بدَّ من العودة إلى فنزويلا. فالمسارُ الذي تنتهجه واشنطن هناك يوحي بأنها تُعيدُ رسم قواعد اللعبة الدولية، عبر تهيئة بيئات تسمح للقوى الكبرى بالتدخُّل في ما تعتبره مجالات نفوذها الحيوية. فعلت روسيا ذلك في أوكرانيا، وقد تُقدِم الصين على خطوةٍ مُماثلة في تايوان. وفي هذا الإطار، يبدو أنَّ الولايات المتحدة تعمل اليوم على مساعدة إسرائيل في تثبيت منطقة نفوذ خاصة بها في المشرق العربي. غير أنَّ إعادة تشكيل نظام دولي تكون فيه مناطق النفوذ والدفاع عنها هي القاعدة لا الاستثناء، ستقودُ إلى عالمٍ أكثر اضطرابًا. أما في الشرق الأوسط، فالثمن المرجّح هو سنوات طويلة من التوتر، مع فرصٍ ضئيلة للتوصُّل في المدى المنظور إلى توافُقٍ إقليمي شبيه بنسخة شرق أوسطية من “مؤتمر فيينا”.

اللافت في هذا السياق أنَّ طريقة تفكير دونالد ترامب لا تختلف كثيرًا عمّا كان يعتمده باراك أوباما، رُغمَ العداء الشخصي والسياسي الذي يُكنّه الرئيس الحالي لسلفه. ففي مقابلةٍ شهيرة أجراها معه جيفري غولدبيرغ، رئيس تحرير مجلة “ذا أتلانتيك”، عام 2016، عبّر أوباما عن أسفه لما سمّاه “التنافس بين السعوديين والإيرانيين”، الذي رأى أنه أسهم في تغذية الحروب بالوكالة والفوضى في سوريا والعراق واليمن. وخلص حينها إلى أنَّ هذا الواقع “يتطلّب أن نقول لأصدقائنا وللإيرانيين على حدّ سواء إنَّ عليهم إيجاد طريقةٍ فعّالة لتقاسُم الجوار وإرساء نوع من السلام البارد”. هذه المقاربة تَعكِسُ، إلى حدّ بعيد، ذهنية تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث يُفترَضُ بالقوى الإقليمية الكبرى أن تتعايش عبر تقاسُم مناطق نفوذها، على حساب الدول الواقعة ضمن هذا المجال.

في هذا الإطار، لم يُبدِ أوباما فهمًا أعمق لحقِّ تقرير المصير الوطني ممّا أظهره ترامب لاحقًا. فكلاهما تعامل مع دول المنطقة ضمن بُنيةٍ ثُنائية جامدة: سعودية–إيرانية، سنّية–شيعية، في مقاربةٍ تتناقضُ جوهريًا مع الدروس التي أفرزتها انتفاضات 2010–2011، والتي كشفت أنَّ المجتمعات لا تُختَزَل بهذه التصنيفات، ولا تقبل أن تُدار كتوابع في صراع نفوذٍ بين قوى أكبر منها.

وهنا تبرزُ المُعضِلة الأوسع: في عالمٍ يُعادُ تشكيله على قاعدة مناطق النفوذ، لماذا قد تختار دول مثل لبنان وسوريا الانخراط في فضاءٍ تُهيمنُ عليه إسرائيل بدعمٍ أميركي؟ فالولايات المتحدة تتصرّف اليوم كقوةٍ خارجة عن القيود التي لطالما بشّرت بها، فيما ترتكب إسرائيل مجازر جماعية في غزة، وتسعى إلى استكمالها بسياسات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين هناك وفي الضفة الغربية. في ظل هذا الواقع، ما الذي يمكن أن يقدّمه هذان الطرفان لدولٍ مثل لبنان وسوريا؟

تجربة السنوات الأخيرة لا توفّر الكثير من الإجابات المطمئنة. فقد قدّمت الولايات المتحدة خطةً لوقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، ألحقتها بملحقٍ أتاح لإسرائيل انتهاكَ الاتفاق عمليًا. ثم تجاهلت إسرائيل مهلتَي الانسحاب النهائيتين في كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2025 من دونِ أيِّ تبعات جدية. في ضوء ذلك، يصبح السؤال عن قابلية الثقة بأيٍّ من الطرفين سؤالًا مشروعًا. صحيحٌ أنَّ لبنان وسوريا لا يستطيعان تجاهل الأميركيين والإسرائيليين، وقد يجدان نفسيهما مُضطرَّين إلى التعامل معهما في لحظاتٍ معيّنة، إلّا أنَّ ربطَ المصير السياسي والأمني بهما لا يوفّر مكاسب حقيقية، بل يضع البلدين تحت مظلّة قوى تنتهك سلطتها السياسية والأخلاقية وتسعى إلى فرض هيمنة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة.

في المقابل، يتيح نظامٌ إقليمي متعدّد الأقطاب لكلٍّ من بيروت ودمشق هامشًا أوسع للمناورة، ويمنحهما قدرة أكبر على تفادي الوقوع الكامل في فلك أي محورٍ واحد. وفي منطقةٍ تشهد إعادة توزيع قاسٍ لموازين القوة، قد يكون هذا الهامش المحدود هو الخيار الأقل كلفة، والأقرب إلى الحفاظ على ما تبقّى من السيادة والاستقرار.

في طرحِ خيارَي التطبيع أو الصراع، تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل وكأنهما مساران متناقضان، فيما الواقع في المشرق يوحي بالعكس تمامًا: فالتطبيع، في السياق الراهن، لا يبدو وصفة للاستقرار بقدر ما يحمل في طياته بذور صراعات جديدة. نحن أمام شرق أوسط مختلف، تُعاد فيه صياغة موازين القوة، وتتنافس فيه الأطراف الإقليمية والدولية على توسيع مجالات نفوذها بلا أوهام أخلاقية أو ضمانات طويلة الأمد.

في مثل هذا المشهد، سيكون من الطبيعي أن يسعى لبنان، ومعه سوريا، إلى شقّ طريقهما ضمن لعبة توازنات دقيقة، والابتعاد قدر الإمكان عن التزامات قد تجرّ عليهما أكلافًا استراتيجية لا قدرة لهما على تحمّلها. ويزداد هذا الخيار ترجيحًا كلما تراجعت الثقة بأنَّ المقاربات الأميركية–الإسرائيلية تحمل وعودًا فعلية بالاستقرار أو الازدهار. ففي منطقة تحكمها الوقائع لا النوايا، لا تُقاس الخيارات بمدى انسجامها مع الرغبات الخارجية، بل بقدرتها على تقليص الخسائر وحماية ما تبقّى من هامشٍ سيادي في زمن التحوّلات القاسية.

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة ذا ناشيونال، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة وول ستريت جورنال كواحد من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى